الرئيسية » مقالات » في رثاء الصديق عيسى جاسب الطوب

في رثاء الصديق عيسى جاسب الطوب

ليس هناك أشد إيلاماً على النفس من أن تتلقى نبأ وفاة صديق عزيز عليك، خاصة إذا كنت قد عاشرت هذا الصديق منذ الطفولة، وبقي وفياً صادقاً لهذه الصداقة الحميمة إلى آخر لحظة من حياته. صحيح أن الموت هو نهاية رحلتنا في الحياة، ولا بد أنه ملاقينا يوماً ما، إن عاجلاً أم آجلاً، ولكن في جميع الأحوال فالموت مثل الإرهاب، يتسلل إلينا خلسة ويختطف منا أعزاءنا واحداً بعد الآخر ودون أي إنذار.

في مساء يوم السبت المصادف 1 آب الجاري، انتقل إلى عالم الخلود الصديق العزيز المرحوم عيسى جاسب الطوب الجبوري، بعد مرض عضال. والصديق من مواليد الفاو، محافظة البصرة، وهو والد العزيز قيس، و شقيق المرحوم الشيخ يوسف جاسب الجبوري، أحد مؤسسي التجمع الديمقراطي القاسمي في البصرة، والذي توفي هو الآخر قبل عامين رحمه الله.

كان الفقيد الغالي صديقي الأقرب والأعز منذ الابتدائية، وكان حاد الذكاء، ولكن لسوء الحظ، توفي والده فجأة وهو في السنة الأخيرة من مرحلة الدراسة الإعدادية، لذلك لم يستطع إكمال دراسته الجامعية، إذ كان عليه أن يتحمل أعباء معيشة العائلة وهو في سن مبكرة. فحصل على عمل في قسم المسح البحري في ميناء الفاو. ونظراً لما كان يتمتع به من ذكاء وقاد، والخصال الشخصية الحميدة، استطاع كسب ثقة وإعجاب المسؤولين به في مؤسسة المواني، فأدخل في الدورات الدراسية والتدريبية في الداخل والخارج، فتمكن من تعلم المهنة بسرعة، متفوقاً فيه كمساح بحري ماهر.

وإلى جانب خبرته في المسح البحري، كان الفقيد حريصاً على التثقيف الذاتي، إذ كان يتمتع بثقافة عامة واسعة في معظم مجالات المعرفة. وكم كنا نتبادل الكتب، وخاصة في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع…الخ، ونتناقش بها بعد قراءتها بشغف.

ومن مآثر فقيدنا ودلائل تفوقه وذكائه الحاد، أنه استطاع مرة أن يحل معضلة كبيرة لمنشأة الموانئ العراقية خلال التسعينات من القرن الماضي، عندما فرض الحصار الاقتصادي على العراق بسبب غزو النظام البعثي الصدامي للكويت. إذ تحتاج الموانئ إلى جداول المد والجزر والتي كانت تحتكر وضعها مؤسسات بحرية عالمية في الغرب، ولم تستطع الموانئ الحصول عليها بسبب الحصار.

والمعروف أن المد والجزر ظاهرة طبيعية تتمثل في ارتفاع وانخفاض لمستوى المياه في المحيطات والبحار والخلجان، بفعل قوى جذب القمر والشمس للغلاف المائي والحركة المحورية للأرض. فخلال سنوات الحصار الاقتصادي، امتنعت المؤسسات العالمية تزويد العراق بهذه الجداول عن حركة المد والجز في القنوات العراقية والتي بدونها تتوقف حركة البواخر وكافة النشاطات في الموانئ العراقية. وفي هذه الظروف القاسية، استطاع المرحوم عيسى جاسب الطوب (أبو قيس) وضع هذه الجداول بنفسه معتمداً على ذكائه وخبرته في الرياضيات، ومعرفته بحركة المد والجزر للقنوات البحرية العراقية.

وقد نشرت صحيفة الثورة البغدادية في وقتها تقريراً مفصلاً، ومقابلة مع الفقيد عن هذا الإنجاز العلمي، في عددها الصادر يوم 6/11/1997، حيث جاء في تقرير الصحيفة: ” تمكن المساح البحري عيسى جاسب الطوب من دائرة الشؤون البحرية التابعة لمنشأة موانئ العراق من إيجاد أبعاد ومواقيت الموجة المدية للقنوات البحرية العراقية لعشرات من السنين المقبلة، وهو أمر لا يمكن الاستغناء عنه في تسيير العمليات البحرية المختلفة… وقد ظهرت النتائج بعد تطبيقاتها مع واقع الحال مرضية جداً في تنظيم العمليات البحرية دون تكليف منشأة الموانئ أية أعباء مالية تذكر”.

وكغيره من عامة الشعب العراقي خلال حكم البعث، وبالأخص في فترة الحصار، لقد عانى الفقيد كثيراً من شظف العيش وقسوة الحياة، وربما بشكل مضاعف لحساسيته المفرطة ووعيه المتوقد، إضافة إلى مرضه حيث أصيب بجلطة قلبية نجا منها بأعجوبة، أثرت كثيراً على صحته ونشاطه، فتقاعد على أثرها عن العمل وكان يعاني بصمت وصبر أيوب.

الإنسان المثقف الحساس يعيش غريباً حتى في مجتمعه. ولذلك، وكغيره من المثقفين، فضل في هذه الظروف القاسية، حياة العزلة، فانكفأ على نفسه مفضلاً الابتعاد عن الناس وإشغال نفسه بشؤون العائلة وبالمطالعة. وكنا نتراسل، وأحيانا نتخاطب عبر الهاتف ولو على فترات متباعدة بسبب رداءة الخطوط. وقد لمست منه مرة أنه سئم من هذه الحياة، فقال أنه ينتظر الموت في أية لحظة، وأنه مستعد له.

كان من أغلى أمنياتي أن ألتقي بصديقي العزيز أبي قيس إذا ما سنحت لي الفرصة لزيارة البصرة، ولكن لسوء الطالع، أبى الموت إلا وأن يحرمنا من تحقيق هذه الأمنية البسيطة لرؤية الأحبة. فقد اتصل بي من البصرة، أخي خليل، صباح أمس الأحد، وأخبرني بالنبأ المفجع الذي وقع عليَّ كالصاعقة.

أيها الصديق العزيز، نم قرير العين، لقد عانيت كثيراً من شرور هذه الدنيا الفانية، ومساوئ هذا الزمن الرديء، وقسوة الحياة وخاصة في سنواتك الأخيرة. لقد فاجأتنا برحيلك بلا وداع، وستبقى حياً في قلوبنا نحن أحبائك ما دمنا أحياء.
نقدم عزاءنا الحار إلى نجلك العزيز قيس وكافة أفراد العائلة الكريمة وإلى آل الطوب وكل أصدقائك ومحبيك. إن رحيلك عنا خسارة لا تعوَّض لنا جميعاً، فلك الذكر الطيب، وندعو لذويك ومحبيك بالصبر والسلوان.
فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا.

عبدالخالق حسين
2 آب 2009