الرئيسية » مقالات » ظاهرة تفريخ الأحزاب وتأثيرها في الوضع العراقي

ظاهرة تفريخ الأحزاب وتأثيرها في الوضع العراقي

تنشط ظاهرة توالد الأحزاب السياسية وانشطارها في بلداننا العربية، خاصة عند اقتراب موسم الانتخابات، بالشكل الذي يجعل من الحزب الواحد حزبين، كل طرف يدعي المشروعية في وجوده على الساحة السياسية. وتتباين مسببات هذا التفريخ، فالبعض يعتبره نتاجاً طبيعياً لخلل داخلي في الأحزاب نفسها، فيما يعتبره آخرون عملية مدبرة تقف وراءها الكتل السياسية الكبيرة، لإضعاف من يعارضها من أحزاب وتيارات جديدة بدأت تظهر على الساحة وتستقطب اهتمام الناخب، من أجل خلخلة صفوفها وبالتالي الاستحواذ على النصيب الأكبر من الكعكة السياسية في الانتخابات التشريعية.
ومع بداية العد العكسي لانتخابات 2010 البرلمانية في العراق تزداد درجة حرارة المشهد السياسي والحزبي، حيث أن كل طرف يقلب الحسابات ويفك ألغاز المعادلات ويعدد من المناورات لتمهيد الطريق أمام فوز مبين. وفي العراق الذي يشهد اليوم توالدا للأحزاب السياسية بطريقة عشوائية أفضت إلى وجود عدد مهول منها، ربما أكثر بكثير من أن تتسع له الساحة العراقية ومعظمها إن لم نقل جميعا تشترك فيما تسميه المشروع الوطني البعيد عن الطائفية والعنصرية، وتتشابه برامجها الانتخابية إلى درجة أن يكون من الصعب على المواطن الحكم أو حتى التفريق بين برنامج أي من الأحزاب والتكتلات الداخلة في العملية الانتخابية، فالأهداف التي ترمي إلى تحقيقها، على سبيل المثال لا الحصر، قائمة جبهة التوافق العراقية تشبه إلى حد بعيد ما يتضمنه البرنامج الانتخابي لمنافستها الائتلاف العراقي الموحد، فالقائمتان تدعوان إلى الوحدة الوطنية ونبذ العنف والتطرف ورفض الطائفية.. إلى جانب تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والارتقاء بالمستوى المعيشي للفرد العراقي، وهذا الأمر عينه الذي تردده الأحزاب الجديدة التي فرختها أحزاب أخرى كبيرة، حيث أن هذه الانشطارات السياسية لا تختص بها طائفة دون أخرى ولا حزب عن مثيله.
وما لفت نظري حول هذه الظاهرة- أي تفريخ الأحزاب- مقابلة صحفية أجراها مستشار الأمن القومي السابق وزعيم تيار الوسط الدكتور موفق الربيعي مع صحيفة الخليج، نشرت يوم ٢٦/٠٧/٢٠٠٩، حيث أشار الدكتور الربيعي إلى ضرورة تغيير الخارطة السياسية الموجودة في العراق بعد الانتخابات النيابية المقبلة، مضيفا “إذا لم تتغير الخارطة السياسية فهذا يعني أننا نتجه باتجاه الخنادق الطائفية الدائمة”. وهو ذات الأمر الذي تعكف على تحقيقه اليوم القوى السياسية العراقية بدء من الائتلاف الشيعي مرورا بالقوائم العلمانية أو ما تسمي نفسها بالوطنية وأبرزها القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي وجبهة الحوار بزعامة صالح المطلك وانتهاء بجبهة التوافق السنية- وهذا يعني أن الربيعي، الذي أكن له الاحترام، لم يأت بجديد. فزعيم تيار الوسط يرى أنه خلال انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، فإن “أقل من 50% شاركوا فيها، مما يعني أن هناك أكثر من 50% من أبناء الشعب العراقي هم رافضون للوضع الراهن، أو لنقل إنهم غير متفاعلين مع هذا الوضع برمته”. ويستطرد بالقول إن “حزب الوسط هو حزب من لا حزب له، هو صوت من لا صوت له، هو تيار من لا تيار له، هو انتماء من لا انتماء له، هو تيار لعملية تعبئة الطاقات التي أحجمت عن المشاركة في العملية السياسية، لكنها تأثرت بها بشكل سلبي ولم تؤثر فيها”. كل هذا كلام جميل ولكن لم يلمس المواطن لحد الآن أي نشاط لتيار الوسط يصب بصالح تحسين وضع العراقيين أو حتى الدفاع عن قضاياهم، فما جدوى تأسيس التيار؟
كما أن الربيعي أشار في حديثه إلى أن “العراقيين خلال انتخابات مجالس المحافظات صوتوا ضد التطرف الديني، ضد الطائفية، ضد التدخل الإقليمي في الشؤون الداخلية للعراق، صوتوا للوسط، صوتوا للاعتدال”، في إشارة منه على ما يبدو إلى قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي التي حصدت غالبية الأصوات في هذه الانتخابات، والتي تعد شهادة منه أن قائمة ائتلاف دولة القانون تحمل جميع الصفات الجيدة التي ذكرها الربيعي.. إذن ما الفرق بين قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي وتيار الوسط المشكل حديثا؟؟
إن تيار الوسط ما هو إلا اقرب مثال إلى ظاهرة توالد الأحزاب في البلاد، حيث سبقه في ذلك الرئيس السابق لمجلس النواب الدكتور محمود المشهداني ورئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري وحتى التيار الصدري الذي هو الآخر لم يسلم من ظاهرة تفريخ الأحزاب عندما شكّل عدنان الشحماني ما سمي حينها بـ “التجمع العراقي الوطني”.
ويبقى المواطن يتساءل عن جدوى تفريخ الأحزاب إذا لم تأت بجديد ولم تكن مؤثرة في صنع القرار ببلد يعاني من أزمات سياسية واقتصادية عديدة، ناهيك عن المشكلات الأمنية، فليس من المهم عنده تأسيس الأحزاب وإنشاء برامج انتخابية لها، بل أن المهم من كل ذلك إنجاز الوعود وتنفيذها.