الرئيسية » مقالات » لا ان نرى المالكي بنصف عين …

لا ان نرى المالكي بنصف عين …

كذلك يجب ان لا نرى الحالـة العراقيـة بنصف عين ’ فعندما يتراجع الكاتب عن موضوعيتـه وحياديتـه ’ يفقد بذلك مصداقيتـه ودوره ’ وليس هنـا بصدد الدفاع عن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي ’ فللرجل وسائله وامكانياته وتاريخـه وانجازاتـه التي يدافع بها عـن نفسه ’ لكنني اشفق على موقف الكاتب اذا ما انزلق الى هوة الأنحياز ثـم التبعيـة بعـدها ( لا سامـح اللـه ) .

تميزت الأشهـر الأخيرة بظاهـرة التشهير والتسقيط المجحف الذي يفتقر تماماً الى الموضوعيـة والأتزان استهدفت شخصيـة السيد نوري المالكي بنفس الوقت الذي تتم فيـه وبأفتعال لا يمكن اخفاءه مغازلة واسترضاء اطرافاً اخرى’ كانت يومها هدفاً لذات التشهير والتسقيط’ وتلك هزيمة مؤسفـة لفضيلـة الأنصاف عند الكاتب .

ان حالة التسقيط والتشهير ــ وليس النقد ـــ قد تكون هوة يسقط فيها الكاتب نفسـه’ ويصبح موقفه المنحاز على حساب قدسية وضيفته الأجتماعية ’ انه بذلك يتخلى عن مهنيتـه ومبادئـه وقيمـه في معالجة ما يريـد ’ ثم يفقد احترام وثقـة قراءه وجمهوره ويبقى يدور حول ذاتـه .

السيد المالكي وحزبه هما طرف في العملية السياسية بقضها وقضيضها والتي يتحمل المسؤولية ازائها جميع الأطراف المتوافقة على تحاصص السلطـة والثروات والجغرافيـة والأنسان ’ ابتداءً من رئاستي الجمهورية والوزراء مروراً بمجلس النواب ومسؤولي الأقاليم والمحافظات وكذلك المؤسسات والأجهزة الحكوميـة الأخرى ’ وعلى الكاتب ان يتناول الموضوع كظاهرة عامـة مشتركـة ’ اما الشخصنـة والنظر بنصف عين سيجعل الكاتب وكأنـه منبطحاً على طاولـة هذا المسؤول او ذاك الكيان وليس اكثر مـن لافتـة تستهلكها الصراعات او خرقة يمسح بها السياسي الرديء قذاراتـه .

هناك الكثير مـن الأمور السلبيـة التي تشترك فيها جميع الكيانات الرئيسيـة ’ يجب على الكاتب التوقـف عندها ومواجهتهـا ’ فهناك نظام التحاصص والتوافقـات والمشاركـة المعيبـة في تقاسم المكاسب والأسلاب ’ هناك الفساد وتفشي الرشوة والمحسوبيـة والمنسوبيـة والتدمير المنظم للكفاءات والنزاهة ’ وهناك اطراف مقاومة ( غير شريفـة ) تتسلل الى مفاصل الدولـة والمجتمع وهناك مجلس نواب مقاوم يشرف على تعطيل معظم المشاريع التي يمكن لهـا ان تخدم الناس وتخفف مـن معاناتهم ’ وهناك التصريحات الناريـة وحالات التصعيد الحارقـة ومصادر تجهيز حطب وزيت الكراهية والأحقاد واسباب الفتنـة لأكمال تمزيق النسيج الوطني للمجتمع العراقي ’ وهناك ممثلي بعض الكتل والأطراف تتطاول على اختصاصات السلطات الرسميـة وتسي الى هيبـة الدولـة العراقيـة ’ تلتقي علناً وتتفاوض وتتفق سراً مـع سوريا وتركيـا وعواصم اقليميـة اخرى وتصالح وتتآمر مع الزمر المتبقيـة مـن النظام الدموي المقبور وعلى حساب العراق ’ وهناك امثلة كثيرة وفضائح اكثر لا يرغب الكاتب المنحاز مواجهتها والأشارة اليها بقدر اهتمامه بفندق او ممتلكات ينسبها لأقارب احد المسؤولين المراد استهدافه والأساءة اليه ثم يضيف اليها ما يشاء مـن مخيلتـه المنحازة اصلاً ’ الى جانب الأتهامات الساذجـة بالدكتاتوريـة والتفرد في وقت لا توجد فيـه ارضية لنمو الدكتاتورية اضافـة الى تواجد قوات الأحتلال التي لازالت تمتلك معظم اوراق الحالة العراقيـة الى جانب المزاج الشعبي الذي يرفض ويعاقب ديموقراطياً مـن يحاول العودة بالعراق الى ازمنـة الدكتاتوريـة والشموليـة ’ ملخص الأمر ان السيد المالكي طرح افكاراً ومن حقـه ان يتبناها ويدافع عنها وقد كلفتـه مواجهات تحقيق بعضها مخاطر جدية كادت ان تطيح بحكومته ’ البعض اختلف معه ومن حقهم ايضاً ’ لكن ليس انصافاً ان نصنع مـن المالكي دكتاتوراً ومن والأخرين ديموقراطيين’ انها ارهاصات اهـواء محكومة بالأنحياز بينما المفروض ان نترك فرصة للرأي العام العراقي ليقول كلمته ويفرض ثقته عبر الأنتخابات القادمة وفي هذه الحالة على الكاتب ان يكون منحاز فقط الى جانب مستقبل الوطن والناس .

لا نريد وليس من حقنا التعميم غير المنصف ’ فهناك امثلة رائعة للكاتب والباحث والناقد والفنان الذي يحترم موقفه ومهنيته ’ حيث تلعب معالجاته ادواراً مهمـة في ايقاظ الوعي الجمعي وتسليط الضؤ على مكامن الوجع والخلل واسباب المأزق ’ ملتزم بالحياديـة والموضوعيـة والأصطفاف الى جانب الأمـة .

صحيح ان السياسي الرديء يحاول تدجين المثقف عبر محاصرتـه وتهميشه وحتى افقاره ـــ تجويعـه ـــ بغيـة اذلالـه ثم احتواءه ’ هكذا سياسي لا علاقة له بالثقافة ولا يقدر دورهـا ويعاني مركب نقص تجاه المثقف ’ انـه منغلق على ذاتـه داخل شرنقـة فـن فرهـدة الممكن لتحقيق مزيداً من المكاسب الشخصيـة والفئوية السريعة ’ ولا يؤلمه الحاق الأذى بالمثقف عندما يعمل على انتزاعـه من اجوائه الأبداعية وقيمه الأجتماعية ويحاول ان يجعله دبقاً بمكرماته ’ هكذا سياسي او مسؤول لا يحترم شعبـه اساساً ’ انه مجرد ( ربوت ) وظيفي نفعي لا تعني الحياة بالنسبة لـه سوى مظهرها للجشع والخداع والوقيعـة ’ رغم ذلك كلـه على المثقف والكاتب بشكل خاص ان لا يكون طرفـاً في صراعات عبثيـة تستنزف العراق ’ عليه ان يكون متابعـاً يقضاً وناقـداً جيداً مدعوماً بوعي وتعاطف وثقة الرأي العام العراقي’ يحترم علاقته مع القاريء ولا يلوثها بأهوائة الذاتيـة والطائفيـة والعرقيـة وأن لا يطرق ابواب مـن لا يريد للعراق خيراً .

الآن في العراق مساحة مـن الحريات الديموقراطية يستطيع الكاتب ان يتحرك داخلها ’ ان ينتقد ويكشف عن عورة الحالة والمسؤول ويضغط بموضوعيته واستقلاليته ليجعل المسؤول السياسي مضطراً على ان يبتلع ردود افعالـه اذا ما كانت سلبيـة ’ نؤكـد كذلك على ان العراق يندفع الآن بأتجاه تحرره الناجز وتحرير المثقف من نقاط ضعفـه ويرفع عن كاهل الثقافـة الوطنيـة ثقـل التراكمات السلبية لأزمنـة الأنحطاط والتردي ’ وأن شعبنا ومهما طال مشواره ’ سيعيد صياغـة ذاتـه ليستيقظ وينهض من اجل استرجاع ثرواتـه ومؤسسات دولتـه مـن قبضـة المعوقين فكرياً وسياسياً وثقافياً واخلاقياً وروحياً وتربويا ’ وعلى المثقف ( الكاتب ) ان يكون طرفاً ايجابياً في معادلـة التحرر تلك ’ وقادر على ان يدفع ثمن شرف مسؤوليتـه وقناعاته وقيمـه وموضوعيتـه ويتجنب الأنزلاق الى هاويـة الضعف والأستسلام ثـم الأرتمـا في جيوب المجحفين فتخسره الثقافـة بعد ان يخسر نفسـه .

02 / 08 / 2009