الرئيسية » شؤون كوردستانية » النظام السوري وسور الصين العظيم

النظام السوري وسور الصين العظيم

يخال للوهلة الأولى عدم وجود أية علاقة بين سور الصين العظيم وسلطة العسكر في دمشق، ولكن بعد شيء من التحليل والمقارنة سوف نتوصل إلى نتيجة مفادها بوجود مثل هذه العلاقة حقا. فالسور الصيني الشهير الذي يعد أحد عجائب الدنيا السبع بني من حيث المبدأ لحماية الامبراطورية الصينية من هجمات قبائل البدو الرحل التي كانت تأتي من الشمال في القرن الخامس ق.م.وقد بنيت الأجزاء الأولى فعلا في تلك الفترة وفي زمن سلالة كين شيهوانغ واستمرت حتى عام 1493 ميلادية.يبلغ طول السور حوالي 6.350 كم ويتراوح عرضه مابين 4-8 أمتار.يتوسط السور على مسافة كل 100-200كم نقاط حراسة وتفتيش وغني عن البيان أن الرجال البالغين أنذاك أرغموا على العمل في بناء الجدار سواء من قبيل السخرة،أداء الخدمة العسكرية، تنفيذ العقوبة أو العيش والعمل هناك طوال الحياة.ومن الجدير بالذكر اعلان منظمة اليونسكو سور الصين بمثابة أرث للحضارة العالمية. وبسبب الظروف القاسية واللا انسانية، توفي أكثر من مليون شخص اثناء أعمال البناء وتعمد أجزاء واسعة من السور المذكور بدماءهم الحمراء.
والنظام السوري بطبيعته الاستبدادية والديكتاتورية لايختلف أبدا عن الحكومات والنظم المختلفة التي تعاقبت على حكم الصين، بدءا من الأباطرة الأوائل وانتهاء بالنظام الشيوعي الحالي.فأقطاب حكم البعث في دمشق وبعد سقوط المنظومة التي كانت تسمى بالاشتراكية،فقدوا السند والداعم الأساسي لهم ولاسيما الاتحاد السوفياتي.أدت التغييرات الجيو استراتيجية على الصعيد العالمي إلى فقدان التوازن بين الديمقراطية والديكتاتورية بكافة أشكالها، مما أرغم نظام البعث بالتكيف وفق الظروف الجديدة و البحث عن حلفاء وأصدقاء جدد تجنبا للسقوط أمام رياح التغيير العاصفة التي كنست العديد من النظم القمعية والمعادية لمصالح الشعوب.وجد النظام السوري ضالته المنشودة في النظام الصيني وتجربته،سيما إذا أخذنا بالحسبان القواسم المشتركة العديدة التي تجمع النظامين.فالعقول المتخلفة والغبية في نظام البعث أرادت استنساخ التجربة الصينية والتي تتلخص في المحافظة على هيمنة سلطة البعث السياسية ودوره القيادي ولكن مع اجراء بعض الاصلاحات الاقتصادية من قبيل ذر الرماد في العيون،سيما أن رأس السلطة البعثية مختص في طب العيون وهو قادر ليس على ذر الرماد فيها بالشعارات الطنانة والمتخشبة،بل قلعها ببراعة فائقة.وكانت النتيجة هي ما نراها اليوم أي الفشل الذريع في تطبيق التجربة الصينية من وراء السور العظيم على الأرض السورية فالمجتمعان مختلفان من كافة النواحي. ففي حين تطورت الصين خطوات هائلة نحو الأمام وبلغت معدلات النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة حوالي 12-14% ،بينما تراجع اقتصاد دولة الصمود والتصدي وقلعة العروبة النابض إلى الوراء،حيث أكد تقرير الأمم
المتحدة الصادر في شهر تموز الماضي إن “معدلات الفقر العام في سورية تتراوح بين 28.6% و 30 %” و ذلك في معرض
استعراضها لمعدلات الفقر في البلدان العربية.وفي الحقيقة أنها أعلى من ذلك بكثير،وهناك ثلاثة ملايين كردي يعيشون في أغنى المناطق من سوريا ولكنهم أكثر الناس فقرا،مقارنة مع بقية السوريين.وجرى سجن د.عارف دليلة الرجل الذي برهن بالاحصائيات والوقائع أسباب الفشل والانكماش الاقتصادي في سورية ولاسيما السياسة الزراعية الموجهة بشكل خاطيء التي ألحقت خسائر فادحة بالقطاع الزراعي و أسهمت في احداث الازمة الراهنة،ناهيك عن انتقاده لسياسة اقنصاد الظل والنهب التي تمارسها الطغمة الحاكمة ورجالاتها.
.وأراد عباقرة!!! آخرون من داخل مختبرات النظام الذي وعلى مدى أربعون عاما يعيد انتاج نفسه فقط،القيام باصلاحات إدارية ولكن بشرط المحافظة على النظام القائم وعدم المس بامتيازات الرفاق المناضلين وهي الأخرى انتهت إلى نفق مسدود وبلا آفاق. فالنظام السوري بنى في غربي كردستان ليس سورا،بل حزاما عربيا شوفينيا منذ السبعينات،حيث أقيم بموجبه أكثر من 46 مستعمرة عربية على الأرض الكردية وطرد سكانها الأصليين وحرمانهم من كافة الحقوق الانسانية.ولايخفى علينا أن النظام الاستبدادي السوري استفاد كثيرا من فكرة سور الصين العظيم وذلك ببناء آلاف الأسوار والأسيجة غير المرئية في زمن العولمة والانترنيت مثل الرقابة وحجب الكثير من المواقع وحظر الصحافة المستقلة، لحشر السورييين خلفها،والحيلولة دون تأثرهم برياح التغيير والديمقراطية التي تهب من كافة الجهات على مملكة البعث الأبدية.وإذا كان حكام الصين لايأبهون كثيرا بحقوق الانسان ويخرقونها لدى أول فرصة سانحة،فأن سلطة العسكر في دمشق تدوس بجذمة عساكرها كافة العهود و المواثيق الدولية عن حقوق الانسان التي صادقت بنفسها عليها والتزمت تطبيقها.وكلف بناء أسوار البعث العديدة الشعوب السورية أيضا مئات الآلاف، سقطوا ضحايا في ساحات وشوارع قامشلو وسجون الحسكة وفرع فلسطين وتدمر وسجن المزة وغيرها.
وعندما انتفض التيبتيون بقيادة دالاي لاما في العام 1959 ضد سياسة القمع والصهر القومي التي مارستها الحكومة الصينية ضدهم، انبرت الصحافة والدعاية السوفيتية بالدفاع عن سياسة الصين واتهام تلك الانتفاضة العادلة بالرجعية والعمالة للإمبريالية.وعلى نفس المنوال وعندما انتفض القلاحون الكرد في قرية علي فرو** في عام 1968 ضد سياسة الحزام العربي العنصرية لنظام البعث،انبرت صحيفة رودي برافو الناطقة باسم اللجنة الكركزية للحزب الشيوعي التشيكو سلوفلكي بالدفاع عن ذلك العدوان ووصف الانتفاصة الكردية العادلة والمشروعة بالاقطاعية والتي تهدف إلى عرقلة المنجزات الاشتراكية في سورية!!!.انتفض الطلبة الصينيون في ساحة تيان آن مين في العام 1989 ضد الكبت والقمع وخرق أبسط حقوق الانسان،حيث وقف طالب واحد في تلك الساحة يحمل محفظته بيده أمام رتل كامل من الدبابات والجنود المدججين بالسلاح حيث أدت تلك الانتفاصة العارمة إلى استشهاد الألاف من الصينيين.ولنفس الأسباب انتفض أحفاد الميديين في أذار 2004 في كافة مدن غربي كردستان ضد سلطة الارهاب والبطش والإبادة الجماعية،حيث استشهد العشرات منهم على مذبحة الحرية والديمقراطية.
فإذا كانت الحكومة الصينية تضطهد ليس شعب التيبت فقط،بل ارتكبت المجازر بحق شعب الايغور ذوي الأصول التركية،فأن سلطة شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة تحاول وبشتى الوسائل ولاسيما الإبادة الجماعية،تنظيم حرائق،التجويع المنظم والممنهج،الطرد والحرمان من الجنسية القضاء على الشعب الكردي الذي يزداد تعلقا بأرضه وتاريخه.والنظامين السوري والصيني مصابان بعقدة أو فوبيا السور الذي يتلخص في سجن الناس خلفه كي لايتأثروا بأفكار الديمقراطية والحرية والتعددية،ولكن هيهات أن تكبح هذه التدابير الوقتية وغير الناجعة من جموح الناس ورغبتهم المشروعة في العيش بحرية وكرامة ودون خوف،كما تنص على ذلك الوثائق والمعاهدات الدولية.فالتاريخ البعيد والقريب للبشرية عرف الكثير من الطغاة والجلادين،المصابين بجنون العظمة وما مصير نيرون وهتلروصدام سوى أدلة وأمثلة تحتفظ بها الذاكرة الجماعية للبشرية وتبين بكل جلاء أن حكم التاريخ كان عادلا بحق القتلة والمجرمين مهما حاول هؤلاء اضفاء هالة من القدسية والعظمة على أنفسهم وسلطتهم التي أقيمت على جماجم الأبرياء.لقد كانت تلك الشخصيات الآنفة الذكر من السابقين أما رموز النظامين الصيني والبعث السوري فهم من اللاحقين دون شك.
———-
* د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني،رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا-النمسا أب 2009
** قاد تلك الانتفاضة البطولية والعادلة ضد شرطة وجندرمة البعث خال كاتب هذه الأسطر،الشخصية الجريئة والقوية عابد خليل .