الرئيسية » مقالات » عذرا, لقسوة الحقيقة, سفرتي الى الوطن

عذرا, لقسوة الحقيقة, سفرتي الى الوطن

بعد غياب ثلاثين عاما عن الوطن, دعيت من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مشكورا للمساهمة في مهرجان المربد السنوي, وهنا اسجل – للتاريخ – مارأيته في سفرتي هذه مع الاعتذار عن قسوة الواقع ..
منذ ان غادرت حدود الكويت الجميلة جدا ودخلت حدود العراق, تغيرت الأمور الحياتية, فأصبحت وجوه الناس متعبة, ملابسهم رثة, نشط الغبار والذباب, وانتشرت الأوساخ في كل الأماكن حتى يخيل للمرء انه قد انتقل الى عالم غير موجود في مخيلته, او انه انتقل من الجنة الى النار رغم أملي بجنة ٍ للوطن طوال عمري. الغريب ان تلفوني النقال توقف عن الالتقاط والإرسال رغم انه دولي, وكان يعمل في الكويت وقد عمل قبلها في سورية ومصر والمغرب وامريكا وكل دول اوروبا, عجبت لماذا يعمل في العالم كله عدا العراق؟ ومن المسؤول عن هذا؟
كان حنيني للوطن يتجاوز كل مارأيته, اي يتجاوز الموضوعية, لأبكي منذ عبوري الحدود على كل من يتحدث باللهجة العراقية, وكم تمنيت ان اقول للجميع انني احبكم .. وانني تعذبت كثيرا, وتغربت, وفقدت ظانة ً انني سأفعل شيئا من اجلكم, كنت اتمنى ان اقول لهم آسفة لأنني لم استطع ان اساعدكم أيها الفقراء والمهمشون ..كان سائق الحافلة الذي أقلني يقول لي ان بكيت هكذا طوال السفرة فستعمين لأنك سترين هنا ما لا تتصورينه من الفقر والبؤس, والإهمال ..
دخلت مدينة البصرة الحبيبة, وقبل ذلك اُعلن عن دخولنا المدينة من خلال دخان أسود يتصاعد من معمل البتروكيميائيات, ينشر التلوث والمرض, وعندما سألت من كان معي من أهل البصرة الطيبين قالوا ان المحترق غاز كان من الأجدر الاحتفاظ به وعدم هدره بهذا الشكل, سارت السيارة بنا باماكن مهملة متصحرة, وفي مدخل البصرة رأينا شارعا قد عُبـّد أخيرا وقد تم تشجيره بشجيرات صغيرة, تفاءلت وقلت لعلّ العمران قد بدأ, وبدأ التنظيم الإداري للمدينة, ولعلّ العراق الجديد آت ٍ, لكننا ما ان تجاوزنا ذلك الشارع حتى بدأت تظهر للعيان مدينة البصرة المهملة, بكل ازبالها ومستنقعاتها ورائحة الجيف التي تنتشر بين بيوتاتها, البصرة المعذبة, البصرة المخربـّة, البصرة الطيبة بإهلها الحاملين جمالا روحيا يستطيع ان يصلح العالم لو وزع عليه..
البصرة تعوم ببحور من النفايات, بيوتات عتيقة متربة متآكلة تتراكم كيفما اتفق, قد ترى من بينها بيتا جديدا شاهقا, لتسمع ان هذا البيت اهله من الحواسم, أي المنتفعين زمن الحرب. اهذه البصرة؟ اهذا ثغر العراق الباسم؟
البصرة لا بد وأن تحيى بدلا من البكاء عليها, هذه المدينة المليئة بالشعراء والفنانين, لا تستطيع السير بشوارعها من كثرة الأزبال والحفر والمياه الآسنة, الذباب والهوام يغطي كل مكان..
أين تلك المدينة الشامخة على شط العرب؟ أين بصرة السياب؟ وكأنما هناك من يكرهك ياسياب ليهمل المدينة لأنك قلت:
” مامر عام والعراق ليس فيه جوع”..
اي نعم ايها الشاعر النبي
“مامر عام والعراق ليس فيه جوع”
والجوع يتبعه الكثير الكثير مما رأيت في شوارع البصرة..
على المفارق فتيات صغيرات تمتد أياديهن للمارة, يجلسن أحيانا مع شرطي المرور يثرثرن معه, تـُرى كيف ستتربى الواحدة منهن حينما تدخل عالم الأنوثة في الطرقات والأزقة وهي تستجدي الجميع؟
الألم يزداد كلما تنقلت في المدينة, لأرى الشوارع الرثة, وليختفي بعد ذلك أي اثر للعراق الجديد..
البصرة التي رأيت فنانيها التشكيليين والفوتوغرافيين يزينون القاعات التي احتضنت نشاطات مهرجان المربد برسوم وصورغاية في الجمال والإبداع, تلك الوجوه المليئة بالحزن الإنساني والإبتسام العميق الملون بالمحبة, تلك الأجساد المرهقة وهي في عزّ الشباب, وتلك العيون التعبى من قهر السنين التي مامرت على بشر, ولأنهم ساكنو البصرة التي ارتبط اسمها بالخراب, وكم خراب مر ّ عليك يابصرة عبر العصور , لكن خراب الأربعين عاما كان الأقوى, والأقسى والأكثر وحشية ..
البصرة, وجوه استقبلتنا بالبكاء والدمع ونحن نقابلهم أول مرة, هن وهم, الكثير, ولانني لا اريد ذكر الأسماء خوفا من نسيان احد وترك جرح اضافي لجروحاته, فالوجوه لا يمكن نسيانها والمحبة لا تمحي لكل الطيبين الذين غمرونا بمحبتهم اللامحدودة..
لم أر في الشوارع التي مررت فيها- وما اكثرها- خلال وجودي ايام مهرجان المربد في البصرة أي عامل تنظيف او حاوية للأزبال, فأين الاعمار واين حصاد الستة أعوام بعد سقوط النظام القمعي؟ وعلى الاقل اين اثر اكثر من عام بعد صولة الفرسان التي استتب وراءها الأمن في مدن الجنوب؟ عام ونصف والأزبال لم ترفع, فكيف يكون لي ثقة بالحكومة بعد؟ وهل يحتاج تنظيف الشوارع من الأزبال ومخلفات الحرب أكثر من عام ونصف !؟
الطريق الى سوق الشيوخ
انتقلت في اليوم الثالث الى سوق الشيوخ التي قررت ان ابقى فيها يوما واحدا, كان الطريق بين البصرة والسوق وقتا ممتعا رافقنا به الشاعر خضر خميس مع اختي التي لازمتني منذ الساعة الأولى لدخولي الحدود العراقية وودعتني عند مغادرتها ولم تفارقني لحظة واحدة بعد فراق ثلاثين عاما وأكثر, وقد كان الطريق امسية شعرية اشتركنا بها معا, حتى السائق وهو من اهالي سوق الشيوخ كان يحفظ الشعر, فقصرنا بالشعر الطريق, وطلب مني الشاعر خضر ان ألبي دعوة التجمع الثقافي في سوق الشيوخ لأمسية شعرية في اليوم التالي.
لم تكن الأمسية مخططا لها, ولم اكن قد اخبرت أحدا بسفري الى مدينتي الحبيبة, رغم ان أيام سفرتي قليلة جدا لظروف تتعلق بي, لكنني لم استطع ان أرى العراق دون مدينتي, فهي وطني الاول, وحرفي الاول, وفرحي الطفولي , وهي اول دقات قلبي بدمعة تجاوزت بها بكاء الصغار على صدر الأم .
انها التراب الذي منحني القافية, والمنازل التي تـُطل عليها اوزان شعري, وهي الأزقة التي كونت ملامحي, والناس الطيبون الذين بكيتهم وبكوني .
قلت انني سابقى يوما واحدا, فكم هو جميل ان يكون الوداع لقاءً باهالي مدينتي الحبيبة بعد طول غياب ..
كنت اطل من شباك السيارة بشوق وانا اقرأ شعرا عن مدينتي, انتظر الوصول, وامنـّي نفسي ان تكون المدينة اقل خرابا من البصرة , كلما رأيت بستانا او شارعا نظيفا اقول لمن معي: ان سوق الشيوخ حتما ستكون افضل لانها اكبر حظا من البصرة لبعدها عن الحروب قليلا, اتنفس الهواء واقول لهم, هنا الرائحة اجمل هذا معناه أزبال اقل, صار من معي يمزح ويتندر على حبي للمدينة, فأجبتهم بعاطفة الإنحياز للأم , رادة على مزاحهم معي :
أن سوق الشيوخ بالنسبة لي عاصمة العراق ..
دخلت المدينة وانا لا أعرف اين, فجميع المعالم قد تغيرت, الزمن جعل البيوت متآكلة, الفقر احاط الشوارع بمسحة المقابر, الإهمال ومجاري المياة القذرة التي كتبت مثل القدر على المدينة واطفالها, لماذا مكتوب على سوق الشيوخ ان تكون مجاريها مفتوحة تجتذب الأمراض والديدان للاطفال, غريب عقل البلدية والمسؤولين الذين عبدوا بعض الشوارع بشكل بائس وابقوا على تلك المجاري مفتوحة في جميع شوارع المدينة !
كيف يحصل ذلك واين الوعود التي ضربت للأهالي؟ لماذا هذا الاهمال واحتقار صحة الناس في تلك المدينة التي قدمت الشهداء والأدباء والفنانين وحملة الشهادات العلمية والسياسيين ؟
أين من انتخبهم اهل المدينة من البرلمانيين؟ ألا ينظرون لحال الشوارع والأتربة والبؤس الموجع الذي يلف البيوت؟

لم اعرف أين انا, ورأيت مدرستي ” مدرسة حليمة الابتدائية للبنات ” والتي تأسست عام 1923, مهترأة مثل بقية مدارس المدينة, وبذات القدر من البؤس الذي ضم جميع مارأيت من بيوت فقيرة ومدارس بالية, هذه المدرسة العريقة التي درست بها أمي وهي أول مدرسة للبنات في سوق الشيوخ, لم تلق اي اهتمام وصيانة, وعلى الأقل منذ ثلاثين عاما, كل شيء في الجنوب مترب, ومنذ دخولي الحدود وانا اشعر انني اتنفس التراب.
لا وردة في الحديقة مقابل مدرستي, الحديقة التي كانت في طفولتي مليئة بالورد والخضرة, اراها وقد صبغوا سياجها بالبنفسجي ووضعوا بها اشجارا حديدية بها اضواء تشتعل عندما تكون الكهرباء موجودة, كيف يستعاض عن الورود والأشجار بالحديد وهل في الحديد روح؟ !!!
هل سيكتب الشعراء ويتغنون بأشجار الحديد التي غرست في ساحات الجنوب المتصحر ؟

الغريب انني لم اعرف بيت أهلي بعد كل السنين, فقد غادرت المدينة قبل اكثر من واحد وثلاثين عاما, حيث بقيت اكثر من عام قبل مغادرتي الوطن متخفية في بغداد عن عيون اجهزة مخابرات سلطة البعث التي لاحقتني لمعارضتي نظامهم الاستبدادي.
لقد اصبحت البيوت اشبه بالكهوف, كل شيء قد تغير, واجهات البيوت, الأزقة القديمة كأنها لا تعرفني ولا اعرفها, لم ار فتيات ٍ بأشرطة ملونة, يلعبن مع الاطفال بضفائر لامعة وهن ينشدن ويغنين كما كنا , اين ذهبوا ؟ اين ذهبنا ؟ اين فرح الطفولة؟
الشوارع لا حياة فيها كما كانت, اين الحياة؟ اين العابنا ؟اين ثرثرة الفرات الذي انحسر وكاد يغيب؟ اين الفراشات ؟ واين ضجة الأطفال التي ناديتها في اشعاري ان تتوقف حتى نعود؟
يابيت َ اهلي في العراق*
ورفيف اجنحة الحمام على الفرات,
ويافراشات السواقي,
يافسائل , يانخيل
ياكل اعمار الكبار, توقفي حتى نعود
ياضجة الأطفال في الحي ّ الفقير ِ
توقفي حتى نعود ,
ونزيل اوجاع َ الرحيل
فالعمر قد قال َ التحية َ واستدار َ الى الغروب
خلف َ الحدود
فمتى نشمّ شذا الرجاء
ظمأ َ الرجاء
بَعـُد َ الرجاء
فيا سنين توقفي حتى نعود
يا سنين, توقفي حتى نعود…..
لـِم َ لمْ يستجب لي الزمن ويتوقف لأرى الكبار الذين غادروا, اين هم ؟
هل هذا بيت اهلي الذي ارّقني حبه وذكرياتي به اكثر سني عمري! ؟
بكيت وبكيت وبكيت, صورتُ زواياه, فتشت ُ عن شيء ما, لعل ذكرى تربطني بطفولتي, لعل نفحة متبقية في الزوايا من أمي, من أبي, من اخوتي, لعل ولعل .. دون جدوى..
تغيرت اغلب الاشياء, صعدت الى السطح الذي كنت أطل منه على بيوت المدينة, لقيد شيدت منازل جديدة اعلاها وأجملها بيت يسمونه بيت الكويتي, بيت الكويتي احسن من بيوت العراقيين في وطنهم, انه أعلى من بيت اهلي وأعلى من جميع الدور المجاورة, حتى انه سد ّ علي منافذ رؤية بقية الدور التي كنت اراها في طفولتي حينما كنت اصعد على سطح بيتنا. متى يكون للعراقي مثل بيت الكويتي؟
انها عقودٌ من السنين والأحداث والحروب والمتغيرات, صار كل شيء مغبرّا, محجـّما, الهواء كان اكثر نقاوة, والأسطح اكثر بهجة والدنيا اكثر خضرة..
جريحة كنت, أتلوى حرقة, أريد بيت أهلي كما كان, أريد العراق الذي كان, أريد بلقيس الصغيرة لتلعب في شوارع وأزقة المدينة وتنادي صويحباتها, أريد أبي, أريد أمي, أريد أخوتي, أريد كل جيراني, أريد وأريد وأريد..
آه لماذا كبرنا؟ ولماذا حصل كل هذا؟ هل كنا ننتظر هذا الخراب بعد كل الضياع والدروب والبلدان التي اتعبتنا بوداعها؟ اين ذهب نضالنا وتحدياتنا وعذاباتنا وشهداؤنا؟

امسية سوق الشيوخ
قبل الذهاب الى مركز التجمع الثقافي القديم الذي يحتضن الأمسية, قادنا الأستاذ خضر الى البناء الجديد للتجمع والموشك على الانتهاء, لقد بني بالتمويل من بلدية المدينة, ولكن بجهود مثقفي المدينة وايمانهم بأهمية الثقافة في بناء المجتمعات البشرية, فهم الذين طالبوا واصروا وناضلوا للحصول عليه . سعدت بهذا الصرح الثقافي الذي حوي مسرحا وقاعات للكتب والقراءة وكافيتريا للاستراحة . سيكون فعلا بقعة نور تهدي الجميع للتزود بالثقافة . حينما سألت عن الفترة الزمنية التي احتاجها انشاء هذا البناء عرفت انها ثمانية اشهر لا غير, وهذا معناه ان الاعمار يمكن ان يكون سريعا لو كانت النوايا والخطط صحيحة مع وجود كم ٍ هائلٍ من الشباب العاطل والباحث عن العمل.
ها انا اليوم التقي بأهلي وأحبتي واقربائي واصدقائي في سوق الشيوخ, لقد رتب لي الأخوة اعضاء التجمع الثقافي في المدينة مشكورين تلك الأمسية التي لن انساها ماحييت, كانت في فضاء مفتوح, سبقتني دموعي وانا اعتلي المنصة بعد ان سمعت كلمات وقصائد ترحيب بي من مثقفي المدينة ومنهم الشعراء “رياض العلوان” “فرقد الحسيني” “خضر خميس” و”جميل الماهود” والفنان عبد الامير القانوني واخرين غيرهم ومنهم مسؤولون . وكان الحضور من المهتمين بالأدب والثقافة ومااكثرهم في تلك المدينة العريقة والمنسية في آن. اغلبهم حضر الأمسية حتى امتلأ المكان بل جرى توسيعه باضافة مقاعد اخرى.
ما أدهشني هو ذلك التنظيم الرائع والحضاري في مدينة هي حقا, مركز اشعاع من الشعر والأدب والفن والروح الانسانية التي لمستها بكل حواسي, كان الحضور يستمع للشعر وكأنه شيئا مقدسا, انه الشعر, اي الصدق, أي الروح, أي القلب, أي الفكر, أي المحبة, أي الانسان, لقد حضرت المدينة بفعالياتها الجميلة, شيبا وشبانا, ابناء واهالي شعراء كبار رحلوا تاركين ارثا خالدا لا يمحي امثال” جميل حيدر”ومصطفى جمال الدين”حمدي الحمدي”سالم الحسون”حسون البحراني”عبد الحميد السنيد “ورقيب احمد ” وغيرهم الكثير الذين لا يسعهم مقالٌ ولا كتاب, وشعراء شباب لا زالوا يرفدون قاموس الشعر بابداعاتهم , مثقفون ومبدعون.
بدأت الأمسية بالترحيب, وبالنحيب, كان اللقاء ليس كأي أمسية شعرية, انما هو عودة روحية, ولقاء عشق من نوع ماعرفه العشاق من قبل, فما اسعدني وانا اتشرف بتلك الدموع النقية البيضاء التي تحمل المعاناة طوال عقود, شرف لي ان تنهمر دموع الرجال من مدينتي سخية بذاك اللقاء وفاء وتعبيرا عن تلك القيم التي لا زالت على ماهي عليه, لم تلوث رغم كل القهر والمقابر والأسلحة والحروب بكل دمارها وتشوهاتها..
لم يستطع بعث صدام بفوضاه وحقده وحروبه, تخريب قلوب وطاقات الكثير من أهل العراق, لقد اندهشت من سرعة تنظيم الأمسية بنجاح وحضارةٍ مارأيته في امسيات لتنظيمات مدعومة من الحكومات على اختلافها عراقية وغير عراقية.
لم يقع الاخوة في التجمع الثقافي في سوق الشيوخ بأية هفوة كي انتقدها, اسعدني نجاحهم في ترتيب كل شيء وبكل دقة, تفاعلوا معي, اصغوا لي بأرواحهم وكأنني آتية من عالم اخر, أرتقي المنصة باكية حبا لهم فيهدوني القوة لأ قول لهم :
انني احبكم جميعا, اسفة لغيابي عنكم, وها انا اليوم اتيت, وعذرا ان كنت خالية الوفاض الا من الكلمات ..
قرأت لهم اشعاري, وأبلغتهم دهشتي من حياتهم, صارحتهم بان افقر البلدان العربية والتي لا تمتلك النفط والخير كما رأيتها في سفراتي الكثيرة, تعيش بخدمات وشوارع وكهرباء ومستوى حياة افضل واكثر رفاها مما في عراق النفط والاحتياطي الاول في العالم, حدثتهم بدون ان ابيعهم وطنيات شبعوا منها على الفضائيات يوميا من قبل مسؤولين لايخجلون من أوضاع شوارع العراق وبؤس خدماته, قلت لهم حقيقة انهم يعيشون خارج التاريخ, وخارج الحضارة, وخارج الزمن, وان وطنهم به اغنى حكومة وافقر شعب, اخبرتهم حقيقة عدم انتمائي لحزب أوتنظيم , لانني انتمي للانسان وحقوقه , وانتمي لهم , للفقراء, وللمظلومين من ابناء هذا البلد المدمى عبر مايقارب نصف قرن من الزمن. طلبوا بعضا من اشعاري, فالقيتها لهم , حاوروني, ففاح الحنين من سعف نخلات شمخت بين مقاعد الحاضرين.
نهاية الأمسية قدمت لي طفلة باقة ورد بهية, وقدم لي التجمع الثقافي درع شكر وتقدير, سيبقى ذكرى اعتز بها ابداً.
بعد الأمسية تجمع الجمهور حولي وجميعهم, أهل وأحبة وأصدقاء, يسلمون علي وانا لا استطيع معرفة الوجوه, احراج ما بعده احراج , فقلت لهم بخجل :
سامحوني انها اكثر من ثلاثين عاما ارجو منكم تعريفي بكم لانكم تغيرتم.. آه, كم كبروا وكم تعبوا..
الجميع يدعونني لبيوتهم, ولكن كيف وانا لا زلت لم اكمل رؤية العائلة بعد, اعتذرت من الجميع واوعدتهم بعودة اخرى, حاولت ان ازور بعض الأحبة ولو لدقائق في كل بيت, كيف اطيل اليوم كي أستطيع ان ارى الجميع؟ اتصلت بمن استطيع الاتصال, وسألت عن الكثيرين, كما سألوا عني, البعض لم يسعني الوقت لأراهم, والبعض غادر المدينة, واخرون اما رحلوا عن هذا العالم الذي قسى عليهم , او انقطعت اخبارهم فغدا النسيان قريبهم..

استقبال أهلي وأصدقائي
الجميع كان يستقبلني بالحلويات على رأسي والبكاء تارة, والفرح والتأمل بوجهي تارة أخرى, وكأنني آتية من عوالم مجهولة, او ليتأكدوا هل انا هي التي عرفوها, يتجمع حولي كل الأقارب والأصدقاء والجيران ولم انس من تبكي منشدة :
“تعالي تباركي يامن تحبين
خضــّر لوحنا اليابس من سنين” ..
فما كان مني إلا ان اجهش بالبكاء, هل خضّر لوحها اليابس من سنوات عجاف بعودتي حقا, وهل استطيع منحهم السعادة, كيف ساقابل فرحهم هذا بي؟انا الزاهدة بالسلطة والمال, لا املك لهم سوى هدايا رمزية لا تغني ولا تغير من حياتهم شيئا؟
أين اهرب من الدموع والبكاء وهم يظنون بي اخضرار اللوح اليابس ؟.. ..
في اليوم الثاني صباحا توجهت للناصرية لأرى بقية الأهل هناك, ليوم واحد أتنقل به برفقة أختي لبيوت الكبار في العمر من العائلة, ممن لا يستطيعون المجيء والمشي, للذين تركتهم في عز الشباب واصبح اليوم احدهم متعبا او مريضا او مقعدا, اما الشباب ومن هم في عمري كانوا يأتون لرؤيتي في بيوت الكبار. يوم واحد لم يكن يكفي لكنه افضل من اللاشيء, كانت التلفونات تاتيني بالدقائق, الأهل في بغداد والمحافظات الاخرى التي لم استطع زيارتها, يرغبون بالمجيء لي لكن سفرتي قصيرة, والوقت لا يسع لانتظارهم, كم بكيت على الهواتف وعلى عتبات البيوت حين اللقاءات الاولى, بحّ صوتي وأصيبت حنجرتي من شدة البكاء, لم استطع تلبية دعوة المثقفين في الناصرية لأمسية شعرية, كان الكثير من أهل الناصرية من جيران أقاربي يأتون لرؤيتي لأنهم تعرفوا الي في بعض الفضائيات, طيبتهم تجعلهم ينظرون لي على انني قد اكون منقذا يستطيع ان يقرر شيئا, وانا ارحب بهم واخبيء الدموع التي لا تـُخبأ احيانا ..
لم تكن شوارع الناصرية افضل من البصرة, قد تكون اقل أزبالا, لكن البؤس ذاته والإهمال والحفر والتصحر هو هو .
رأيت دورا ً كثيرة مكتوبا عليها”الدار للبيع” هذه العبارة تكررت لعشرات المرات في المدن التي زرتها, وهي دليل على قسوة الحياة هنا, ودليل على شدة العذاب والصراعات التي دعت الناس للرحيل وبيع دورهم . كم هي مؤلمة تلك العبارة ” الدار للبيع ”
, اشعر وانا أراها في بيوت متقاربة, بأن المدن تعرضت لهجرات جماعية, لهلع , لاقتحام الموت المحتم لها , لظلم وإرهاب وقتل على الهوية, هل هناك ابلغ من هذا على الرعب والدمار؟ وهل توقف الموت في العراق منذ مجيء البعث الى الان؟

الديوانية والوداع
في اليوم التالي توجهنا الى الديوانية لرؤية بقية الأقارب, التكسي الذي اقلنا لم يتوقف على حاجز السيطرة الامريكي, بل اتخذ طريقا ترابيا للهروب من الرقابة, دونما يأخذ رأينا معرضا ايانا لخطر ضربنا بالرصاص لعدم توقفنا على الحاجز, وخطر التراب الذي ملأ السيارة, تنفسناه حتى بات الاختناق قاب قوسين او ادنى, قلت له لماذا فعلت هكذا, واذا به يصرخ بي بعصبية قائلا :
وهل ننتظر ساعة على حاجز الامريكان ؟
صرخ بي لأنني امرأة, والمرأة ناقصة عقل فكيف تتدخل بهكذا امور. بدأت اخاف منه بقية الطريق , لأنه كان غير ملتزم ليس فقط بالوقوف على الحاجز, انما بدوره كسائق تكسي وجاء لنا ضاربا بأحقية السواق الاخرين عرض الحائط حينما أستأجره ابن خالتي, حينها كنا انا واختي قد تعبنا من الحرّ والشمس والانتظار, عجبت من اللامبالاة بروح الانسان وعدم اليقظة التي لمستها في الناس وعدم الشك بمن يخرق القانون رغم كل المصائب التي مرت عليهم, فعرفت لماذا يقتل الناس بسهولة حتى الان. هناك كراهية للالتزام بالقانون ربما جاء من كره الناس للسلطة على مدى عقود, وهذا مايجعل القضاء على المشاكل اصعب, بقيت متوترة منتبهة للطريق ولكل حركة من حركات السائق, فلدي الان اكثر من سبب للشك به وللخوف منه, لكن اختي تسفـّه مخاوفي وتمنحني سببا اخر لها قائلة للسائق ببساطة:
لا تزعل انها لم تزر العراق منذ ثلاثين عاما..
احاول بالايماءات ان افهمها ان لا داعي لإخباره بهذا خوفا من طمعه فينا, وهي تقول لي ببساطة وبصوت يسمعه هو :
لا تخافي منه, انت لا تعرفين , الناس هنا طيبون …
اهمس في اذنها:الان عرفت كيف يموت الناس على الطرقات ويخطفون بسهولة ..
المهم وصلنا بشق النفس وبي من الخوف والحنق ماجعلني اخشى ان يفسد اللقاء مع الأحبة الذين ينتظرون ويتصلون كل ربع ساعة ..
لم تكن الديوانية بأحسن من اخواتها في الإهمال, ولم تكن شوارعها بأحسن حال من مدن الجنوب الأخرى , حتى شككت بان هذا التجاهل يتبعه خطرٌ اخر, وكم اخشى ان لا يكون ما افكر به صحيحا , و قد اكون متجنية على الحكومة ان صرحت به الآن..
الغريب ان هناك ظاهرة ماكنت اضعها في الحسبان, وهي كثرة الكلاب السائبة, الكلاب القوية المتحدية للمارة, تتبختر في الشوارع وترعى في المزابل, وكأنها في بيتها ,أو مطمئنة ونائمة على الارصفة والمفارق. عجبت وتحدثت مع الاخرين عن الاخطار الصحية والنفسية على الناس وخاصة الاطفال, فالكلاب التي رأيتها ضخمة, مخيفة, ومن النوع الخطر؟ فيكون الجواب ذاته على جميع الاستفسارات وهو: ليس في اليد حيلة, لقد تعودنا ..
لم اكن قد رأيت بنات وأبناء اختي الذين ولدوا وكبروا وانا خارج الوطن, لقد اصبح بعضهم مهندسا او طبيبا واستاذا في الجامعة, كنت مندهشة, فكم كان الأمل بالعودة طريا وقويا في روحي , رغم الأحداث التي حصلت بعدي, ورغم الأجيال التي تتالت أو رحلت وانا غائبة. كان استقبالي يشبه العرس, بهجة وبكاء مع ذهول من يكتشف حقيقة لم يعتقدها, قوبلت بالزينة والحلويات, في المساء اشعلوا الشموع وسجلوا يوم وصولي للعراق تاريخا مهما في حياتهم, يحتفلون به شهريا, معتبرينه يوما لا ينسى .
كنت طوال سنوات الغربة, امني نفسي بالعودة للوطن والنوم على السطح, تحت السماء, ارى القمر والنجوم التي كثيرا ما أخطأنا عدها في طفولتنا, النجوم المرتبطة عندي بأبي الذي يعرفها ويقرأ الوقت منها , مرتبطة بقصص امي عن” بنات نعش”او الدب الأكبر, مرتبطة باشعار السياب التي ادمنتها منذ الطفولة, مرتبطة بكل شيء جميل وبريء ومحبب للروح ..
لكنني احبطت حين وجدت ان النوم على السطح لم يعد موجودا بسبب البعوض والتراب الذي لا يحتمل , ولكن ,كيف ودرجة الحرارة تقارب الأربعين او اكثر؟جهاز التكييف الشائع في العراق والمسمى” سبلت” لا يكفي لمقاومة الحرارة, لذا هو يعمل مع المروحة الكهربائية, هذا عندما يكون هناك كهرباء, وهي تنقطع بعدد الساعات, مثل اشارة المرور: جاءت الوطنية, راحت الوطنية, البعض لديه مولدة والبعض لا يملكها .
لم استطع النوم في الليل, فان تغطيت كان الحر شديدا, وان نمت بلا غطاء تيبست عظامي من المروحة , وان قطعت الكهرباء متُ من الحر, هذا هو حال غالبية العراقيين في صيفهم الطويل ..
ورغم كل هذا فالوقت يمضي سريعا, وانا التقي بقية الأقارب, لقد تبدلت طباع الناس وكم اتعبهم الزمن الصعب, الحزن مسحة حاضرة في كل الملامح, حتى الشوارع, ابواب البيوت, سيارات التكسي السكراب الصدئة السائرة في مدن عتيقة, كل شيء يوحي بالبعد, البقايا, الألم, الغياب, اليأس..
اخر يوم, ودعتني ابنة عمتي باكية, عائدة الى بيتها بمدينة اخرى بعد ان قضت معي يوما متمنية ليلة اخرى وهي تنشد شعرا شعبيا :
“كون بعد لويلة يهلـّويلة “..
كيف احتملت وداع بعضهم قائلا: سوف لن تريني في المرة المقبلة, سأكون قد رحلت, فتسبقه غصة توقف الحديث..
وماذا سأكتب وعيونهم تناديني, وتدعوني العودة؟ كيف سأنسى اختي وابنها وهما يودعانني في الحدود العراقية؟ كيف أنسى دموعها التي استدرت عواطف الشرطة فسمحوا لها السير معي, عابرة الدائرة الحكومية, متجاوزة المسافة المسموح بها لكل الناس؟ كانت تمد يدها لي باكية, تراني مأخوذة منها عنوة, وكأن هوة عميقة, بلا قرار, ستبتلعني, وبلا عودة ..
كيف سأنسى الأيدي الصغيرة, تتسول الشفقة على الطرقات؟ كيف سأنسى دموع جميع من قابلت ؟
كيف أنسى الأطفال الذين تعلقوا بي وتعلقت بهم من أبناء الأقارب والأهل والأصدقاء, الذين يتسابقون ويتعاركون على الجلوس بحضني ؟
اسفة لكل من رأيتهم, ولكل من لم أذكرهم, الجميع في القلب وفي الذاكرة.
آسفة لقسوة الواقع الذي كتبت عنه, وآسفة لصراحتي, وعدم قدرتي على تزوير شكل الوطن, لأنني أحبه.
ولكن يبقى السؤال الأزلي, البسيط جدا وهو :
متى يـُعمـّر العراق حقا؟ ومتى يبتهج الناس كما في دول مجاورة لهم, نفطية مثل دولتهم, متى يعيشون بلا أزمات وفقر وحرمانات وخوف وإحباطات وعذابات وإهمال؟ ….
* الاشعار من قصيدة “اليكم اهلي” وهي احدى قصائد مجموعتي الاولى “اغتراب الطائر”
10 July 2009