الرئيسية » التاريخ » فلاحو منطقة جمجمال ابان أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم الحلقة الاولى

فلاحو منطقة جمجمال ابان أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم الحلقة الاولى

لكي لا تضيع صور الحياة اليومية التي سادت وسط الفلاحين والمواطنين في منطقة جمجمال أو كانت سائدة قبل خمسين عاماَ، ولكي تبقى سجلاَ لها. بادرت إلى كتابة هذه السلسلة لنشرها تباعاَ، وان الوصف الذي أتطرق إليه هنا هو حول جملة أمور تتفق مع الإشارة إليها في المنطقة مع مناطق أخرى من كردستان ويمكن ان تكون هذه السلسلة كوثيقة تاريخية في المستقبل ومثلما نوهت وأشرت إليها مراراَ في كتاباتي فإنها ومع الأسف داع إلى الاستغراب والسؤال لعدم التطرق من قبل الكتاب والمؤرخين إلى هذه المنطقة من المعاصرين بعكس ما حظيت بها مناطق أخرى من كردستان في ذكرها.وهذا ليس رأي الخاص بل رأي أكثرية المؤرخين المعاصرين( ).
وكذلك فمن المؤسف أيضا ان المنطقة وكباقي المناطق الكردستانية لم تكن يقدر يشملها المتعلمون سوى عدد من الملالي والشيوخ والسادة،ترى لماذا لم يقم الملالي بكتابة شيء من مذكراتهم( )!!؟ لذا أحببت ان أسجل ما رأيت وما عشته بنفسي في الأربعينيات والخمسينيات في هذه المنطقة(جمجمال) المنطقة الخليطه من العشائر والأفخاذ والأطياف.إلا ان في الأربعينيات والخمسينيات قسم المواطنون إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى الحياة السكانية والاقتصادية 1ـ الهموند( ) 2ـ السادة 3ـ الفلاحين ـ الكادحين والمزارعين الأميين .إلا ان الهموند كانت أكثريتهم من الأغوات الأثرياء وأصحاب الأملاك والأراضي الزراعية يحصلون على الزكاة من قراهم إلى جانب الزراعة وأود هنا ان أشير إلى الحياة المعاشية والاجتماعية في القرى. فكانت تختلف عن بعضها. في القرى وكنموذج من الفلاحين الفقراء أصحاب الدخل المحدود مما كانت تأتيهم من الفلاحة( ) فكانوا يعيشون في بيوت مبنية من الطين وسقوفها مغطاة بالأدغال وبعض جذوع الأشجار والفروع القوية منها، وكانت هذه البيوت تقتصر بحد ذاتها إلى عدة أقسام وحسب حاجة العائلة التي كانت سائدة آنذاك، كاين ـ كابان ـ محل محفظة(مخزن للحفظ) التبن الذي كان يستعمل كعلف للحيوانات في فصل الشتاء أو للبناء،(لوده ـ عمبارة كبير)،(كه ور)، محل للحيوانات. مع غرف نوم العائلة، وساحة البيت، وأماكن أخرى للخيول والحمير والبغال، شتاءَ، وما كانت تفرضها الطبيعة لحاجة العائلة إليها لعملها.
القسم الثاني
في القسم الأول من هذه السلسلة المقالات قدمت مقدمة قصيرة حول الأوضاع لمنطقة جمجمال في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن وفي هذا القسم سأتطرق الى وصف الحياة اليومية للفلاحين الساكنين في قرية(موفر)(1)أو قرية بيريادي (2) مثال على ذلك حكوا لي هذا الوصف ومن الممكن كنت بنفسي عائش فيه، وكما في الوصف الواقعي لها في منطقة جمجمال يطلق اسم(فلاح) على ذلك الرجل الذي يعمل لدى صاحب الأرض وباجر في الحراثة والبذار،ابتداء من الخريف والشتاء والربيع ويقابل ذلك تقديم خدمات للفلاح من طعام ومكان سكن له ولعائلته وينظر إليها كعائلته.. ويقدم له صاحب الأرض كل مستلزمات الحياة(3)من حذاء وثياب وكسوة من لباد(فره نجي)(4).وكان قسم منهم، من أصحاب الأرض يزودنهم بالسمن أو بمبلغ نقدي(2 ـ 3) دينار لسد حاجات الفلاح العامل لديه وان أكثرية الفلاحين كانوا يحرثون الأرض بواسطة الثيران إلا أنها كانت في بعض القرى تجري عملية الحراثة،لدى بعض الأغنياء عن طريق استعمالهم(البغال)(5).بدلاَ عن الثيران.وفي بعض الحالات المستعصية لدى بعض أصحاب الأرض فكانوا يشدون عدداَ من الحمير للحراثة(6)لسحب آلة الحرث(هه وجارـ أو هنجارـ أي المحراث)أو الفدان كما يسميه البعض(7)مرتبطة مع القطعة الحديدية ـ الحارثة للأرض(8)لاشك ان مثل هذه العملية في الحراثة البدائية كانت منتشرة ومنذ سنين ماضية في المنطقة،ولكن في الخمسينيات بدأت ظهور آلة الحراثة الميكانيكية(9)التركتور، لذا نرى في سنين الأربعينيات والخمسينيات كانت الأسواق مليئة ببضاعة الآلات البدائية للحراثة والحصاد(10)والبذار(11) واليوم كل تلك الآلات قد نسيت أو انعدمت بعض الشيء عن الوجود للاستعمالات في بعض القرى.. ولسد حاجة الحراثة آنذاك كان يستوجب إحضارها منذ البداية وكل حاجة منها لها اسمها الخاص إلا إنني لا أتذكر أسماءها بل نسيتها واطلب العفو من المثقفين الكرد ان تمكنوا ان ينشروا أسماء تلك الآلات والمواد المكملة للحراثة.
وما يطلق عليها باللغة الكردية.. لنعد ثانية إلى كيفية الحراثة بالآلات القديمة بالثيران الشابة وحان الوقت ان يعتمد عليها في عملية الحراثة(12)ـ(النيلة)كانت العملية تحتاج إلى تدريب الثيران وللإخضاع ربطه مع ثور آخر قديم متمرس في عملية الحراثة. إلا ان العملية كانت صعبة لإخضاع ذلك الثور الشاب الذي يراد منه ان يكون في العملية الحراثية. فكانت مجموعة من الشباب يضغطون على رقبته لوضع(النيلة) عليها وكان دائماَ يرفض ذلك إلا انه ومع الأيام كان يرضخ للأمر الواقع وفي بعض أحيان كان يرفس الفلاح تأبى المشاركة وربطه في عملية الحراثة. وكانت في بعض الحالات ثيران تأبى الخضوع والانصياع لوضع(النيلة) على رقبته للحراثة مع صاحبه الثور الثاني. فكان يطلق على مثل هذه الثيران اسم(بوغه)(13).أي العاصي. ومهما كانت هذه الثيران عاصية تابى الخضوع إلا انه في النهايه كانت عليه الخضوع والقبول لوضع(النيله) على رقبته.
الهوامش:ـ
1ـ ان الإشارة إلى هذا الوصف من أوصاف فلاح بيتنا ـ بيت خالي ـ سيد طاهر رحمه الله. وكان الفلاحون الذين يعملون عنده أسماؤهم(حه مه)مامه حه مه وبعده فلاح آخر اسمه احمد وكنت أقضى عطلة نصف السنة عندهم في الأربعينيات.
2ـ بيريادي وموفه: قريتان أزيلتا ولا وجود لهما الآن يسكنون في مجمع(شورش).
3ـ الكلاش المطاطي كانت تصنع في القرى من بقايا إطارات السيارات وكان الفلاح بنفسه يقوم على عمل صنعه.
4ـ فه ره نجي: كانت بدلاَ من الكسوة الشتوية مصنوعة من اللباد المضغوط من قبل المختصين في صناعته.
5ـ الفلاح العامل على زوج من البغال في الحراثة من الفلاحين المعروفين الذين يتقنون الحراثة على البغال وكان أجره أكثر مقبولاَ من بين الفلاحين وأصحاب الأرض.
6ـ الحميرية: الحمير(زمال)
7ـ هه وجار:اسم للآلة المصنوعة من خشب قوي سميك يربط بين آلة الحرث(الحديد) والثيران ـ أو البغال للسحب.
8ـ كاسن : المحراث.
9ـ الدراسة: ماكنة حصاد.
10ـ شه خره: آلة خاصة لنقل المحاصيل بعد الحصاد.
11ـ شن: آلة مصنوعة من الخشب بأسنان مشطية للبذار في البيادر.
12ـ نيلة: خشب طويل يوضع على رقبة الحيوانين وليربطا سوياَ في السحب للحراثة.
13ـ بوغة(ثور البوغة):الحيوان الذي يرفض ويأبى الانصياع والرضوخ لعملية الحراثة.
القسم الثالث
في القسم الثاني من هذه السلسلة المقالية وصفت فيها وبصورة مختصرة المواد اللازمة للحراثة(1)وبعدها سوف نتطرق إلى وصفنا لها وبصورة أطول لنرى بداية ظهور. ظهور تلك الحياة اليومية لفلاحينا!؟ينهض الفلاح(2)من نومه مبكراَ لإحضار العلف للحيوانات(3)التي معدة للحراثة ـ ثيران ـ بغال ـ حميرـ ومن ثم تناوله هو وجبة الصباح(الفطور) من شوربة البرغل أو العدس!! وفي الحقيقة النهوض المبكر لا يقتصر فقط على الرجال بل حتى على النساء إلى جانب رجال القرية الكل يتوجه إلى عمله،في حياته اليومي.. العم محمد(حه مه)(4) كان يحضر الثور الأسود(صديقه) ويضع مستلزمات الحراثة على حماره الأبيض،ويحمل معه قدراَ كافياَ من الخبز والبصل ومستلزمات عمل الشاي وقليل من اللبن(شنينة) طعاما للظهر ويتوجه إلى عمله ومعه عصاه(5)وان أكثرية الحيوانات كانت تربط في ساحات القرية وكان الجوال(6)(راعي الأبقار) منهم يحرس الحيوانات ليلاَ(7)خوفاَ من هجوم الذئاب عليها كانت تقصد القرية لقنص الأغنام،والطليان ولهذا كان الفلاحون والجوالون(الرعاة) يحملون معهم البنادق للحراسة الليلية وحتى بزوغ الفجر،مع الأغاني والناي. وفي الصباح كان الراعي يأخذ قطيعه(8) من الأغنام والماعز متوجهاَ إلى المراعي وهكذا يقوم الجوال(راعي البقر) بأخذ قطيعة نحو المراعي،وهنا كانت النسوة يقمن بجمع روث الحيوانات وجعلها على شكل أقراص(9)وتعريضها لأشعة الشمس والهواء ليجف ومن ثم نقلها إلى البيت وخزنها لفصل الشتاء لتستعمل كمحروقات لان في الأربعينيات والخمسينيات لم تكن هناك مادة الغاز في الوجود.. نعم ان الحياة في القرى آنذاك كانت حياة صعبة وبعيدة عن الحضارة والتكنولوجيا الحديثة وحتى لم يكن هناك كتاتيب دينية وكانوا متخلفين جداَ عن الحضارة وفي كل مجالات من مجالات الحياة.
الهوامش:ـ
1ـ ليكونوا على علم كيف كان إباؤنا وأجدادنا يعيشونها في الأربعينيات والخمسينيات.
2ـ كلمة الفلاح استعملت في الآونة الأخيرة وفي الستينيات في المنطقة.
3ـ ئاليك: علف الحيوانات.
4ـ مامه حه مه: كان احد الفلاحين يعمل في بيت خالي آنذاك.
5ـ كارام كاران: عصا يهش الفلاح بها على الحيوانات أثناء الحرث.
6ـ كاوان: راعي البقر والبغال والحمير.
7ـ شوان: راعي الغنم.
8ـ راعي الغنم كان يأخذ معه الكلاب للحراسة خوفاَ من هجوم الذئاب في النهار على القطيع
9ـ ريخ: روث الحيوانات.
10ـ في الأربعينيات كانوا يجلبون الفحم من القرى ويذهبون بها إلى مدينة السليمانية ويباع بالأكياس(كونيه) محمله على الدواب وكان حمل الفحم يباع بمبلغ(150) فلساَ آنذاك.
القسم الرابع
لقد كانت أكثرية سكان القرى والأرياف فقراء من الناحية المادية والمعيشية بعكس ما كان عليها سكان النواحي والمدن بسبب وجود السلطة الحكومية و وجود دوائرها فيها. إلى جانب وجود المدارس ومراكز الشرطة الحكومية والبلدية ودوائر حكومية أخرى وتعيين إعداد من الساكنين من المواطنين فيها وكذلك وجود المعلمين كمرشدين((التربية والتعليم)) وكانت حالتهم المعاشية جيدة، وقسم من المواطنين القاطنين في مناطق القريبة من النواحي يدخلون سلك الشرطة للاستفادة من رواتبهم الشهرية أو يعينون فراشاَ في المدرسة أو في دوائر وأجهزة الدولة أو حراس ليليين.. لذا نرى ان الحياة المعيشية لأهل القرى والأرياف كانت مزرية وفقيرة ولاسيما الفلاحين الذين لم يتمكنوا من سد رمقهم واختلت موازين صحتهم فضلاً عن تقليل للأهمية للقيمة الغذائية التي لم يكن يحصل عليها بسهولة لتكفي حاجته وحاجة عائلته، والمثل على ذلك ان أكثرية البيوت(العوائل) كانت تعد الطعام لوجبة واحدة مسائية وكانت تقتصر تلك الوجبة من(الشوربة) بلا لحم، وبالكاد كانوا يذوقون اللحم لعدم وجودها في بيوتهم ولضعف قدرتهم الشرائية أو كانوا يتناولونه ويحصلون عليه في مناسبات الأعراس أو مناسبات الوفاة أو الأعياد والنذور في ذبح الضحية ومرات كنت ترى بعض المواطنين من الأرياف اشتروا مقداراَ من اللحم من مركز القضاء(جمجمال)عند عودتهم إلى سكناهم في الأرياف وأكثرية البيوت كانت تعد طعامها من(شوربة)عدس أو البرغل أو الحمص أو ما كانت لديهم من الغذاء الشعبي المتوفر وحتى في كل بيت فقير مع ثرد الخبز فيها، ومعها اللبن الريفي من(الشكوة) التي يخض اللبن فيها وان المادة الرئيسية للغذاء في الأرياف هو الخبز وفي بعض الأحيان خبز شعير لقد نشر الفقر والغلاء بأجنحته على هذه المنطقة على اثر قيام الحرب العالمية الثانية ومن ضمنها انتفاضة رشيد عالي الكيلاني المسلحة في بغداد كانت لها أثرها الأقوى والأمر على حياة القرويين من خلال انعدام،ما كانوا يحتاجونها من السكر والشاي والدهن والأقمشة وحاجيات بيتيه غذائية ولباسيه،حتى أصبحت وفق نظام البطاقات التموينية في التوزيع بسبب ضعف الاقتصاد العراقي آنذاك،وكانت ميزانية الدولة العراقية في الأربعينيات تقدر بمليونين أو ثلاثة ملايين دينار سنوياَ. اعتماداَ على اكتشاف النفط في آبار بابا كركر قبل اكتشافه في البصرة.
وكانت الرواتب قليلة جداَ بالنسبة لإدارة الحالة المعاشية للعائلة، كان الشرطي يتقاضى راتباَ شهرياَ لا يتعدى أربعة دنانير والمعلم(7 ـ دنانير.. إما بالنسبة إلى الفلاح الفقير فكان يقضي تحت لباس طويل مصنوع من الصوف ويمتد حتى تحت الركبة، طيلة فترة موسم الشتاء مع ثياب مصنوعة من الخام وزوج من الحذاء المصنوع من الإطارات القديمة للسيارات منسوجة من قبل المختصين(كلاش) ومن يملك مالاَ لطيلة فصل الشتاء كان يؤمن حاجاته العائلية المعيشية وبسعر لا يزيد على ثلاثة دنانير والكساء والحذاء(كلاش لاستيك) وشيئاَ من الدهن والشخاط ولباسه(الفرنجي) المصنوع من الصوف المضغوط.
الهوامش:ـ
أولا :ـ في الأربعينيات كانت توجد في ثلاثة أو أربعة أماكن، مدارس ابتدائية واحدة في جمجمال وواحدة في آغجه له ر وأخرى في ناحية سنكاو وكما أظن كانت هناك واحدة منها في(ته توه كه له) ولا مكان لمدرسة متوسطة في المنطقة وكان الامتحان الوزاري للصفوف السادسة الابتدائية يجري في شهر حزيران في مدينة جمجمال،ويأتي المسؤول مدرس متوسطة يحمل معه الأسئلة اليومية ويتم فتحها بحضور مديري آغجه له ر وسنكاو للامتحان الوزاري(البكالوريا) وذات يوم رأيت أنا بنفسي الشيخ حسين مدير مدرسة اغجه له ر كان معه ثلاثة من طلاب الصف السادس من مدرسة اغجه له ر لأداء الامتحان النهائي في مدرسة جمجمال الابتدائية وكان مديرها السيد نجاة السيد عمر ابن عمي وكذلك الأستاذ سيد عوني سيد كاكه يى كان من أقاربنا كانا وبمرار يراقبون الامتحانات العامة.
ثانياَ:ـ ان(الدوينة أوالترخينة) من الأكلات الشعبية الكردية المصنوعة من اللبن والحنطة المحمضة ويحفظ هذا الخليط مدة حتى يتحمض ثم يستخرج وينشر على حصيرة ويجفف ثم تعمل من هذا الخليط المجفف كرات وتحفظ وتخزن لفصل الشتاء.وان هذه الأكلة من أغنى وألذ طعام من الأطعمة الشتوية يأكل مع البصل المحمص بالزيت.
ثالثاَ:ـ ان الدينار الأزرق آنذاك كان من الصعب تعريفه ومما أتذكره انه ذات يوم زارنا المرحوم الأستاذ محمد سعيد محمد علي احد اقربائي كان قد عين في مدرسة جمجمال معلماَ ومن خريجي دار المعلمين الريفية وفي مساء يوم ذهبنا إلى مقهى شوكت في(جمجمال) وقام شوكت واخرج نقداَ ورقياَ من فئة(خمسة دنانير) من جيب ثوبه فقلت له لماذا لا تضعها في جيبك ولا تضعها في مكان أخر منك !؟
قال لتعمي عيون الأعداء.
التآخي