الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة السابعة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة السابعة عشرة بعد المئة

والسوق عبارة عن تيه من الدروب والدهاليز المظلمة او السيئة الانارة، مسقوفة بعقادات مقببة من الاجر تمتد على جانبيها دكاكين الباعة والتجار واصحاب الحرف اليدوية. وتمر بالزائر برهة من الزمن قبل ان تعتاد عيناه الظلام وبرهة اخرى اطول من الاولى قبل ان تتمكن (غريزة التمييز المكاني) من السيطرة على مخطط الدهاليز المتعرجة المتقاطعة وهو يدخلها مستطلعاً بلذة وحبور وهي تبدو له اشبه بعيد كامل لأجناس الشرق في ابهى الالوان الهادئة المتناسقة، على ان المرء يحتاج الى دليل اذا شاء الخروج.
وليس لتلك الدروب مصدر انارة غير طاقات صغيرة في اعلى نقطة من القباب تنفذ منها حزمة شعاع تتجسم اذ تسقط منحرفة بعد اختراقها الظلمة المشبعة بالغبار فيخيل للمرء انها عارض يقف في طريقه فلا يتمالك نفسه من الوقوف لحظة قبل اجتيازها (181-2).
دهــوك
يتحدث فيلد عن دهوك في عام 1926 فيصفها بـ (قرية) تقع على بعد خمسين ميلاً عن شمال غربي الموصل وان معظم بيوتها اكواخ طينية مع وجود قلة من الدور التي تبدو على شيء من الاهمية، والمدينة تقع على الساحل الايسر لنهر دهوك وفي النهاية الجنوبية للمضيق المؤدي الى العمادية. ان دهوك ترقد في واد خصب وبعرض ميلين وبين سلاسل من التلال التي ترتفع الى ما يقرب من 1000 قدم فوق القرية (هنا عاد فيلد ليسمي دهوك بالقرية).
ان اهميتها تكمن في كونها نقطة الصلة بين السهول والتلال فهي تعمل كمركز توزيع لمختلف القبائل المحيطة بها. وفي المدينة ماء وفير يجهزه بها نهر دهوك، اما المحاصيل الثابتة في هذه المنطقة فهي عرضة للجراد الذي يفنيها.
ان البلدة كما يصفها فيلد مشيدة على هضبة – اي ضمن الوادي الذي تحدث عنه – وهذه الهضبة صخرية وهي بعيدة عن الحافة الجنوبية للشرفة الشاهقة لـ سر عمادية* والهضبة تتصل بفسحة مع مضيق صخري ضيق (1400 × 500) ياردة. واعلى قسم في هذه الهضبة الذي ينحدر بشكل حاد يتراوح ارتفاعه بين 50-80 قدماً بينما يكون اوطأ مستوى منها اي من الهضبة منحدراً نحو صخور مخضوضرة بالنباتات ويكون الدخول الى هذه المدينة عبر ممرين ضيقين الاول يقع في الجهة الغربية من الهضبة والثاني في الجهة الشمالية الشرقية. ان البلدة تقع في النهاية الشمالية من الهضبة وهي مخربة جزئياً – وربما قصد فيلد كثرة الدور الايلة الى السقوط لقدمها ولكونها طينية – اما القسم الباقي من الهضبة فقد اشغلته المقبرة. وفي النهاية الجنوبية من الهضبة تجد قلعة كردية مدمرة كانت من الناحية الرسمية من ممتلكات باشا العمادية (امير بادينان) مع جدار مشيد وموقعين محصنين وبسمك 3-4 اقدام وارتفاع 20 قدماً والجدار يمر عبر الهضبة وعلى طول حافة المنحدر السحيق يوجد جدار واطىء شيدت فيه فتحات اوكوات لاطلاق المدافع منها وكانت السيطرة جيدة على كل المنطقة من جهة الجنوب.
ان المدينة كانت تدار من قبل رئيس البلدية، ودهوك كانت مركز قضاء يرتبط بلواء (محافظة) الموصل.
ويشير فيلد الى ان مجموع سكان هذا القضاء كان 29855 وكذلك فقد اشار الى التركيبة الاثنية والدينية للمجتمع ولكن الكرد المسلمين هم الاغلبية الساحقة (17).
راونــدوز
يصف هاملتون (في نهايات العشرينيات من القرن العشرين) مدينة راوندوز فيذكر ليس ثم اعجب من موقع (راوندوز). فهي تشرف على القدمات الشرقية من المضيق مثلما يشرف (سبيلك) على المدخل الغربي منه، ويبعد عنها زهاء خمسة عشر ميلاً ولا توجد طريق صالحة (للكروان)* غير هذا الطريق المرصوف بالحجارة الملساء المؤدي الى سوق البلدة القديمة القريب من القناة في زاوية حادة.
في بلاد الجبال والانهار والمضائق والوديان، لا يمكن ان تبنى بلدة في موقع مشرف مهيمن في مثل موقع راوندوز. فهي تقوم على لسان صخري ضيق يدخل بين شقين هائلين منحدراً من جبال (كوره ك) الشاهقة. ويستدق هذا اللسان في اثناء انحداره حتى يغدو شريطاً لا يزيد عرضه عن مئة ياردة عند بلوغه هضبة صخرية منبسطة على ضفة نهر راوندوز القريبة. وهذا النهر هنا منعطف في زاوية حادة نحو الوادي الذي يحد اللسان الجبلي من الغرب ويروح يجري بين جدارين عموديين ارتفاعهما خمسمئة قدم، لا تستطيع قدم ان تجد لها موطئاً ثابتاً في اي منهما ويستوي في ذلك اي حيوان اكبر من الغنم والماعز الجبلي التي يرعى بها افراد العشائر هنا مع اي حيوان آخر اقل رشاقة وخفة منها. هنا يبدأ مضيق راوندوز الذي صعدنا فيه زهاء ثلاثة اميال، من عين (كاني بيخال). اما الغور الثاني الشرقي وهو الذي يجري فيه (هندرين جاي) فلا يقل عمقاً ومهابة عن جاره.
وتجثم بلدة راوندوز العليا فوق مرتفع مائل الجوانب، ضيق، محصور بين مجنبتين عظيمتين. وفي الاسفل حيث يتقارب الغوران حتى يكادا يلتقيان، توجد خرائب راوندوز السفلى المهجورة تقريباً. وبين العليا والسفلى تلوى الطريق التاريخية التي لا سبيل لكل القوافل القادمة من تركيا وايران الا ان تسلكها. وعند مرورها هنا تدفع ضرائب للموظفين المحليين، ويجري احصاء القطعان الكبيرة التي يسوقها الكرد الرحل قبل دخولها المضيق لتفرض عليها الضريبة.
وبهذا تجبي (راوندوز) ضرائب منتظمة ومستمرة، احياناً على حساب الحكومة عندما توجد الحكومة، ومعظم الاحيان على حساب الادارة المحلية او للشيوخ المسيطرين.
وفي راوندوز السفلى يتفرع طريقان، احدهما يعبر نهر (راوندوز) بوساطة جسر ضيق لا حواجز فيه يمتد فوق واد سحيق عمودي الضفتين عمقه حوالي 80 قدماً وبهذا الجسر يأتي القادمون من تركيا البعيدة ومن ديانا والقرى الكردية الشمالية. واما الطريق الاخرى فهي تفضي من الوادي الى عين ماء تدعى (كانى جنديان) ومنها تعبر ممر (زيني شيخ) الجبلي الى ايران والحدود تبعد عن راوندوز 40 ميلاً والجبال تحيط بها من كل جهة. وهو منظر لا يقل روعة حتى في ايام الصيف عندما يذوب الثلج فتتعرى تلك القمم. وعلى الضفة الاخرى من النهر المتلوي تحت البلدة كالحية، يرتفع حرف جبلي شاهق من صخور صلصالية متدرجة تعلوه قلعة ضخمة قيل ان بانيها هو (كور باشا) الحاكم المطلق لراوندوز ومعظم بلاد كردستان قبل مئة سنة. وقد اغتيل كمعظم مشاهير الكرد وحكامهم. الترك هم الذين قضوا عليه. وفي اسفل القلعة خزان ماء كبير، كان مليئاً الى الحافة عندما شاهدته صيفاً. الا ان بناء القلعة نفسها كان خرائب وانقاضاً بسبب ما عاناه من قصف المدافع الروسية الجبلية في العام 1915 على ما قيل (94-5).
التآخي