الرئيسية » شؤون كوردستانية » الوطنية والخصوصية القومية .. إلغاء أم تأكيد ؟؟!!

الوطنية والخصوصية القومية .. إلغاء أم تأكيد ؟؟!!

من البدهي في لغة السياسة والاجتماع أن تتحدد المفاهيم , وتؤطر المصطلحات , وفق رؤية علمية , تسري فيها الرؤى والأحكام , وتدرج المحددات وجملة الآراء , بالقياس إلى معايير معتبرة , لا تكاد تخضع لاعتبارات مكانية أو زمانية أو ظروف وشروط مسبقة وأهواء ونزعات وهواجس ونزغات غريزية , بل تخضع لتلك المعايير العلمية والمنهجية لرؤية وموقف مسبقين , بحيث تغدو الدراسة الموضوعية لقيمها الثابتة , وغير المتأرجحة بهذا الفعل أوذاك , أو بتلك النظرة أو هاتيك الرؤية المختلة والمحكومة بالأهواء والمقاييس المتضاربة , والتي تتحكم بها وتدير لعبتها, وتضع لها فلسفتها الذاتية , وإسقاطاتها المريعة – كما في عالم السياسة اليوم , وفي محيطنا الإقليمي بالذات, وفي مجمل الحراك السياسي والاستراتيجي العام – فالقومية وحقوقها وجغرافيتها وتاريخها وارتباطاتها الوجدانية والإنسانية محفوظة ومصانة, حق طبيعي , قد يتجاوز حدودوه المعقولة – إن هو جنح وانحرف وفق المعايير المذكورة – إلى التطرف والعنصرية, والتشدد والإيغال في الموقف الذاتي , ليبدو في طابع الاستحواز والأثرة النهمة.. وابتلاع الأقوام والمجموعات والشعوب وصهرها, وإذابتها أو حتى محاولة إبادتها , وتجريدها من الأرض والجنسية.. ولا يكون ذلك إلا مع القدرة , فإذا كان الدعاة إليها يتمتعون بهذه القدرة والهيمنة والسلطة و إمكان استئصال الآخرين وترهيبهم وتجويعهم وتغريبهم , وممارسة حق القهر والقمع المركوز في سلطانهم وجبروتهم الذي لا يقهر – قياسا على ضعف الآخرين , وظروفهم القاسية , حيث كان ذلك في مختلف البيئات والأزمان , و كما نجد عند المتشددين من العرب والترك والفرس والصرب والروس وسواهم ممن تشدد وغالى وأخضع, ليصبح المفهوم القومي ذاته عند غيرهم ممن يسحقون , وتداس قيمهم , ويطردون من أرضهم .. ليصبح هذا المفهوم القومي و مجرد التشبث به – كحاجة حياتية- جحيما يفترس مقابرهم الجماعية, فتنتزع هويتهم الوطنية والقومية, ويستحقون الاستئصال – كما يقول القومي المستعرب منذر الموصللي – , وتكون قوميتهم عرقية أو شعوبية أو بحثا عن هوية ضائعة أو نسب مشكوك فيه, أو شذاذ آفاق ومتشردين, كما جاء في هجمات : ( العرفي والزكار والقلمجي والنجيفي وهارون محمد والعبيدي ومن على شاكلتهم ) في مغالاة عنصرية غريبة وغير معللة, وتصريحات استفزازية منكرة من شخصيات تنشد إلى حالات القمع والهرج والسفك ( ..كالمطلق والنجيفي والضاري .. والزامر والمطبل والنافخ ..) ليوقظوا فتنة نام الشعب العراقي العظيم عن سوءاتها وقبائحه .. للنهال تلك النعوت على رؤوس الكورد– ولو كان المطالبون بحقهم في الحياة من هذه الأمة من أشد الشعوب تجذرا في التاريخ – … و إذا كان الدعاة إليها والمطالبون بحقهم القومي المشروع , ولغتهم وثقافتهم كوردا أو بلقانا أو بلوشا أو أذريين أو أنغوشا أو شيشانيين أو كوسوفيين أو أفارقة .. , ممن دالت إمكاناتهم , وأضحوا ثمرة نضال تاريخي مشهود, وعبر تضحيات كبرى, فصاروا نهبا للسحق والقتل والتشريد والضرب في آفاق الأرض ومناكبها – حفظتها سجلات الخالدين دهورا وقرونا – , فتختل تبعا لذلك, ووفقا لقيم الواقع الراهن , بتلك الازدواجية المضطربة المعايير , وتنهار القيم , ويفسد المقياس ويزل المصطلح ذاته عن موقعه , ليضحى الحكم على المقولة ذاتها محل استهجان , ومثار تهكم مزر, لا يكاد يستند إلى قيمة منهجية تقدر نتائج ما ننتهي إليه من أحكام , وهو بالضبط ما نعانيه اليوم مع شركائنا في التاريخ والوطن والمصير, – وفي ظل تحركات يومية , وحراك متدافع ومتصل – أعني العرب الذين يرتبطون بالكورد بأواصر ووشائج وقيم وقرابات, سبق ذكرها والإلحاح عليها بمنهج بحثي , لا يرقى إليه جدل لا طائل تحته ..مع الذين لا يكادون يرون إلا محيطهم الضيق وآفاقهم المحدودة, وتدافعهم على القريب العاجل من المنافع والمصالح الحزبية والفئوية والمواقع والريادات الواهمة ولا ينفع ذكر ذلك أولئك النفر من الذين ” وضعوا أصابعهم في آذانهم واسغشوا ثيابهم , وأصروا واستكبروا استكبارا ..” , وممن غرقوا في بحر لجي من الإعراض والقمع والفتك والتنكر , ونسوا وتناسوا, ما لقي قومهم – في يوم من أيام الدهر الكالح – من عنت واضطهاد وبغي على يد الآخرين, و ما كان لهذه الأمة الكوردية العريقة من فضائل وأياد بيضاء على تاريخ زاخر وعامر ومشترك وجامع .. وما كان لهم من دفع للظلم, ومقاومة باسلة .. وبطولات سماها التاريخ قبلا وبعدا, مما لا يمكن محوه أو تجاهل حقائقه الشامخة , ومعالمه المضيئة عبر الأجيال ليكون – بحد ذاته حكما عدلا – فيبدو أي خلل يمس هذه الحقائق من جهة, والمنهجية التي انتهى إليها الباحثون والعلماء من جهة أخرى, مثلا صارخا على الاعتساف والرؤية الضحلة , واضطراب في التوازن لايبرره أي تعلق ذرائعي بقيمة وطنية أو رؤية ارتباطية جامعة, أو أية أدلجة تسويغية , لا تجد مصداقيتها في الواقع التاريخي والعلمي والمنهجي , فما يحق للعربي من مقومات ومكونات وتاريخ ودول وإمكانات وثروات ومداخل ومنافذ وطاقات وذخائر.. ورؤى وأمان وأحلام وطموحات , يحق للكوردي والفارسي والأرمني والسلافي والإيغوري والتيبيتي والملاوي…. يحق لهم مثلها وما يناظرها ويقاربها , بما يحقق الخصوصية القومية لكل أمة ومكون إنساني بكل ما تحمله من توجهات ومعايير وأبعاد – ووفق التطورات والظروف المتاحة والتشريعات والقوانين وتطورات الساحة الدولية – و بما شرع الله من اختلاف في الألسن والألوان والطباع والبيئات , وما سنته الشرائع والأحكام والقوانين واللوائح الدولية , دون ممالأة أو محاباة أو معايير مختلة , تتحكم بها الأهواء والنزعات والنزاعات والمصالح والصراعات , فتضطرب تبعا لفقرها وبؤسها المعايير والقيم الواحدة , لتكون تلك المفرزات الممسوخة والمشوهة والعابثة بقدر الشعوب ونتائج هذا العبث الكارثية المدمرة ,التي شهدتها قرون من الوحشية الدامية والمكر السيء والبؤس الأخلاقي , ما يكفي للاعتبار والارتداد عن تلك المتاهات الجائرة والمرتكسة والمودية بالحرث والنسل والضرع, من جراء سياسات إقليمية ودولية ملتوية , وأغراض ومصالح محدوددة وبائسة, مما شكل عاملا أساسيا من عوامل التنكر والإقصاء والقفز فوق الواقع , وطرح بدائل وطنية أو أيديولوجية جامعة تحترمها هذه الشعوب , وتقف منها موقفا رصينا , له رصيده التاريخي والواقعي, وله بريقه وتألقه في ضمائر الناس وفي أفعالهم , ككلمة حق يراد بها باطل.. بغرض محو هذه الخصال القومية, وإزالة خصوصيتها ووضوحها , وضرب مقومات تواصلها الحياتي والحضاري , كما يحصل الآن في العراق – في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى تأكيد الخصوصية القومية والجغرافية للكورد , وبعد نضال شاق ومرير كانت مكاسبهم ثمرة طبيعية له- لينعت أي توجه باتجاه هذا الحق المشروع بالنزعة العرقية أو الرغبة في الانفصال , أو التوسع في جغرافية الإقليم والتصرف في موارده على حساب المركز وموارد الدولة, والاستئثار بثرواتها , من خلال الاتفاقات والعقود غير الشرعية بزعمهم , لترتفع الأصوات بالتلويح بالقوة من جديد والعودة إلى مركزية الدولة , واستئناف مريب ,- وتحت شعار وطني عريض – تقر به وتحترمه القيادات والجماهير الكردستانية – , للتهرب من تنفيذ مواد الدستور المستفتى عليه و الذي لم يستفد مدته القانونية في المراجعة والتعديل , وفقا لأحكام الدستور, مما يعدالحكم الفصل في النزاعات, والداعي إلى حوار بناء حوله , ليحول دون المماطلة والتسويف والتعطيل و بهذه الحجة أو تلك , مما استدعى مؤخرا تدخلا أمريكيا مباشرا , بعد نجاح العملية الديمقراطية الفذة والحرة التي جرت في الإقليم على مستوى الرئاسة والبرلمان, ومباركتنا جميعا لفوز الرئيس المناضل مسعود البارزاني بولاية ثانية , والقائمة الكردستانية الموحدة بالأغلبية المجزية, لتواجه – من جديد وبمسؤولية – تحديات المرحلة التاريخية والوطنية الحاسمة , والتأهب لاحتمالاتها , واللجوء إلى قيم الدستور ومواده ومقرراته , وقيم الشراكة الحقة والعادلة , دون المساس بكرامة الشعب الكردستاني ومكاسبه التاريخية , وتضحياته الكبرى..
إن العودة إلى الوراء , والخضوع لتلك المعايير المضطربة والمفاهيم المختلة, والحنين – مرة أخرى – إلى ماضي القمع والسحق وغمط الحقوق- والصيحة في واد عميق وعقيم, والنفخ في رماد بارد, وتحكيم قواعد وسياسات ورؤى قومية جاهزة ومبرمجة – في حسرة جارفة على الماضي – , لن ينفع الشراكة الوطنية والتاريخية بين العرب والكورد وسائر مكونات ومذاهب وأديان الشعب العراقي , كما أن الاحتكام إلى الحس الوطني واستثارته, يستدعي بالضرورة توفير مقوماته , وأسبابه الموجبة , واعتباراته الحية, بالتأكيد على كل مكون قومي واتجاه فكري حر في المجتمع العراقي نموذجا حيا لمجتمعاتنا شرقا وغربا- بعد أن خاض غمرات الموت وأهواله المروعة عقودا – , بما يحقق التناغم والتكامل بين البعدين الوطني بكل أبعاده , والقومي بكل خصوصياته وخصائصه , دون تحكم أو تفرد أو هوى متبع أو حرف للمسار,أو تهديد أو تلويح بالقوة , أو مجرد محاولة استعراض لها , أو العبث بتحريك أي تحريك لفتنة عمياء قد تقود إلى متاهات العنصرية والتوتر والاحتقان , لتطل برأسها من جديد , وضرب مقومات حياة آمنة وعصرية مستقرة , يتعانق فيها التراث مع المعاصرة والوطنية مع القومية في أبعادها الإنسانية الناصعة, وفي وضوح كامل ودون مواربة أو مسالك مريبة .. ليتحقق البعد الوطني في أكمل صوره وأجلاها دون اللجوء إلى قهر القومي وتنوعه الجميل , والنسج الضامة والمتآلفة في نسيج اجتماعي وإنساني وأخلاقي رفيع , يسعى للبناء والعمران والازدهار واللحاق بركب المجتمعات المستقرة والمندفعة إلى بناء المنظومة العلمية والمعرفية والحضارية الشامخة.