الرئيسية » مقالات » رجال دين ام وعاظ سلاطين

رجال دين ام وعاظ سلاطين

لست عالم دين ولا فقيها ولا مهتما بالتفاسير العديدة للقرآن الكريم . وليس لدي ميل للبحث والاستقصاء في اي دين او مذهب ، لانني اعتبر الاديان بشكل عام السماوية منها وغير السماوية ، ما وجدت الا لتسهيل امور البشر على هذه الارض . ولذا أرى ان هناك امورا مشتركة كثيرة بين هذه الاديان ، كما وتبشر جميعها بمجموعة من القيم والاخلاق بين البشر ، لتسهيل بناء المجتمعات على اسس سليمة . وتشارك هذه الاديان مع مجموعة من القوانين الوضعية ، في رسم اشكال مختلفة للمجتمعات البشرية اليوم . ومن خلالها نستطيع ان نرى مدى الفرق بين هذه المجتمعات ، ليس تبعا لاديانها بل تبعا لتفسير ما جاء في هذه الاديان ، وتطور قوانين الدول . اي ان تخلف بعض المجتمعات عن الاخرى ،هو ليس بسبب الدين ، بل بسبب اقحام الدين في امور السياسة والتفسير الانتقائي له ” القرآن حمال ذو وجوه كما يقول الامام علي (رض) ” ، من الذين يتصدون لامور العامة .

ومن الامور البديهية في الاديان ومنها الاسلام ( لاننا نتحدث هنا عن العراق وحكومته الاسلامية ) ، والتي تعلمناها منذ ان كنا صغارا ، سواء في البيت او المدرسة او في المجتمع . هي الصدق وعدم الكذب ،والامانة وعدم السرقة ، وعدم تقبل الرشوة والنظافة ، وهذه الخصال يتحلى بها الانسان السوي في اي مجتمع كان ، مع الاخذ بنظر الاعتبار تطور المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا ، ودور هذين العاملين في الحد من الكذب والسرقة والرشوة ، ودور الدولة في نظافة بيئتها ومدنها . ولاننا مسلمون ونعيش في مجتمع اسلامي ، وحكومتنا ودستورنا وبرلماننا ، وجميع ما له علاقة بحياتنا اليومية ينهل من الاسلام فكرا وممارسة ، او هكذا يقولون . لذا فمن واجب ائمة الجمعة ، ان يحثوا الناس على هذه الخصال وامثالها . لا ان يستغلوا خطب الجمعة ، للتهجم على احزاب معينة ومذاهب معينة (ناسين دورهم في حث الناس على الاخلاق الحميدة او شارحين لهم سماحة الدين) في عملية ، هي ضد الاسس الديموقراطية اساسا . هذه في حال امكان تسمية الحياة السياسية في العراق بالحياة الديموقراطية . لان النظام الذي يدّعي الديموقراطية ولا تستطيع ديموقراطيته القسمة الا على نفسها ، هو نظام ديكتاتوري قمعي كأيران والسعودية الاسلاميتين . والنظام الذي ديموقراطيته لا تقبل القسمة الا على ثلاثة ، هو نظام مليء بالفوضى كالنظام في العراق . لانه في حالة عدم قبول اي قرار برلماني ، من اية جهة من هذه الجهات الثلاث ( شيعة ، سنة ، كرد ) فان النقض ( الفيتو ) يكون جاهزا ، في مجلس الرئاسة لنقض القرار . وهذا ما يفسر لنا عدم استطاعة العملية السياسية في العراق ، من تحقيق نتائج مرضية ومعقولة بعد هذه السنوات الست .

ومن هنا وبدلا من استغلال منابر الجمعة من قبل ( رجال الدين ) ، بالاضافة الى العشرات من الفتاوى التي يطلقونها في تأييد هذا الطرف السياسي او ذاك ، او هذه القائمة الانتخابية او تلك . اليس من الانصاف ان يثير ( رجال الدين ) هؤلاء امورا ، تهم الناس وحياتهم اليومية ، بدلا من ان يكونوا وعاظا للسلاطين ارباب نعمتهم او شركائهم ، في ( فرهدة ) البلد واموال اليتامى والارامل . فلماذا مثلا لا يثقفون الناس على موقف الاسلام من الكذب ، والاشارة الى المسؤولين الكذابين الذين ملّ الشعب وعودهم ، لانهم احترفوا الكذب منذ التغيير ولليوم . متسترين على العديد من السلبيات التي يقترفها هؤلاء السياسيون ، وهم في الغالبية العظمى منهم اسلاميين ، والبعض منهم معممين وبغض النظر عن طوائفهم .

فما هو موقف الدين من ظاهرة الكذب ؟

الكذب خصلة ذميمة وصفة قبيحة وعمل مرذول ، والكذب بشكل عام دليل على ضعف الانسان وحقارة شأنه . والمسلم بشكل عام والمؤمن بشكل خاص ، عليه ان يتحاشى الكذب (جهد الامكان) . ولكننا نرى المسؤولين المؤمنين ومن المذهبين ، يكذبون في وعودهم على البسطاء من ابناء شعبنا ، منذ التاسع من نيسان 2003 وليومنا هذا . ففي عهدهم وعلى سبيل المثال ، بنيت عشرات محطات الطاقة الكهربائية ، وعشرات المستشفيات والمئات من المدارس ورياض الاطفال ، و شبكات الصرف الصحي . اما امدادات مياه الشرب ، فأنها اصبحت فائضة عن حاجة العراق لها ، ولذا بدأ العراق بتصديرها الى الدول المجاورة، وغيرها من المشاريع الكبيرة منها والصغيرة . ان ما ذكرته من انجازات هي التي ادعى المسؤولون المؤمنون ، انهم سينفذونها او نفذوها خلال السنوات الست المنصرمة . فهل تم تحقيق شيئا من هذا ؟ ام انهم كذبوا على البسطاء الذين صدقوهم . الجواب نستطيع ان نتوصل اليه ، من خلال هذا الكم الهائل من الخراب الذي حل بالبلد ، اذن فهم كذابون . و الاسلام شأنه شأن معظم الاديان يحرّم الكذب .

جاء في القرآن (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ” غافر “. وجاء ايضا (انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ، واولئك هم الكاذبون ) ” النحل ” . بالاضافة الى العشرات من الآيات التي حذرت المسلمين والمؤمنين من الكذب .
وقال النبي محمد ويقال الباقر ( ان الكذب هو خراب الايمان ). وروى مالك عن صفوان بن سليم : انه قيل لرسول الله ( ص ) : ايكون المؤمن جبانا ؟ قال نعم . فقيل له : ايكون بخيلا ؟ فقال نعم . فقيل له : ايكون كذابا ؟ فقال لا. وقال ايضا ( آية المنافق ثلاث ، اذا حدّث كذب ، واذا وعد اخلف ، واذا اؤتمن خان ) ووالله فقد حدثتم فكذبتم ، ووعدتم فأخلفتم ، واؤتمنتم فخنتم .

وقال الامام علي(رض) ( اعتياد الكذب يورث الفقر ) . وقال الامام الحسين ( من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار ) . وقال الباقر ( ان الله جعل للشر اقفالا ، وجعل تلك الاقفال الشراب ، والكذب شر من الشراب ) .وقال ايضا ( كان علي بن الحسين يقول لولده : اتقوا الكذب ، الصغير منه والكبير ، في كل جد وهزل ، فان الرجل اذا كذب في الصغير ، اجترأ على الكبير ، اما علمتم ان رسول الله (ص) قال : ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا ، وما زال يكذب حتى يكتبه الله كذابا ). وقال المسيح عيسى بن مريم ( من كثر كذبه ذهب بهاؤه ) .

والان لماذا لايتناول ( رجال الدين ) في خطب الجمعة ، شرح مثل هذه الآيات والاحاديث والمئات غيرها للمصلين ، ويشيروا وبالاسماء للمسؤولين الكذابين ، لكي يكون الناس على بينة . الم يقل النبي ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، ومن لم يستطع فبلسانه ، وان لم يستطع فبقلبه ، وذلك اضعف الايمان ) . والسؤال هو ، اين ايمانكم ايها الاسلاميون ويا رجال دين العراق . وانتم ترون ( وتشاركون ) المسؤولون وهم يكذبون على المواطن البسيط وفي مختلف المجالات .

اما الرشوة فتعرف من انها ، اساءة استغلال السلطة المرتبطة بمنصب ، سواء كان شغل هذا المنصب عن طريق التعيين او عن طريق الانتخاب ، واستغلال النفوذ والوساطة وهي وجه من اوجه الفساد . والرشوة كجزء من ثقافة الفساد موجودة في كل المجتمعات ، ولكن بنسب متفاوتة بين مجتمعات متطورة واخرى متخلفة . فالمساحة الكبيرة للديموقراطية في البلدان المتقدمة ، والشفافية والمساءلة ، هي التي حجمت الرشوة والفساد فيها . لان حكوماتها اعتبرت الامر ( الرشوة ) ظاهرة اجتماعية ، ذات اثار مدمرة على المجتمع ، وانتشارها سيعرقل في النهاية عملية التنمية . وفي مثل هذه المجتمعات ، لا فرق بين مسؤول واخر ، بغض النظر عن مركزيهما الوظيفيين ، ولا يوجد مسؤول اعلى من القانون .

اما في دول العالم الثالث او الرابع ، ومنها بلدنا العراق . فأن الدولة لا تنظر الى الرشوة والفساد على انهما ظاهرة اجتماعية ، بل عمل فردي . وبالتالي يقوم المسؤولون بالتعتيم على الرشوة ، والتستر على زميلهم (شريكهم) المرتشي . أو مقايضة عدم الكشف عنه وتقديمه للعدالة من قبل منافسيهم ( عصابة اخرى ) ، بالتستر على مرتشي اخر من اتباع خصومهم في جهاز اخر من الدولة . وفي هذه الحالة فان الفساد الاداري سينمو ويكبر ، وتمتد اثاره السلبية الى المجتمع ومرافق ودوائر الدولة كأذرع الاخطبوط . وهذا ما نلاحظه في الدولة العراقية الان ، فوزراء ومسؤولين اسلاميين وقوميين ، يسرقون الملايين بل المليارات من مبالغ المساعدات المقدمة للعراق ، ومن ثروات هذا الشعب الجائع والمشرد داخل وخارج ارضه . حتى وصلت الاموال المنهوبة الى ارقام فلكية . وعلى الرغم من كل هذا الدمار ، فأن وعاظ السلاطين في خطب الجمع لا يلتفتون ، الى فضح هؤلاء امام الناس . لانهم شركائهم اولا ، ومشغولون بتثقيف الناس على خطاب طائفي بغيض ثانيا ، كما وان بعضهم مشغول بتأليب الناس البسطاء على قوى وطنية ، يشهد لها الجميع بالنزاهة ثالثا . فهل حلل الاسلام الرشوة ام حرمها ؟ لنرى .

تعتبر الرشوة في احكام الشرع من كبائر الذنوب . فقد جاء في القرآن ( سماعون للكذب اكالون للسحت ) ” المائدة ” قا