الرئيسية » مقالات » العراق خسر الصابئة المندائيين ولكن الصابئه المندائيين لم يخسروا العراق

العراق خسر الصابئة المندائيين ولكن الصابئه المندائيين لم يخسروا العراق

يوم امس المصادف 29 /7 / 2009 قرأت كما قرأ غيري معلومة تقول .. كما جاء عن المركز الوطني للاعلام ..( امر دولة رئيس الوزراء نوري كامل المالكي بتكريم العالم العراقي الكبير الراحل عبد الجبار عبد الله …. باطلاق اسم العالم الراحل على احد شوراع العاصمه بغداد ، فضلا عن تسمية احدى قاعات جامعة بغداد باسمه ، وامر رئيس الوزراء ايضا بمتابعة قضية املاك الراحل التي كان النظام السابق قد استولى عليها واعادتها الى الورثه الشرعين ..وذلك اكراما لدوره العلمي الكبير على المستويين العالمي والعراقي وتثمينا لدور العلم والعلماء …. الخ )

هذا الخبر رغم مجيئه متأخرا الا انه ، اثلج صدور ابناء الصابئه المندائيين مما دفعهم لتبادل نشره بينهم، واشاع روح الامل والتأمل في نفوسهم ، وهم في حيرة من امرهم بعد كل ما حصل وما جرى بحقهم من ظلم وجور واضطهاد وقد فروا مذعورين مهزومين طلبا للنجاة بارواحهم وارواح ابنائهم تاركين الارض والنخله ودجلة الخير والاصدقاء والممتلكات والذكريات وكل شيئ ، وانفرط عقدهم وتبعثرت كياناتهم العائليه في كل اتجاه وصوب فهنا ترى الابن وهناك على بعد الالاف من الكيلومترات يعيش اهله وذويه وكل منهم في مكان ، فذهبوا شرقا حتى وصلوا جزر الهند الصينيه وجزر اندنوسيا المنتشره في متاهات المحيط الهادي وصوب القطب الجنوبي حتى

نيوزيلانده وغربا البلاد الامريكيه وما جاورها ، ولم تخل القاره الافريقيه من تواجدهم دون ذنب او جرم ارتكبوه لا بحق الوطن ولا بحق بني الانسان العراقي فاين هو الحق يا ترى …؟

المندائيون هم اهل العراق الاصليون وتاريخهم يمتد بهم عميقا بعمق الزمن قدموا الكثير الكثير لهذا الوطن وساهموا مع مكوناته الاخرى في بنائه لبنة لبنه ولم يبخلوا حتى بارواحهم ضحايا الحروب العبثيه ، واذا بهم في ليلة وضحاها يطردون خارج الوطن دون ارادتهم وخوفا وتحوطا لما كان يخطط لهم من مصائب ونكبات مبيته

نعم صحيح كل الاطياف الاخرى اصابها ما اصاب المندائيين ولكن بنسبة اقل بكثير مما تعرض له المندائيون في حساب تعداد نفوسهم ولم يبق منهم الان بالعراق الا العدد القليل

هؤلاء قوم جبلوا على العطاء المبدع والثر بدون ضجة اومِنّه او مقابل منفعه ذاتيه ابدا ، وقد تركوا بصماتهم منقوشة على القبب والمنائر مثل نقشهم على الفضه والذهب ، وهي شهادة حية وبينه اثبات لهم لا يَقدر على مسحها او مسخها من اراد ذلك من ذوي النفوس المريضه من الحكام السابقين ومن يحاول حاليا من المغرضين لأنها مطبوعه على ساحات البلد الثقافيه والعلميه والتربويه وفي ضمائر العراقيين الشرفاء في صفوف هذا الشعب الابي .

ونحن بصدد المندائيين المستوطنين هناك في بلدان العالم لقد وجدوا هؤلاء القوم انفسهم في اجوائها ، وابدعوا فيها غاية الابداع بعد ان توفرت لهم سبل العيش الكريم حيث الحرية الشخصيه والمساواة والعدل وتكافؤ الفرص ولن ينقصهم شيئا الا ان ارواحهم وضمائرهم ظلت باقية مع العراق وشعب العراق !

رحل الصابئة المندائيون من العراق وكانوا مؤهلين بالمعرفة المميزه وبمستوى عال وبكفائات تخصصيه ومهنية مرموقه ، وحين استقروا بتلك البلدان ، لم يكونوا عالة عليها ، بل اغنوها من عندهم بخبراتهم وعلومهم واعطوها الكثير بما حملوا معهم من ممارسات معرفيه وحذاقه مهنية وحرفيه وقيم اخلاقية وانسانيه رغم حداثة تواجدهم فيها ، فبرز منهم علماء عظام بدرجة برفسور وبكافة نواحي الاختصاص العلمي والمعرفي ، في الفلك والطب والفيزياء والكيمياء والاقتصاد والعلوم الأجتماعيه والفلسفية والطبيعيه والدراسات الأنسانيه وغيرها يشير لهم بالبنان ، مما لا يسع المجال لذكر اسماءهم على هذه الصفحه الضيقه ، ومما يلفت النظر ايضا ان ابناءهم من الجيل الثاني ظهر هو الاخر على مستوى آبائهم ، ومن خلال السنوات القليله الماضيه تخرج معظمهم من الجامعات الكبيره وهم يحملون الشهادات الرفيعه بمجال تخصصهم وحصل بعضهم على جوائز ثمينه لتفوقهم الدراسي ..!

ولكي اعطي فكرة للقارئ الكريم لحالة واحده فقط ولبلد واحد هو نيوزيلانده ، هذا القطر الجميل والديموقراطي الحكم ، كان قد استقبل بعض المهاجرين والمهجرين المندائيين ضمن ما استقبل من عراقيين ، حتى بلغ تعداد المندائيين رجالا ونساء ومن ضمنهم الاطفال حوالي المائتين فردا ، كلهم من المؤهلين بين طبيب وطبيبه وصيدلي وصيدلانيه ، ومهندسات ومهندسون وكذلك مثلهم من أساتذه ومربين ومعلمين وادباء وشعراء ومن مختلف الاختصاصات ، والباقون هم اولادهم الذين تخرج بعضهم والبعض الاخر في دور التخرج من الجامعات ، وارجو ان لا اكون مبالغا اذ قلت ان جميع المندائيين في هذا البلد من حملة الشهادات من الجامعات العراقيه او النيوزيلانديه بشكل مطلق ، ولم يكن من بينهم شخصا أميّا اودون شهاده على الاطلاق عدا الاطفال ..!

هذا هو الواقع في نيوزيلانده وممكن ان ينسحب الحال على البلدان الاخرى ، حيث يتواجد بها المندائيون والسؤال المطروح هو .. لماذا خسر العراق كل هذه الطاقات المخلصه والفاعله ولمصلحة من ؟

الصابئه المندائيون وجدوا انفسهم ، وتمكنوا من اثبات ذاتهم وشخصيتهم المميزه ، من خلال عملهم الجاد وعطائهم الذي لا ينضب ، ولم يخسروا شيئا الا الوطن الام …! فهم والحاله هذه ، مثلهم كمثل الراحل العالم الفذ عبد الجبار عبد الله الذي شهد بحقه علماء العالم قاطبة ، وشهدت له انجازاته ونظرياته العلميه ، وقد وصف بحق برجل علم ومربي كبيربجانب تحليه بالقيم والاخلاق الرفيعه ، وقد قيل بحقه الكثير ،هذا الانسان الانسان مات بعيدا عن وطنه العراق ، الذي احبه وقدم له عصارة فكره النير ، ولم يبخل بعطائه يوما حتى اخر نبضه من نبضات قلبه الطاهر ، وأخيرا آثر ان يسجى جثمانه على ارض العراق ، ويدفن بين طيات تربته الطاهره ، هكذا كتب في وصيته رغم تواجد عائلته في امريكا ..!! ترى كيف يمكن تفسير هذا الحس الوطني الشريف ؟ وهل ان استحقاقات هذا العالم الكبير بتسمية شارع او قاعه او اي صرح هي كثيره بحقه ؟

الحكومه العراقيه والمتمثله برئيس وزراءها السيد المالكي ، وبمشاركة فاعلة من لدن فصائل الشعب التقدميه الواعيه والمخلصه لتربة هذا الوطن كلها ، ساهمت باستذكار هذا العالم الجليل ، وكانت مبادره حميده من الحكومه العراقيه ، لأعادة اعتبار هذه الشخصيه العراقيه المندائيه ، وهي بمثابة اعادة اعتبار لكل ابناء الطائفه الصابئيه المندائيه التي اصابها الهضم والقهر والتشريد ، الا انهم يطمحون باصلاح ما افسده النظام اوالانظمة السابقه ، والاقرار باستحقاقتهم الدستورية ، ومنحهم حقوقهم السياسيه والأجتماعيه والقانونيه والثقافية كاملة غير منقوصه ، وعندها سنبرهن للعالم ما وصل اليه العراق من رؤى حداثويه ومبادئ ديموقراطيه ، حيث يسود العدل والمساواة وتتحقق العداله الاجتماعيه في ظل دولة المؤسسات القانونيه بين كافة اطياف الشعب العراقي من خلال تفعيل حق المواطنه بين الجميع بلا استثناء

عاش الشعب العراقي الابي

ولتبقى الذكرى الطيبه ندية عبقه للعالم عبد الجيار عبد الله في قلوب اهله المندائيين وبضمائر كل الشرفاء من العراقيين

عربي الخميسي

تموز / 2009