الرئيسية » مقالات » خدعة الثقافة !!

خدعة الثقافة !!

الضياع سمة الكثير من مثقفينا و تقليد القوالب الجاهزة هو واقع حال اغلبهم , واترك تفسير هاتين العبارتين لمن القى السمع وهو شهيد .
ما يهمني واقعا وهو موضوع المقالة ما يجيبه ( المثقف ) حينما يُسأل عن انتمائه الفكري او الديني او السياسي فيقول حينها : ( انني مستقل ) ! .
وهو في جوابه هذا يستهدف بيان ان كتاباته او ارائه لا تتحيز الى خطٍ ما محاولا اظهارها بصورة تعتمد الموضوعية وتبتعد عن العاطفية ليضعها قراءه في خانة ( الاستقلالية ) .
وكذلك يحاول ذلك ( المثقف ) ان يُرضي المؤسسات ذات النفوذ والقرار والمال لاسيما الغربية او العاملة في طول عمل تلك المؤسسات الغربية وهي الغالب من مؤسساتنا في الشرق الاوسط والتي زرعت فكرة ان الثقافة مصطلح مرادف للاستقلالية بعد ان وضعت هالة من الضخامة والهيبة على ذلك المصطلح مستهدفة ايجاد مظلة تحتوي كتابنا ومفكرينا تساعدهم على الانسلاخ من جذورهم والانفصال عن مدارسهم .
ولكنه – المثقف – حينما يُسأل عن مصدر تكوين افكاره وابداع ارائه سيكون جوابه مضطربا يَدَعي فيه انه ينتمي الى الموسوعية ويستخلص ارائه بعد الاطلاع على جميع الافكار المطروحة بصورة عادلة .
فيكون تعريف الثقافة حينها لدى ذلك المثقف : هي الموسوعية المعلوماتية التي لا تنتمي الى مدرسة فكرية بعينها والبعيدة عن العاطفة .
وهذا هو عين الخداع والانخداع فلا يوجد احد من البشرية لا ينتمي الى فكر بعينه , لان العقل الناضج حين يستقي المعلومات من مصادر الفكر الانساني سوف يصنع لنفسه فكرة كلية ينتمي اليها ويسير على منهجها .
فالثقافة بلا جذور لاتعدوا اكثر من هباء تذروه الرياح فيضيع ويتشتت وقد تقوده الرياح الى القمامة !
ان الجرثومة التي تسبب مرض الضياع هذا هي حب الظهور تلك الجرثومة التي تنتجها النفس الانسانية باعتبارها من شهواتها , فيكتب بعض الكتاب لا لهدف بل ليدخلوا تحت عنوان ( المثقف ) وحينها لن يجدوا في داخلهم فكرا مستقرا او هدفا معلوما فيكون التجائهم الاوتوماتيكي الى القوالب الجاهزة ومسايرة المشهور والارتماء في احضان الموضة الكتابية او ما اُسميه ( عالم الاكلات السريعة الثقافي ) .
حينما اُعيدُ صياغة السؤال لذلك النوع من المثقفين واقول : عن ماذا انت مستقل ؟ وهل انت فعلا لا تنتمي وتنحاز الى فكرٍ معين ؟ اذاً لماذا تكتب ولاي هدف ؟ وكيف صغت مقالتك ؟ وعلى أي جذرٍ استندت في تأييدك او رفضك او وقوفك على التل ؟!
انا اجيبك : انت قد ساقتك موسوعيتك الثقافية الى الاقتراب من احدى مدارس الفكر فانتميت اليها واقعا وقد ( قد ) تكون جهلت ذلك ظاهرا فانطلقت من خلال ذلك الانتماء في مناقشة الافكار والاراء عارضاً لتلك الافكار والاراء المطروحة على اُسس المدرسة الفكرية التي نَمَتْ في داخلك لينتج بعدها رأيك في التأييد او الرفض او الحياد .
الحاصل انه لايوجد ( مثقف ) مستقل فكريا او خاليا من الانتماء وان اظهر خلاف ذلك رغبة منه في اقناع القارئ بحياديته تلك الحيادية المستحيلة فلسفيا على بني البشر مادام عقلهم عاملا وشغالا .
ان الانتماء لمدرسة فكرية في عالم الثقافة لا يُعد عيباً او نقصاً بقدر ما يعني التخلي عن ذلك الانتماء ضياعاً وانهزاماً داخلياً , خصوصاً ان ذلك الانتماء جاء من خلال الثقافة الموسوعية للانسان واِعمال العقل عليها لتتبين عندها خيوط كل مدرسة وفكر فيختار الانسان حينها مَنْ هو ومِنْ اين والى اين .
الثقافة هي التحصيل الموسوعي للمعلومات وتنقيح ذلك التحصيل من خلال التواصل الفكري والحوار العقلي الانساني وبالاستناد الى جذر حضاري ثابت ومستقر يتم الانطلاق من خلاله لغرض الارتقاء بالانسان دون النظر الى انتمائه .
ان الانتماء الى منهج ديني او سياسي او فكري معين ومحدد لا يعني ايقاف العمل العقلي في التفكير بل توجد في كل ذلك مساحات فراغ لخلق نظريات واراء تخدم البشرية جمعاء وكذلك يوجد دائما في فكر الاخر ما ينفع المفكر والمثقف ويرتقي بتجربته وفي خضم كل هذا توجد مناطق للحوار والتواصل مع الاخرين باتجاه الاقناع او الاقتناع .