الرئيسية » شؤون كوردستانية » السلطة و أحزاب غرب كردستان

السلطة و أحزاب غرب كردستان

التمعن في تاريخ الحركة الكردية السياسية منذ نشوئها الى يومنا هذا , أوصلني الى قناعة بأن هذه الحركة مع جميع أحزابها وقادتها ليست لهم كل الذنب في هذا التخلف عن بلوغ الغاية الأساسية لمسيرة نضال الشعب الكردي _ ألا وهي الأمن والحرية والأستقلال _ فما هم سوى شريحة من المجتمع الذي جميعنا منه, فهم أنعكاس ضئيل وباهت لمرآة هذه الأمة , الأمة التي لها مخزون هائل من العزيمة, فهي تحتاج الى أفراد غير عاديين لأخراجها من العتمة الى الساحة العملية وإيصالها بركب المسيرة النضالية , هذه الطاقة التي تصل أحياناً الى درجة الفيضان بسبب ضخامتها , كفيضان عام 2004 والذي بدأ من ملعب القامشلي كرد فعل على الضغوطات الأمنية والمشاريع العنصريه والأجرام المخطط من قبل السلطة , لتشمل جميع مناطق كردستان الغربية, نعم المخزون موجود , لكن هل الحركة الكردية بأحزابها وقادة أحزابها تعكس مقدار هذا المخزون النضالي , بالتأكيد لا … لكن لماذا لا ؟ ما هي الأسباب ؟ طبعاً هنا سنختلف على الأسباب … أما وجهة نظري هي ان هناك أسباب موضوعية وذاتية , أفظعها وأثقلها هي الموضوعية في واقع الحركة , فهي موجودة تحت سيطرة دولة استبدادية توتاليتاريه دكتاتورية, تنتهج أفكار عنصرية فاشية , تلغي الأخر بكل حذافيره , فما بالكم بشعب يختلف عنهم ويطالبهم برد الحقوق المغتصبه والمشاركة في الوطن.
والأحزاب الكردية وقادتها يتحركون ضمن قوانين أستثنائية غير دستورية وضعت لإزالة هوية الشعب الكردي التاريخية, والغاء المعارض من الشعب العربي أيضاً, سلطة تستعمل كل طاقاتها لإلغاء الأحزاب , إن لم يكن ذلك ممكنناً فتجبرهم على السير في طريق مرسوم , أي خروج عن هذا يؤدي الى عقاب صارم.
لا أظن أن القومية الكردية في سورية تُضطهد لما يعتبرونها أقلية مغتصبة حقوقها, حيث هناك أقليات في سورية تعاني بشكل أخر , وغيرها ترفل في نعيم واقع أقتصادي اجتماعي وسياسي , تملك كل السيطرة كالأقلية العلوية , فالقضية ليست قضية الأقلية أم الأكثرية, وليست قضية تحويل السلطة السورية من نظام دكتاتوري شمولى الى نظام ديمقراطي لتغيير الواقع المأساوي للشعب الكردي في سورية , حيث المفاهيم التي غرزتها السلطة على مدى عقود من الزمن كفيلة لتغيير مفاهيم الاغلبية من الشعب ,الكثيرين من المثقفين في حزب البعث العربي الأشتراكي وبعض القوى العربية الأخرى يجابهون الشعب الكردي من منطلق بأن النظام المتبع في الحكم هو نظام ديمقراطي , ودليلهم على ذلك انتخاب أعضاء مجلس الشعب ورئيس الدولة !!
نحن في سوريا أمام أزمة عقل وفكر وأعراف, هدمت وحورت عن الأتجاه الأنساني في التفكير , لقد أخترقت هذه السلطة أعماق الشعب العربي السوري , مثلما أخترقت أعماق الشعب الكردي وأستطاعت أن تشتت حتى أفكار الشريحة المثقفة في كثير من المفاهيم منها مفهوم الديمقراطية نفسها , هذه الديمقراطية المعفاة من العلمية التربوية والقضائية والدستورية والمبنية على روح استنهاض براكين الغرائز المشوهة, وهي مجردة من تراكم العقلانية والأعراف الدستورية . ومن مرتكزات السلطة الأيمان العميق بعدم التساوي في المواطنة.
استطاعت هذه السلطة بأمتطائها متن أفكار حزب البعث العربي الأشتراكي وأستخدام أخطبوط أمني فظيع أن تعبث بكل شرائح الشعب الكردي في سوريا من العائلات الى الحركة السياسية بكل أحزابها ومعظم المنظمات العاملة في إطار القضية الكردية , لها اليد الطولى في ضرب العائلات بعضها ببعض وادخال أقلام مزيفة لتثير حالة الأصطدام هذه بينهم , أقلام مسخرة ليست لها أية غاية سوى إثارة الفتنة والتناحر وخدمة مباشرة وغير مباشرة لأسياد في السلطة , في الوقت الذي استطاعت هذه السلطة بلوغ مداركها العليا في خلق عزل تام ما بين الأحزاب الكردية والشعب , أبعدت هذه الأحزاب عن الشعب أم ابعد الشعب عن هذه الأحزاب تحت شعارات رنانة, مثل عدم أقحام هذا الشعب في صراع غير متوازن مع قوى الأمن الباغية , الى ما هنالك من نداءات نعرفها جميعاً, ومن الجهة الأخرى حالة التمزق التي وصلت إليه تحت تأثير ضغوطات السلطة المباشرة وغير المباشرة , وبرغبة غير مباشرة وربما على مضض , من القيادات الكردية , فعلى سبيل المثال : نظرة خاطفة الى تاريخ الحركة الكردية في العراق وواقعها الأن , في الماضي صراع أدى الى الآلاف من الشهداء جراء قتال الأخوة بسبب مصالح القادة وليست مصلحة الشعب الكردي , أما الأن وحيث أن مصلحة قيادتي الديمقراطي والأتحاد تلاقت جعلتهم جبهة متينة في جنوب كردستان في الأنتخابات الأخيرة , وبالتأكيد سيعود هذا خيرأً على الأمة بأجمعها, أي ما معناه إذا رغبت القيادات وأستطاعت التملص من القوى الخارجية و سيطرة السلطة لأستطاعت تحقيق وحدة أو وحدتين بين الأقسام المشتركة أيديولوجياً على الأقل , لكن الذي يؤلم الشعب الكردي , هو خداعهم الدائم من قبل أحزابهم والتغطية المخزية لهذا الواقع المشتت , والأفظع من هذا أعلائهم بين فترة وأخرى عن نشاطات دبلوماسية لتأسيس مرجعية وطنية ثم سياسية ومن ثم مجلس وطني والأن مجلس سياسي , وكل هذه النشاطات طرحت وبعضها تشكلت وبشكل عملي وعلى ارض الواقع لكنهم عرقلوا بنائها ومن ثم مسيرتها وبتأثير من ضغوطات السلطة مباشرة.
أن المشاكل الداخلية التي حدثت الأن بين الأحزاب الكردية هي واحدة من أفعال السلطة لأبعادها عن قضايا الشعب الأساسية وذلك بألهائها بقضايا داخلية, لا يعني هذا أنني أتهم القادة بالخيانة , بل بالسياسة الخاطئة, والتكتيك الأعوج , وتمتع البعض الأخر بممارسة السياسة بالأساليب الهادئة ومن حالة النعيم والرخاء, فأرجوا ان لا يفهمني أحد بالخطأ, إن أي نضال في وجه سلطة عنصرية ولرد حق مغتصب يحتاج الى تضحيات وربما جسيمه, لم أجد في التاريخ ولن يحدث في المستقبل بان شعب ما حصل وسيحصل على حقة عن طريق الأستجداء والملاطفة والتسول.
لنعد قليلاً الى الوراء وليس ببعيد كيف أن صعود حزبي الأزادي و اليكيتي السريع في سلم النشاط السياسي جوبه بضربات قاسمة أدت الى نزولهم بنفس السرعة الى حالة من الخمود والألتهاء بمشاكل داخلية مؤسفة. نعم اسباب ربما هي مباشرة تحدثَ الجميع في العلن عنها و لكن في الحقيقة اسبابها أعمق بكثير عما كشف عنه , حيث أن أيادي السلطة واضحة في هذه المسيرة , بدءأً الحد من النشاطات الداخلية والخارجية كما حدد نوعية النشاطات نفسها, وقد ادى هذا الى حدوث شرخ مؤذٍ في صفوف الحركتين وأنفصال مجموعات مثقفة وكوادر نشيطة عنهما , الا يتبادر الى الذهن هذا السؤال: لماذا هذا التصدع في هذين الحزبين بالتحديد والتراشق الأعلامي بين أعضاء البارتي وفي هذه الفترة بالذات فترة ما بعد أنتفاضة عام 2004 ؟
خلال البحث في واقع الأحزاب الكردية نتأكد أن هناك خطط وتبادل خبرات سياسية ودبلوماسية دولية أوسع وأعلى من سلطة أسياد الدولة السورية تعبث بمسيرة الحركة الكردية , حيث أن اللقاءات المكوكية ما بين السلطات الثلاث السورية والتركية والأيرانية وبعض العلاقات الدبلوماسية مع قوى أخرى معنية بالمنطقة لهم اليد الطولى في هذا الضعف والتشتت الذي تتمرغ فيه حركتنا الكردية , والواقع المأساوي الذي نعيشه .
خَيارات عديدة توجد أمام الأحزاب الكردية لتعيد ثقة الشعب الكردي بها وثقتها بنفسها ومن ثم القدرة على محاورة السلطة في إعادة النظر في القضية الكردية . منها وأصعبها إيجاد مخرج للخلاص من أملاءات السلطة المباشرة وغير المباشرة , ثم النظر الى القضية الكردية من خارج المنظار الحزبي الضيق والأبتعاد عن الأنانية الحزبية الفردية ولذة القيادة على حساب القضية الأساسية, على القيادات أن تكون صادقة وصريحة مع نفسها ومع الشعب , لهذا فإن إفساح المجال لتوسيع ديمقراطية الفكرة في داخل الحزب في غاية الأهمية, ليس كل من يناقض القيادة في التكتيك يعني خروج عن مسيرة الحزب الاساسية, يجب أن يكون الحزب أوسع بكثير من وجود تكتيك واحد أو شريحة واحدة متما سكة فقط للنضال, وبالتأكيد إعادة النظر في مناهج الحزب ومفهومهم من الأقلية و للأقلية وعن كيان وجود القومية الكردية في سوريا والديمقراطية , ما هي نوعية الدولة التي نرغبها في سوريا ؟ البعض سيقول هذه ليست من واجباتنا , أرى أنها من ضمن واجباتنا, فمن خلالها تتوضح مطالب الشعب الكردي للأخرين , هذه المطالب التي لاتزال ضبابية في كثير من النقاط , كل هذه الأولويات ستبقى ناقصة بدون تفاهم وتقارب عميق بين الأحزاب الكردية ومن ثم تقبلهم للقوى الكردية الأخرى في داخل الوطن وخارجه.
وهناك جانب أخر لا يقل أهمية عما سبق, الا وهو الجانب الأقتصادي , معروف لديناجميعاً ان الأسباب الرئيسية لجميع الحروب في العالم هو الأقتصاد , فكما نعلم أن مراحل التطور الأقتصادي في تاريخ البشرية هي التي ازالت حضارات وأظهرت أخرى و لكنني هنا لست بصدد البحث في هذا المجال العلمي الواسع , بل انني اود ان أبين فقط مدى أهمية البنية الأقتصادية أي الغنى والفقر ودورهما ليس على مستوى الفرد فقط بل وعلى مستوى الحركات السياسية أيضاً, مهما كانت البنية الفكرية أو الأيديولوجية للحركة قوية لن تتمكن من أبراز نفسها على الساحة النضالية بالشكل المطلوب بدون موارد أقتصادية كافية, لذلك فإن تأمين التمويل المادي لفعاليات الحزب- دون أن تكون على حساب القضية- يجب أن تكون من ضمن استراتيجية الحركة, لن تستطيع أية حركة أو منظمة أن تقدم أية فعاليات أونشاطات ذات شأن بدون ركيزة إقتصادية متينة , وكما نلمس ونحس بإن معظم الحركات الكردية في الكردستان الغربية تعاني وبشدة من هذا النقص, لاتملك أية قوى إعلامية ذات شأن لنشر أفكارها ومن خلالها مجابهة العدو ومساندة الصديق لذا نراها تستخدم فعاليات بعض الأفرادعلى الصفحات الألكترونية لنشر بياناتها أو فعالياتها, لهذا نجد أن الأهتمام الكامل بل وضع هذا الجانب في خانة الأولويات من النشاطات الحزبية سيزيل الكثير من الحواجز التي تغرزها السلطة في دروب مسيرتهم , بل وستسهل طرق التهرب من أملائات السلطة نفسها عليهم في الداخل .
كلي أمل أن يفهم طرحي هذا بأنه تحليل ونقد من أجل بناء أفضل وليس للتجريح أو إنقاص من الروح الوطنية لدى الأخر.
الدكتور محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية