الرئيسية » مقالات » نحو إستراتيجية بديلة للنمو الاقتصادي والتنمية المجتمعية

نحو إستراتيجية بديلة للنمو الاقتصادي والتنمية المجتمعية

(رؤية الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)

[ ورقة العمل التي تقدم بها النائب قيس عبد الكريم (أبو ليـلى)
عضو المكتب السـياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسـطين،
رئيس لجنة القضـايا الاجتماعية في المجلـس التشـريعي، إلى
المؤتمر الوطني حول “السياسة الاجتماعية المتكاملة في فلسطين”
المنعقد في رام الله في 9/6/2009 ]


الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تنطلق، في رؤيتها للقضية الاجتماعية، من منظور اشتراكي. وهو منظور علمي ينطوي على الإدراك، بواقعية مرهفة، إن المستقبل الاشتراكي لفلسطين يتطلب أولاً استكمال إنجاز مهام التحرر الوطني الديمقراطي، بما في ذلك مهام التنمية الوطنية المستقلة، وانه ثانياً يرتبط بحدوث تحولات على الصعيدين الإقليمي والدولي تفتح أفقاً لصالح قوى الاشتراكية والتقدم. ولكن هذا لا يعني أن الانتماء الاشتراكي هو مجرد إعلان نوايا لفظي مؤجلة استحقاقاته العملية بانتظار إنجاز هذه التحولات، بل هو يترجم نفسه في الممارسة العملية، في المدى المباشر، بالانحياز إلى الطبقة العاملة وسائر القوى الاجتماعية المضطهدة والمحرومة، على قاعدة الدمج والتداخل بين مهمات النضال الوطني التحرري الهادف إلى الخلاص من الاحتلال ونيل الاستقلال والعودة، وبين برنامج النضال الاجتماعي الديمقراطي الذي يتمحور حول الدفاع عن الحقوق والمصالح الحيوية للطبقة العاملة وسائر القطاعات الاجتماعية المحرومة والمهمشة وبخاصة المرأة والشباب وأبناء الريف والمخيمات.
حتى في ظل الاحتلال المباشر كان هذا التداخل بين البعدين، الوطني والاجتماعي، ملموساً – بصيغة معينة – في خطاب الجبهة وممارستها. وهو بات أكثر بروزاً وراهنية بعد قيام السلطة الفلسطينية التي تولت إدارة الشأن الداخلي، بما في ذلك الاقتصادي – الاجتماعي، في الحدود المعروفة التي تسمح بها الاتفاقيات، وذلك ما أصبح يطرح إمكانية، وبالتالي ضرورة، بلورة سياسة اقتصادية – اجتماعية متكاملة تسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة من التقدم الاجتماعي في ظروف افتقاد السيادة واستمرار الصراع ضد الاحتلال.

المحددات الموضوعية للسياسة الاقتصادية – الاجتماعية:

عند التصدي لهذه المهمة لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:

أولاً: إن سياسة الدمج والإلحاق الاقتصادي التي انتهجتها سلطات الاحتلال طوال عقدين ألحقت دماراً شاملاً ببنية الاقتصاد الوطني ومزقتها إلى أشلاء ترتبط بوشائج عميقة من التبعية مع الاقتصاد الإسرائيلي.
ثانياً: إن الاتفاقيات المبرمة تكرس حالة التبعية هذه، وتفرض قيوداً على صلاحيات السلطة الفلسطينية ليس فقط فيما يتصل بالسيطرة على الأرض والمياه وسائر الموارد الطبيعية، بل كذلك فيما يتعلق بأبرز أدوات السياسة الاقتصادية كالضرائب غير المباشرة والجمارك والسياسات النقدية وغيرها من آليات التحكم بالأداء الاقتصادي.
ثالثاً: إن استمرار الاحتلال وسياساته التوسعية في نهب الأرض وبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري وعزل القدس والأغوار، وإجراءات الحصار والإغلاق والحواجز وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وتقييد حرية الحركة والتنقل، تشكل كوابح ملموسة للنمو الاقتصادي، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار الناجمة عن استمرار الصراع في غياب أفق حقيقي لتسوية سياسية تضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية المعترف بها دولياً.
في ظل هذا الوضع يصبح من الصعب الحديث عن التخطيط لتنمية “شاملة مستدامة”. ذلك أن عنصري الشمول والاستدامة يفترضان الاستقلال والسيادة التي تؤمن القدرة على التحكم بالموارد والسياسات. وهو ما تفتقر إليه الحالة الفلسطينية. ولكن هذا لا ينفي، بل هو بالعكس يؤكد، ضرورة بلورة خطة اقتصادية – اجتماعية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الشروط الموضوعية والخصائص الفريدة التي يتميز بها الوضع الفلسطيني وتسعى إلى توفير مناعة المجتمع إزاء التحديات الناجمة عن استمرار الاحتلال ومواجهة سياساته.
نحن إذن لا نتحدث هنا عن النهج الاقتصادي – الاجتماعي المطلوب اعتماده في ظل دولة الاستقلال والسيادة. فمن المبكر خوض سجال حول أمر لم تتوفر بعد شروطه ولا أحد يستطيع أن يتكهن متى وكيف ستتوفر. نحن نتحدث عن السياسات المطلوبة لتعزيز صمود المجتمع في ظل الواقع القائم بما يفرضه من قيود ومعيقات، وفي سياق استمرار النضال من أجل التحرر والاستقلال. ولكي تكون هذه السياسات واقعية فإن عليها أن تنطلق من حقائق الوضع الراهن باعتبارها معطيات قائمة، وأن تهدف إلى توفير المقومات والشروط لتغييرها وتجاوزها. إن التحرر من قيود الاتفاقيات المجحفة، بما في ذلك اتفاق باريس الاقتصادي سيء الصيت، بل والخلاص من الاحتلال وممارساته المدمرة للاقتصاد الوطني، هي بلا شك أهداف نضالية مشروعة، ولكنها ليست مجرد شعارات تطلق، ولا هي محض قرار ذاتي قابل للتنفيذ بمجرد إعلانه، بل هي أهداف كفاحية يتوقف إنجازها على إحراز تغيير ملموس في موازين القوى بين الشعب المقاوم وبين الاحتلال. وأحد أبرز عناصر هذا التغيير في ميزان القوى هو تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني لمواجهة تحديات المجابهة المتواصلة مع الاحتلال واستمرار النضال من أجل التحرر الوطني. وهذا هو ما ينبغي أن تسعى إليه السياسة الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة الراهنة.
هذه السياسة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أن الحقائق الثلاث المشار إليها أعلاه (التدمير الاحتلالي للبنية الأساسية للاقتصاد الوطني، القيود المجحفة التي تفرضها الاتفاقيات الموقعة، السياسات الإسرائيلية التوسعية والقمعية وحالة عدم الاستقرار الناجمة عن استمرار الصراع) هي معطيات قائمة يفرضها واقع وجود الاحتلال واستمرار النضال الهادف للخلاص منه. وهي بالتالي، في المدى المباشر، محددات مفترضة لأية سياسة واقعية. ولكن إلى جانب هذه الحقائق الثلاث ثمة عوامل مؤثرة هي، على الأرجح، نتائج لسوء الأداء الفلسطيني، وهي بالتالي قابلة للتصحيح، حتى في ظل المحددات المعطاة، إذا ما تم تصويب السياسات الخاطئة التي قادت إليها، وهو ما ينبغي أن يكون عنصراً أصيلاً في أية إستراتيجية بديلة. من بين هذه العوامل نبرز، بشكل خاص، العاملين التاليين:
الأول هو التفاقم المضطرد للاعتماد على العون الخارجي وعلى المساعدات المالية المقدمة من الدول المانحة. بينما كانت الإيرادات المحلية (بما فيها إيرادات المقاصة) في عام 1999 كافية لتغطية النفقات الجارية بشكل كامل ووجهت مساعدات المانحين حصراً للموازنة التطويرية، فقد بلغت نسبة العجز في الميزان الجاري 49% في موازنة عام 2008، وأكثر من 41% في موازنة عام 2009. وإذا كانت الإجراءات الإسرائيلية (من حصار وإغلاق ومنع تجول وحواجز وتقييد لحرية الحركة والتنقل)، والتي تفاقمت بشكل ملموس بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، قد شكلت السبب الرئيسي في هذا التدهور، فقد لعبت دوراً لا يقل أهمية السياسات الحكومية التي تعمدت إحداث زيادات كبيرة في الإنفاق العام على افتراض أن هذا سيساعد على حفز الاستثمار الخاص وبالتالي النمو الاقتصادي. إن المستوى المخيف الذي بلغه الارتهان للعون الخارجي، بات يملي تغييراً جوهرياً في السياسات المالية يجعل من التقليص التدريجي للاعتماد على العون الخارجي أولوية بارزة من أولويات الخطة الاقتصادية – الاجتماعية البديلة المطلوبة.
العامل الثاني: هو الانقسام الكارثي الذي بلغ ذروته باستيلاء حماس بالقوة المسلحة على السلطة في قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من انفصال سياسي ومؤسسي بين جناحي الوطن (غزة والضفة الفلسطينية). هذا الواقع الانفصالي يشكل، من نواح عدة، عقبة كأداء في طريق النهوض بالوضع الاقتصادي – الاجتماعي. فهو من جهة يسهم في تشديد الحصار الخانق على قطاع غزة وما يقود إليه من انهيار اقتصادي شامل ومعاناة إنسانية تفوق الوصف بلغت ذروتها في أعقاب عدوان الرصاص المصهور وما ألحقه من دمار شامل يفرض مهمة إعادة الإعمار في غزة على رأس سلم الأولويات في أية خطة اقتصادية – اجتماعية شاملة. ومن جهة أخرى فإن هذا الواقع الانفصالي أدى إلى شلل واسع في الإدارات الحكومية في قطاع غزة وتراجع ملموس في ما تقدمه من خدمات أساسية بالرغم من استمرار الإنفاق عليها من الموازنة العامة للسلطة بنفس الوتيرة السابقة التي تلتهم أكثر من نصف مجموع الإنفاق العام. وفي مثل هذا الوضع يصبح من الصعب ترشيد الإنفاق بما ينسجم مع ضرورة تحسين مستوى ونوعية الخدمات الحكومية، كما يصبح من الصعب، بوجه عام، وضع وتنفيذ إستراتيجية وطنية موحدة للتطوير الاقتصادي والاجتماعي.إن هذا يجعل العمل من أجل إنهاء الانقسام ضرورة لا بد منها من أجل دفع مسيرة النهوض الاقتصادي والاجتماعي.

السمات الأساسية للإستراتيجية البديلة:

في ظل هذه الصعوبات والعوامل المجافية، ما هي العناصر التي لا بد أن تتوفر في أية خطة اقتصادية – اجتماعية كي تكون واقعية وكي تنسجم مع الحاجات الفعلية للمجتمع الفلسطيني في آن؟
أولاً: لا بد أن ترتبط هذه الخطة، بآلياتها وأهدافها، ارتباطاً وثيقاً بمتطلبات النضال الوطني التحرري الهادف إلى الخلاص من الاحتلال ونيل الاستقلال والسيادة. إن هدفها الرئيسي هو توفير مقومات الصمود للمجتمع في معركة الاستقلال الوطني.
ثانياً: لا بد أن تكون هذه الخطة، كي تصبح قابلة للتنفيذ في الواقع الفلسطيني، حصيلة توافق وطني شامل يقوم على أساس المشاركة الفاعلة في صوغ أهدافها وآلياتها من قبل كل القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة، من أحزاب ونقابات ومؤسسات شبابية ونسائية وأكاديمية وأهلية الخ..
ثالثاً: لا بد أن تضمن الخطة تطبيقاً خلاقاً، بالفعل لا بالقول فقط، لمبدأ التكامل بين السياسات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية. فأهداف التنمية الاجتماعية لا يمكن تحقيقها على نحو مستدام بدون الموارد التي يؤمنها النمو الاقتصادي، والنمو الاقتصادي يصبح بلا مغزى ما لم يهدف إلى الارتقاء بمستوى حياة المواطنين في مختلف المجالات.
رابعاً: لا بد أن تستلهم الخطة القيم الديمقراطية والعلمانية التي تكرسها وثيقة إعلان الاستقلال والقانون الأساسي، وأن تعتمد مبادئ الشفافية والمساءلة، واحترام حقوق الإنسان والفصل بين الدين والسياسة والمساواة بين المرأة والرجل، والتطبيق الدقيق لمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة في توزيع ثمار التنمية.

الخلل الجوهري في السياسات الاقتصادية المعتمدة:

الأولوية القصوى التي ينبغي أن تستهدفها هذه الخطة هي وقف التدهور في الوضع الاقتصادي الذي بلغ في السنوات الأخيرة وتائر مفزعة لعل أكثر المؤشرات دقة في التعبير عنها التراجع الخطير في معدل حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الذي تردى (عام 2007) إلى 73% مما كان عليه عام 1999. من المؤكد أن إجراءات الاحتلال وسياساته الاستيطانية والقمعية كانت، وما تزال، هي العامل الذي أدى إلى هذا الانهيار في بنية الاقتصاد الوطني. ولكن السؤال هو: هل كانت السياسات الاقتصادية المتبعة مصممة بحيث تعزز مناعة الاقتصاد وتدعم مقومات صموده إزاء تحديات الحرب التي يشنها الاحتلال ضد شعبنا؟

والجواب للأسف أن السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، و “خطط التنمية” التي اعتمدتها، كانت تنطلق من افتراضات وهمية تتجاهل وقائع الصراع ضد الاحتلال وتهمل ابتكار السبل التي تمكن من درء آثاره المدمرة على بنية الاقتصاد وتمكينه من مواصلة النمو بالرغم منها. التقرير الهام الذي أعده فريق من وزارة التخطيط وخبراء الأسكوا حول “السياسة الاجتماعية المتكاملة في فلسطين” يشخص، برؤية نقدية دقيقة، الثغرات التي تعاني منها هذه الخطط من حيث افتقارها إلى المنهجية والشمول والتكامل والتناغم بين السياسات وبينها وبين الأهداف المعلنة. كما هو يرصد التقدم المنهجي الذي أحرز على هذا الصعيد وصولاً إلى خطة الإصلاح والتنمية للأعوام 2008 – 2010 التي هي لا شك الأكثر نضجاً من حيث تكامل وشمولية أهدافها وسياساتها وانسجامها مع السياسات المالية المعتمدة في موازنتي العامين 2008 و 2009.
ولكننا نود هنا أن نفحص مدى واقعية المضمون الاستراتيجي الجوهري لهذه الخطة، كما لسابقاتها، وهو، كما يلخصه بدقة خطاب الموازنة لعام 2009: “الاعتماد على الدور الريادي للقطاع الخاص لتحقيق التنمية المستدامة”. وتوضح التجربة الملموسة للسنتين المنصرمتين مدى عقم هذه الإستراتيجية وعجزها عن أحداث انطلاقة اقتصادية حقيقية في ظروف استمرار الصراع والقيود والإجراءات التي يفرضها الاحتلال.
خلال هاتين السنتين توفرت العديد من العوامل المؤاتية لممارسة هذا الخيار. فإلى جانب الانفراج السياسي والأمني النسبي الذي صاحب عملية أنابوليس والتهدئة التي نفذت في غزة خلال معظم عام 2008، استأنفت إسرائيل دفع إيرادات المقاصة بانتظام، بما في ذلك الإفراج عن المستحقات المجمدة منذ عام 2006، وتدفقت المساعدات الخارجية بوتائر فاقت السقف الذي طالبت به السلطة في مؤتمر باريس أواخر 2007 (في هذا المؤتمر تعهد المانحون بمبلغ 1,2 مليار دولار لدعم موازنة السلطة لعام 2008، وطالبت السلطة بزيادة هذا المبلغ إلى 1,634 مليار لسد كامل عجز الموازنة، وبلغت الأموال التي تدفقت فعلاً لدعم الموازنة خلال ذلك العام 1,763 مليار دولار).
عملت السياسة المالية على توظيف هذا التدفق الاستثنائي من المساعدات الخارجية من أجل أحداث زيادة قوية ومتعمدة في الطلب المحلي على افتراض أن هذا سوف يوفر البيئة الملائمة لحفز القطاع الخاص على زيادة حجم الاستثمار وإطلاق عجلة النمو الاقتصادي. ووفقاً لهذا التوجه اقتصر الدور التطويري للقطاع العام على مشاريع البنية التحتية الأكبر حجماً، والمعتمدة بكاملها على التمويل الخارجي من الدول المانحة، وعلى توفير الأمن، والاستثمار في الرأسمال البشري (التعليم والتدريب المهني والصحة). ولكن هذه السياسة أخفقت في تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة تواصلت فيها القيود الإسرائيلية على حرية الحركة والتنقل وإجراءات الحصار والإغلاق. أما الخطة التطويرية القائمة على مشاريع البنية التحتية الكبيرة فقد تعثر تنفيذها بفعل القيود والعراقيل الإسرائيلية [من مجموع 492 مليون دولار رصدت للموازنة التطويرية عام 2008، معظمها لمشاريع البنية التحتية، لم يزد الإنفاق الحقيقي على هذه المشاريع عن 190 مليون دولار أي بنسبة 38,6%].
وهكذا فإن التوسع في الطلب المحلي قاد عملياً إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري وزيادة انكشاف الاقتصاد الفلسطيني للخارج وبخاصة تعميق تبعيته للسوق الإسرائيلية. فقد تفاقم العجز في الميزان التجاري بنسبة 12,7% بين عامي 2005 و 2007، وازدادت نسبة هذا العجز إلى الناتج المحلي الاجمالي من 51,1% عام 2005 إلى 57,9% عام 2007. ولعبت زيادة حجم الاستيراد من الخارج دوراً رئيسياً في هذه العملية، حيث ازدادت قيمة الواردات بين عامي 2005 و 2007 بنسبة 17,8%. وارتفعت نسبة قيمة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي من 58,5% عام 2005 إلى 69,3% عام 2007. وشكلت إسرائيل المصدر الرئيسي للزيادة في الواردات حيث ارتفعت قيمة الواردات من إسرائيل بنسبة 23,2% من 1873 مليون دولار تشكل 70,2% من إجمالي قيمة الواردات و 41% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2005 إلى 2308 مليون دولار تشكل 73,5% من إجمالي قيمة الواردات و 51% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2007. ورغم أن أرقام التجارة الخارجية لعام 2008 ليست متوفرة بعد، فإن بعض المؤشرات تؤكد استمرار المنحى نفسه خلال هذا العام، منها مثلاً أن نسبة ضريبة القيمة المضافة على الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي قد ازدادت من 9,9% عام 2007 إلى 12,1% عام 2008.
في المقابل كانت نسبة النمو الاقتصادي لعام 2008 زهيدة في الضفة الغربية وسلبية على مستوى الاقتصاد الوطني ككل، حيث لم تتجاوز نسبة الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي 2% بينما شهد معدل حصة الفرد من الناتج المحلي تراجعاً بنسبة 1% بعد احتساب النمو السكاني. [قارن هذا بالتوقعات المتفائلة التي بشر بها خطاب الموازنة لعام 2008 بتحقيق نمو حقيقي بنسبة 3,5% وزيادة في معدل الدخل الفردي بنسبة 1,5%]. وخلال الفترة نفسها ارتفعت نسبة البطالة من 21,5% عام 2007 إلى 26% عام 2008، ولم يقتصر هذا الارتفاع على قطاع غزة حيث بلغت البطالة أرقاماً فلكية تصل إلى حوالي 48%، بل كذلك شهدت الضفة الغربية زيادة في نسبة البطالة من 17,7% عام 2007 إلى 19% عام 2008. وشهدت الفترة نفسها موجة حادة من ارتفاع الأسعار يؤشر إليها ارتفاع الرقم القياسي السنوي لأسعار المستهلك (سنة الأساس 2004 = 100) من 108,11 عام 2006 إلى 110,12 عام 2007 وصولاً إلى 121,01 عام 2008 أي بنسبة ارتفاع قدرها حوالي 10% خلال العام الأخير.
يعترف خطاب الموازنة لعام 2009 بأن إستراتيجية الاعتماد على القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي قد فشلت في إخراج الاقتصاد من حالة الركود، وأن “هنالك حاجة لوضع إستراتيجية إنعاش اقتصادي بديلة تكون أقل عرضة لتأثيرات القيود الإسرائيلية”، وأن على السلطة (أي: القطاع العام) “أن تتصدر هذه العملية بدلاً من القطاع الخاص”. وانسجاماً مع هذا التقييم الدقيق تضمنت موازنة 2009 تصويباً جزئياً للسياسة المعتمدة، على الأقل فيما يتعلق بخطة الإنفاق التطويري، باتجاه التركيز على ما أسمته “بالمشاريع المجتمعية” أي المشاريع الصغيرة القابلة للتنفيذ بالرغم من إجراءات وقيود الاحتلال مع إعطاء الأولوية للتجمعات السكنية المهمشة أو المتضررة من الاستيطان والجدار.
هذا التصويب هام ولكنه ليس كافياً. فهو أولاً تصويب جزئي لا يشمل كافة مكونات السياسة الاقتصادية في خطة متكاملة بديلة. وهو ثانياً انتقالي ومؤقت حيث يوضح خطاب الموازنة لعام 2009 أنه – رغم آثاره الايجابية الملموسة في إنعاش الاقتصاد – لا ينطوي على تغيير دائم في النهج الاقتصادي بل هو انعطافه مؤقتة تطلبتها الضرورة الملحة لفترة وجيزة لكونها تتعارض “من حيث الشكل والمضمون مع التوجه الاقتصادي المعتمد من السلطة الوطنية والقائم على أساس الاعتماد على الدور الريادي للقطاع الخاص”. وهكذا فإن هذا “التوجه الاقتصادي المعتمد” يبدو أكثر فأكثر باعتباره خياراً أيديولوجياً مقرراً سلفاً يجري التمسك به رغم أن تناقضه مع حقائق وإمكانات الواقع الفلسطيني يجعل منه عقيماً تماماً.

أهداف ووسائل السياسة الاقتصادية البديلة:

نحن إذن بحاجة إلى مراجعة شاملة لهذا التوجه، وإلى تبني إستراتيجية بديلة تقوم على حشد الموارد المتاحة وتركيزها نحو حفز النمو الاقتصادي الهادف إلى معالجة ملموسة لمشكلتي الفقر والبطالة. ويمكن لكل من القطاعين العام والخاص أن يلعبا دوراً في هذه العملية على قاعدة التكامل ووفقاً لما تتطلبه الحاجة العملية دون تفضيلات أيديولوجية مسبقة. ولكن المحور الرئيسي لهذه العملية يجب أن ينصب على دعم وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة كثيفة العمل والتي يوفر لها التصاقها الحميم بموارد وحاجات المجتمع المحلي حماية كافية من الأثر التدميري للقيود والإجراءات الإسرائيلية، المشاريع التي تعتمد على مصادر الإنتاج المحلية من يد عاملة ومواد أولية وتتوجه نحو إشباع حاجات المجتمع المحلي. إن تركيز توجه الموازنة التطويرية للسلطة نحو تنفيذ شبكة من مشاريع البنية التحتية الصغيرة من هذا النمط (ما يسميه خطاب الموازنة بالمشاريع “المجتمعية”) هو محور من محاور هذه الإستراتيجية البديلة ينبغي الاستمرار فيه وتعميمه، ولكن إلى جانب ذلك ينبغي تشجيع إنشاء شبكة واسعة من المشاريع الصغيرة المنتجة للسلع والخدمات التي تعتمد على التشغيل المكثف لليد العاملة المحلية وعلى استخدام المواد الأولية المتوفرة محلياً والتي تتوجه لتلبية حاجات المجتمع المحلي، مع الاهتمام بشكل خاص بالتعاونيات الإنتاجية، و/أو التعاونيات الإنتاجية – الاستهلاكية المزدوجة التي توفر ميزة توحيد المصلحة بين المنتج والمستهلك.
واضح أن معدل الإنتاجية لهذه المشاريع، وبالتالي قدرتها التنافسية في سوق مفتوحة، ستكون متدنية، ولذلك فهي بحاجة أولاً إلى دعم متواصل عبر منظومة متكاملة من آليات المساعدة الحكومية (Subsidies)، وأنظمة الإقراض الصغير الميسر، والإقراض متناهي الصغر، والإعفاءات الضريبية. ويمكن توفير الموارد لذلك، جزئياً على الأقل، عبر تعديل أوسع لأولويات الموازنة التطويرية ولإتجاهات توظيف العون الخارجي المخصص للتنمية، وكذلك عبر ربط الإغاثة بالتنمية، أي استخدام الموارد المتاحة لبرامج الإغاثة والحماية الاجتماعية لتشجيع المستفيدين منها على الانخراط في مشاريع مدرة للدخل، واستئناف برنامج التشغيل الطارئ وتوظيفه كواحد من منظومة حوافز لتشجيع الاستثمار الخاص.
وهي ثانياً بحاجة إلى توفير سبل الحماية من المنافسة الأجنبية، وبخاصة الإسرائيلية. إن جانباً من آليات الحماية هذه يمكن ويجب أن توفره السلطة. وإذا كان هذا الجانب جزئياً ومحدوداً، بفعل القيود التي تفرضها الاتفاقيات على صلاحياتها وافتقارها للسيطرة على الحدود والمعابر، فإنه يمكن ويجب أن يستكمل بإعادة تنشيط الحركة المجتمعية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية وإعادة تفعيل الآليات الكفيلة بتحويلها إلى جزء عضوي من منظومة القيم الاجتماعية السائدة.
لا بد من التأكيد أن إدامة النمو للإنتاج الوطني، بالآليات المشار إليها أعلاه، هي التي سوف تتيح التقليص التدريجي للاعتماد على المساعدات الخارجية الذي هو هدف رئيسي من أهداف السياسة الاقتصادية البديلة.
هذه الإستراتيجية البديلة تهدف إلى حفز النمو الاقتصادي ليس كهدف قائم بذاته، بل بالارتباط مع أولوية الحد من معدل البطالة، والتخفيف من نسبة الفقر التي بلغت مستويات مفزعة. ويمكن تحقيق ذلك عبر استهداف نسبة زيادة واقعية ولكن مستدامة في متوسط دخل الفرد، على أن يتكامل ذلك مع سياسة اجتماعية تكفل التوزيع العادل لثمار النمو الاقتصادي وتكثيف الاستثمار في الرأسمال البشري، بما يراعي الأولوية للمناطق والقطاعات الاجتماعية المحرومة والمهمشة والأكثر تضرراً من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي.
إلى جانب التركيز على إعادة اعمار غزة، فإن الأولوية القصوى يجب أن تعطى للمناطق التي يعزلها الجدار بهدف توفير مقومات الصمود لسكانها لتمكينهم من الثبات على أرضهم وإحباط محاولات دفعهم إلى الهجرة. كذلك هو الأمر بالنسبة لسائر المناطق المنكوبة بالجدار والمتضررة أو المهددة بالتوسع الاستيطاني، وبخاصة القدس ومناطق الأغوار. ويجب أن تحتل عملية تطوير البنى التحتية لمناطق الريف المهمشة، بما في ذلك استصلاح الأراضي وتوفير أنظمة الري، وتشجيع الإنتاج الزراعي والمشاريع المكملة له والمولدة لفرص العمل، فضلاً عن الخدمات التعليمية والصحية، موقعاً رئيسياً في سلم أولويات خطة التنمية.

إعادة النظر بأولويات الموازنة العامة:

إن تعزيز مناعة المجتمع وقدرته على الصمود في مواجهة سياسات الاحتلال وتحديات الصراع من أجل الاستقلال الوطني، يتطلب تكاملاً وثيقاً بين السياسات الهادفة إلى حفز النمو الاقتصادي وبين السياسات الاجتماعية الهادفة إلى تكثيف الاستثمار في الرأسمال البشري، بما يعني بالدرجة الأولى تحسين مستوى التعليم والتأهيل المهني والخدمات الصحية، وإلى التوزيع العادل لعوائد النمو الاقتصادي وتقليص الفوارق بين الطبقات.
إن المدخل لتوفير أدوات التنفيذ لهذه السياسة الاجتماعية هو إعادة النظر في بنية الموازنة العامة وتصويب أولوياتها. فلا يمكن الحديث بجدية عن الاستثمار في الرأسمال البشري والتنمية الاجتماعية عندما تكون مخصصات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية مجتمعة (بما في ذلك رعاية الأسرى وأسر الشهداء) لا تزيد كثيراً عن 40% من الموازنة الجارية بينما تلتهم قطاعات الأمن والإدارة العامة أكثر من نصف مخصصاتها. وحتى إذا نظرنا إلى الموازنة التطويرية لعام 2009 (وهي أكثر توازناً بكثير من موازنات الأعوام السابقة) نجد أن قطاع الأمن والإدارة العامة ما يزال يحتل 22,4% من الموازنة التطويرية بينما تحتل قطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية مجتمعة ما يوازي 23,7% ويذهب الباقي لقطاعات الاقتصاد (14%) والبنية التحتية (34%) مع ملاحظة أن حصة الزراعة من مخصصات التطوير لا تزيد على 2,9%.
يجري عادة تبرير هذا الخلل في بنية الموازنة العامة بأن الحجم الأكبر من الإنفاق على قطاعات الأمن والإدارة العامة يذهب لتغطية الرواتب والأجور في سياق توجه من جانب السلطة للحد من وطأة البطالة، وان الدعوة إلى خفض موازنات هذه القطاعات ستؤدي إلى قذف عشرات الآلاف للالتحاق بجيش العاطلين عن العمل. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يتم التمسك باستخدام هؤلاء في القطاع الأمني، أو في الادارات غير المنتجة حيث يمارسون البطالة المقنعة، بينما تعاني العديد من مرافق التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية من شحة اليد العاملة بما في ذلك اليد العاملة غير الماهرة. ولماذا لا يتم إعادة تأهيل هؤلاء بصورة تمكن من تعزيز الإدارات الحكومية المعنية بتقديم الخدمات الأساسية للجمهور. إن المطالبة بإعادة النظر في أولويات الموازنة لصالح خدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية هي دعوة لإعادة توزيع مراكز الثقل في الوظيفة العمومية لصالح الوزارات والدوائر التي تعني بهذه الخدمات والتي تعاني العديد منها من شحة شديدة في اليد العاملة، ولوضع وتنفيذ ما يتطلبه ذلك من برامج لإعادة تأهيل الموظفين بما يمكن من إعادة توزيعهم وفقاً للأولويات المطلوبة.

أولويات السياسة الاجتماعية البديلة:

إن المبدأ الموجه للسياسة الاجتماعية وهدفها هو تعزيز التضامن والتكافل الاجتماعي وردم الفجوات (المادية والحضارية) في بنية المجتمع من أجل توطيد وحدته وتماسكه في مواجهة الاحتلال وتحديات معركة الاستقلال الوطني. إن هذا يتطلب التصدي للأولويات التالية:
1) رعاية الفئات الأكثر تضرراً من الاحتلال الإسرائيلي وبخاصة أسر الشهداء والأسرى والجرحى، وضمان حقهم في الحياة الكريمة وتأمين التأهيل المهني وفرص العمل، والاهتمام بالأسرى المحررين وإعادة تأهيلهم وتأمين حقهم في التعليم والعمل، والعناية بالمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة بتأمين العلاج والتأهيل الضروريين وتطبيق القانون بشأن تأمين فرص عمل مضمونة لهم في مؤسسات القطاع العام والخاص.
2) حماية مصالح العمال وصغار الموظفين وحقهم في أجر لائق يتناسب مع مستوى تكاليف المعيشة وفي الضمان الاجتماعي والصحي الشامل لهم ولعائلاتهم وذلك من خلال:
أ- تطوير قانون العمل لصالح توفير ضمانات أكثر فعالية لحقوق العاملين وضمان التطبيق الفعلي للقانون من خلال إنشاء الأدوات الكفيلة بتنفيذه وبخاصة جهاز فعال للتفتيش الصناعي ومحاكم مختصة بنزاعات العمل، وإقرار نظام الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع مستوى تكاليف المعيشة.
ب- إنشاء نظام شامل للضمان الاجتماعي والصحي يغطي جميع فئات العمال وكافة مجالات التأمين ضد العجز والمرض والشيخوخة وإصابات العمل والبطالة، وذلك من خلال صندوق وطني يخضع لإدارة عمالية منتخبة.
[ قد يتبادر إلى الذهن، فور طرح هذا المطلب، التساؤل حول كيف، ومن أين، يمكن أن يتم تمويل هذا النظام الطموح. ونحن هنا نعيد إلى الأذهان أن اتفاقيات أوسلو ألزمت الحكومة الإسرائيلية بأن تعيد إلى السلطة الفلسطينية جميع المبالغ التي استقطعت من أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل تحت عنوان أقساط ما يسمى “التأمين الوطني” وهي مبالغ طائلة تصل إلى مليارات الدولارات. ومعروف أن الشرط الذي تحدده الاتفاقيات لتنفيذ هذا الالتزام هو أن تقيم السلطة نظاماً شاملاً للتأمين الاجتماعي تذهب إليه هذه الأموال. والسؤال هو: لماذا لا يتم إقامة هذا النظام ومطالبة إسرائيل بالوفاء بالتزامها الذي هو لوحده كفيل بتأمين التمويل الكافي للمشروع إلى جانب اشتراكات العمال وأرباب العمل في المشاريع الوطنية؟ إن الخطوة الصغيرة التي تحققت على هذا الطريق بإقرار المجلس التشريعي قانون التأمينات الاجتماعية رقم (3) لسنة 2003، رغم ما انطوى عليه من ثغرات وافتقاره إلى الشمول وإلى آليات التنفيذ، سرعان ما تم التراجع عنها، بدلاً من استكمالها وتطويرها، وذلك بإصدار القرار الرئاسي بقانون بشأن إلغاء قانون التأمينات الاجتماعية والمؤرخ في 23/8/2007 وذلك بحجة شمول موظفي وعمال القطاع الخاص بقانون التقاعد العام المعدل وهو أمر يعلم الجميع أنه نظري وغير قابل للتطبيق. ]
ج- تنفيذ قانون الخدمة المدنية لضمان حقوق الموظفين بعيداً عن المحاباة والمحسوبية، واحترام مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين في الوظيفة العمومية بمعزل عن الانتماء السياسي، وإلغاء نظام المسح الأمني المنافي للقانون والذي يربط حق المواطن في التوظيف بحصوله على توصية من أجهزة أمنية.
د- توحيد أنظمة التقاعد للموظفين المدنيين والعسكريين المتقاعدين وتأمين الدعم المالي اللازم لتطبيق نظام تقاعدي موحد يحفظ حق هذه الفئة من المواطنين في الحياة الكريمة.
هـ- حماية حق العمال والموظفين في حرية التنظيم والعمل النقابي وفي استخدام كافة وسائل النضال النقابي للدفاع عن مصالحهم بما في ذلك الإضراب، وإلغاء القيود التعجيزية المفروضة لتقييد هذا الحق أو إفراغه من مضمونه، بما في ذلك إلغاء القرار الرئاسي بقانون بشأن تنظيم ممارسة حق الاضراب في الخدمة المدنية الصادر بتاريخ 5/4/2008.
3) توحيد برامج الرعاية والحماية الاجتماعية وفق قاعدة بيانات موحدة وصندوق تمويل موحد تشارك في إدارته القوى السياسية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني ويعمل وفق توجه يجمع بين التدخل الاغاثي لخفض معدلات الفقر والتخفيف من معاناة الشرائح المعدمة وبين أفق تنموي يشجع انخراط المستفيدين في مشاريع تدر دخلاً مستداماً.
4) تمكين المرأة من نيل حقها في الحرية والمساواة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتطوير مشاركتها في الشأن السياسي وفي مؤسسات صنع القرار:
أ- تنقية التشريعات الفلسطينية من كافة أشكال الإجحاف والتمييز بحق المرأة تنفيذاً للمرسوم الرئاسي بالمصادقة على الاتفاقية الدولية لإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، وسن قوانين عصرية للأسرة والأحوال الشخصية تحفظ حقوق المرأة وتضمن لها المساواة مع الرجل.
ب- تشجيع انخراط النساء في النشاط الاقتصادي والحث على زيادة نسبة مشاركة المرأة في قوة العمل، وتأمين التدريب والتأهيل والإعداد المهني اللازم، وحماية حقوق المرأة العاملة في الأجر المتساوي للعمل المتساوي ورعاية الأمهات العاملات وحمايتهن من الفصل التعسفي.
ج- تطوير القوانين والنظم الانتخابية وفق مبدأ التمييز الايجابي لصالح تعزيز مشاركة المرأة في المجالس البلدية والقروية والنقابية والتشريعية وسائر مؤسسات صنع القرار السياسي والاقتصادي.
د- تطوير نظم ومرافق حماية النساء من العنف والعسف والتحرش الجنسي وإصدار التشريعات التي تجرم العنف ضد المرأة وتشديد العقوبات على ما يسمى “بجرائم الشرف”.
5) تحسين مستوى الحياة في المخيمات، والضغط على وكالة الغوث من أجل تطوير خدماتها في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والتصدي للسياسات الهادفة إلى تقليص هذه الخدمات، واستكمال هذه الخدمات من قبل السلطة وبخاصة في مجالات البنية التحتية والخدمات البلدية مع صون المكانة الخاصة للمخيم كرمز للتمسك بحق اللاجئين في العودة.
6) تحسين نوعية التعليم بكل مستوياته باعتباره المحور الرئيسي في عملية التنمية البشرية والمجتمعية:
أ- وضع برنامج مجدول زمنياً لتصفية ظاهرة الأمية وتوفير كل المستلزمات الضرورية لتنفيذ هذا البرنامج ضمن السقف الزمني المحدد.
ب- معالجة النقص الفادح في مرافق التعليم ما قبل الابتدائي كالحضانات ورياض الأطفال.
ج- تطوير البنية التحتية الأساسية لمرافق التعليم الأساسي والثانوي بما يكفل خفض كثافة التلاميذ في الغرف الصفية، وتأمين المختبرات والحواسيب والمرافق الرياضية ومستلزمات النشاط الفني والثقافي، وتوفير العدد الكافي من المعلمين، والاهتمام بمكافحة ظاهرة التسرب من المدارس على طريق جعل التعليم الزامياً حتى نهاية المرحلة الثانوية.
د- تطوير إمكانيات الجامعات الحكومية والعامة، وزيادة الدعم الحكومي للجامعات الأهلية، وإنشاء نظام للمشاركة المجتمعية في تمويل التعليم العالي بهدف خفض اكلافه بالنسبة للطلبة وإقامة صندوق وطني لدعم الطالب الجامعي تتوحد في إطاره كافة أنظمة الإقراض والمساعدة والمنح الجامعية بهدف توحيد معاييرها على أساس مبدأ تكافؤ الفرص وفقاً لمستوى الجدارة والتفوق ودرجة الحاجة المادية.
هـ- إعادة النظر في بنية التعليم الثانوي والمهني والجامعي بما يتلاءم مع متطلبات الخطة التنموية واحتياجات سوق العمل.
و- زيادة المخصصات لتشجيع الدراسات العليا والبحث العلمي والتخصص الأكاديمي.
7) تمكين الشباب وضمان حقوقهم الأساسية في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، وتوفير المستلزمات الضرورية لتطوير مواهبهم وقدراتهم في المجالات الرياضية والثقافية والفنية والأدبية وتأهيلهم مهنياً، ومكافحة ظاهرة بطالة الخريجين، وإصلاح النظم الانتخابية لتوسيع دائرة مشاركة الشباب في المؤسسات المنتخبة ومؤسسات صنع القرار على مختلف المستويات.

عند التصدي لهذه الأولويات لا بد من إبراز عنصرين أساسيين لا يمكن بدونهما للسياسة الاجتماعية أن تحقق هدفها في تعزيز وحدة وتماسك المجتمع وتوطيد التضامن والتكافل الاجتماعي:
أولهما: أن الدور الواسع الذي يلعبه القطاع العام في هذه الإستراتيجية المقترحة يضاعف الحاجة إلى تجذير وتعميم ثقافة النزاهة وتطوير آليات فعالة لمكافحة الفساد، وبخاصة مكافحة ظواهر المحاباة والواسطة والمحسوبية، وتعزيز مبدأ الشفافية وحرية الوصول إلى المعلومات، وتطوير آليات المساءلة والرقابة الشعبية والبرلمانية على السلطة التنفيذية. وهذا يتطلب تفعيل قانون الكسب غير المشروع وسائر آليات الخطة الوطنية لمكافحة الفساد.
والثاني: أن المشاركة الشعبية الواسعة في صوغ أهداف وآليات هذه الإستراتيجية، والتي لا بد منها كي تحظى بالتوافق الوطني الشامل، تتطلب تعميق قيم وممارسات الديمقراطية في النظام السياسي وفي حياة المجتمع، واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، ونشر ثقافة الحوار والتسامح وقبول الرأي الآخر، ونبذ التعصب والاحتكام إلى العنف في حل الخلافات بين أبناء الشعب الواحد، وتعزيز روح الوفاق والوحدة الوطنية في مواجهة المحتل.