الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي المدمر الحلقة 9 / 17

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي المدمر الحلقة 9 / 17

مجلس الأمن يصدر قرار الحرب رقم 678
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1990، انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى مجلس الأمن، بعد تحرك مكثف لوزير الخارجية الأمريكية [جيمس بيكر] لإقناع أعضاء مجلس الأمن بإصدار قرار يخول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين استخدام كل الوسائل الضرورية، بما فيها القوة العسكرية، لتنفيذ قرار المجلس رقم 660 القاضي بإخراج القوات العراقية من الكويت.
لقد استطاع بيكر أن يقنع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ومن بينهم الاتحاد السوفيتي، بالموافقة على مشروع القرار رقم 678 في 29 تشرين الثاني 1990 وضمنت الولايات المتحدة امتناع الصين عن التصويت، ولم يعترض على مشروع القرار سوى اليمن وكوبا، وهذا نص القرار:

قرار رقم 678 ـ 29 تشرين الأول1990
إن مجلس الأمن :
إذ يشير إلى ، ويعيد تأكيد قراراته 660 ، 661 ، 662 ،664 ، 665، 666، 667 669 ، 670 ، 674 ، 6777 ، لعام 1990 .
وإذ يلاحظ ، رغم كل ما تبذله الأمم المتحدة من جهود، أن العراق يرفض الوفاء بالتزامه بتنفيذ القرار 660، والقرارات اللاحقة، ذات الصلة المشار إليها أعلاه، مستخفاً بمجلس الأمن، استخفافاً صارخاً.
وإذ يضع في اعتباره واجباته ومسؤولياته المقررة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، تجاه صيانة السلم والأمن الدوليين وحفظهما.
وتصميماً منه على تامين الامتثال التام لقراراته.
وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من الميثاق:
1 ـ يطالب أن يمتثل العراق امتثالاً تاماً للقرار 660 (1990 )، وجميع القرارات اللاحقة، ذات الصلة، ويقرر في الوقت الذي يتمسك بقراراته، أن يمنح العراق فرصة أخيرة، كلفتة تنم عن حسن النية للقيام بذلك.
2 ـ يأذن للدول الأعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت، ما لم ينفذ العراق في 15 كانون الثاني 1991، أو قبله، القرارات السالفة الذكر، تنفيذاً كاملاً كما هو منصوص عليه في الفقرة أعلاه ، وتنفيذ القرار 660 (1990 )، جميع القرارات اللاحقة، ذات الصلة، وإعادة السلم والأمن الدوليين في المنطقة.
3 ـ يطلب من جميع الدول أن تقدم الدعم المناسب للإجراءات التي تتخذ، عملاً بالفقرة 2 من هذا القرار.
4 ـ يطلب من الدول المعنية أن توالي إبلاغ مجلس الأمن تباعاً بالتقدم المحرز فيما يتخذ من إجراءات عملاً بالفقرتين 2 ، 3 ، من هذا القرار.
5 ـ يقرر أن يبقي المسألة قيد النظر. (1)
انتشى الرئيس الأمريكي بوش فرحاً لصدور هذا القرار، الذي يخوله باستخدام القوة العسكرية، فقد أصبحت يده طليقة للمضي بالمخطط المرسوم لضرب العراق. وجدير بالذكر أن جميع القرارات التي صدرت كانت بموجب الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إن قرار مجلس الأمن هذا في حقيقة الأمر، لا يمثل الشرعية الدولية، ويخالف مخالفة صريحة ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على مسؤولية قوات الأمم المتحدة في صيانة السلام والأمن الدوليين، وتحت راية الأمم المتحدة. غير أن الولايات المتحدة جعلت من نفسها فوق الميثاق، وخولت نفسها، بالتعاون مع حلفائها الغربيين، صلاحية استخدام قواتهم المسلحة، ليس فقط لتحرير الكويت بل لتدمير العراق، مدفوعين بحماية مصالحهم الإمبريالية في الخليج.

ولابد أن أشير هنا إلى تصريح الأمين العام للأمم المتحدة [خافير بيرز ديكويلار] بعد انتهاء الحرب ضد العراق، والذي عّبر فيه عن رأيه بكل صراحة حول الأزمة حيث قال:
{هناك جانب آخر من الأزمة أود أن أشير إليه، هو أن تنفيذ قرارات مجلس الأمن بالقوة لم يجرِ تنفيذه بالضبط كما أوردته المادة 42، وما تلاها في الفصل السابع من الميثاق، وبدلاً من ذلك فإن المجلس خول استعمال القوة لبعض الدول، والتحالف الذي نشأ بينها، وفي الظروف التي كانت قائمة، وبحساب التكاليف التي كانت مطلوبة، فإن مثل هذا الوضع لم يكن ممكناً تجنبه، وعلى أي حال فإن عمليات الخليج تدعونا إلى التفكير في إجراءات جماعية يتحتم إتباعها في المسائل المتعلقة باستعمال القوة لحفظ الأمن في المستقبل، بطريقة تتفق مع الحقيقة. أن استعمال القوة محصور بمجلس الأمن بمقتضى أحكام الفصل السابع من الميثاق}.(2)
أن هذا التصريح يبين لنا أن الأمين العام للأمم المتحدة قد أعتبر تخويل مجلس الأمن للولايات المتحدة وحلفائها باستخدام القوة ضد العراق أمر غير قانوني، ويشكل تحدياً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة، وأنه كان ينبغي أن يكون أي استخدام للقوة، من قبل قوات الأمم المتحدة، وتحت رايتها.

جاء قرار مجلس الأمن رقم 678 ، بمثابة صدمة كبرى للنظام العراقي، فقد صدر القرار بموافقة حليفه الاتحاد السوفيتي، وامتناع الصين عن التصويت، فلو أعترض هذان البلدان، أو أحدهما لكان قد سقط مشروع القرار، ولم يكن النظام العراقي يتصور أن يذهب الاتحاد السوفيتي إلى هذا الحد، وكان هذا التصور من قبل النظام، يدل على جهله بتطور الأوضاع الدولية، وانهيار المعسكر الاشتراكي، وبشكل خاص الأوضاع في الاتحاد السوفيتي، وبداية تفككه، وانحسار سلطانه كأحد القوتين العظميين، بل وتحوله إلى تابع لسياسة الولايات المتحدة، التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم، والتي تتحكم في مصائر الشعوب.

حاول صدام حسين الاعتراض لدى محكمة العدل الدولية، على قرار مجلس الأمن والطعن في شرعيته، إلا أن محاولته ذهبت أدراج الرياح، وتأكد النظام العراقي أن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذ مخططاتها تجاه العراق، مهما كانت المعوقات، فالقوة قد أصبحت فوق القانون، بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على مجلس الأمن، وأصبح المخرج الوحيد للنظام العراقي هو تنفيذ القرار 660، القاضي بالانسحاب من الكويت قبل الخامس عشر من كانون الثاني 1991، وهي المدة التي منحها القرار للعراق لكي ينسحب من الكويت، وقدرها 45 يوماً، وإلا واجه حرباً لا يمكنه الخروج منها سالماً.

اقتراح الرئيس الأمريكي بوش

في الثلاثين من تشرين الثاني، وبعد يوم من صدور قرار مجلس الأمن رقم 678، أقترح الرئيس الأمريكي بوش بأن يقوم طارق عزيز بزيارة للولايات المتحدة والالتقاء به، على أن يقوم وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر بزيارة بغداد ولقاء صدام حسين، مدعياً أن الهدف من هذا اللقاء هو [المشي ميلا إضافياً من أجل السلام]!!.
لكن بوش لم يكن صادقاً في دعواه إطلاقاً، وهو الذي رفض أي محاولة، ومن أي جانب للتوسط بين العراق والولايات المتحدة، من أجل إيجاد حل للأزمة، قائلاً: {إن خيار الحرب قد أصبح أمراً لابد منه}.
وهنا يتبادر السوآل التالي:
لماذا إذاً عرض بوش اقتراحه هذا؟
إن كل ما أراده بوش هو محاولة خدع الرأي العام العالمي بصورة عامة، والأمريكي والعربي بصورة خاصة، والظهور بمظهر الحريص على السلام، واستنفاذ كل الوسائل لتجنب الحرب!!، غير أن بوش فشل في ذلك، وأخذت نواياه تظهر شيئاً فشيئاً، وتبين أنه عازم ليس على طرد القوات العراقية من الكويت، وإنما يسعى لهدف أبعد، يقضي بتدمير العراق عسكرياً واقتصادياً، وتصفية أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وإنهاء أي دور مؤثر له في منطقة الخليج بشكل خاص، والشرق الأوسط بشكل عام .

كما أراد بوش احتكار التصرف إزاء الأزمة، وعدم فسح المجال أمام الدول الأخرى، وبشكل خاص بعض الدول العربية، لمحاولة السعي من جديد، خلال فترة الـ 45 يوماً، الممنوحة للعراق لسحب قواته من الكويت، وإقناع العراق بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 660، والنفاذ بجلده من حرب مدمرة، لا أحد يستطيع تقدير نتائجها. وفي كل الأحوال فإن بوش كان عازما على ضرب العراق، وإن قراره لا رجعة فيه.

أحدث اقتراح بوش ردود فعل مختلفة لدى الدول العربية، ومنها العراق، ولدى بعض الدول الأخرى، فقد رأت دول الخليج، وبشكل خاص حكام الكويت أن هذه المبادرة هي بادرة تراجع للولايات المتحدة ربما كانت بسبب تأثيرات داخلية من جانب الشعب الأمريكي، بينما رأت بعض الدول العربية الأخرى أنها يمكن أن تكون بادرة خير لحل الأزمة وتفادي الحرب!!، وإمكانية إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت قبل نهاية المدة الممنوحة للعراق.

وبالفعل توجه الملك حسين إلى بغداد، وتبعه ياسر عرفات، ثم نائب رئيس جمهورية اليمن، والتقى الجميع مع صدام حسين يوم 4 كانون الأول، طالبين منه استغلال المبادرة، وسحب قواته من الكويت، وتجنب الحرب.
وبعد اللقاء أجتمع مجلس قيادة الثورة، برئاسة صدام حسين، وأصدر بعد الاجتماع بياناً في 5 كانون الأول يعلن فيه الاستجابة للمبادرة الأمريكية، وأصدر صدام بعد ذلك قراراً بالسماح للرهائن الغربيين بمغادرة العراق خلال أسبوعين، لكي يقضوا عيد الميلاد مع ذويهم، وذلك كبادرة حسن نية من النظام العراقي، بل لقد زاد النظام على ذلك، بأن تخلى عن مطالبته بربط قضية الانسحاب من الكويت بحل قضايا الشرق الأوسط، كما جاء في
حديث صدام حسين مع القادة العرب الذين زاروا بغداد،عندما قال:{إن ربط القضيتين هو ربط سياسي، وليس ربطاً بتواريخ الأيام}!.

إلا أن الآمال التي عُقدت على مبادرة بوش سرعان ما تبخرت، وبدأت الأخبار تتسرب إلى النظام العراقي عن حقيقة أهداف المبادرة، والتطمينات التي قدمها بوش لحكام السعودية والكويت، من أن الولايات المتحدة لا زالت مصممه على تنفيذ خططها تجاه العراق.

وزاد في فضح موقف الولايات المتحدة، الخطاب الذي ألقاه [هنري كيسنجر] أمام لجنه القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي جاء فيه:
{لنقم بأية مبادرة نريد القيام بها، ولنعطِ أنفسنا حرية الحركة كما نشاء، ولكننا يجب أن نكون واثقين من أن حل الأزمة يجب أن يحقق نزع وسائل القوة العراقية التي تلقي بظلها على جيرانه في المنطقة، وبدون هذا التغير الضروري في موازين القوى، فإن أي حل نتصوره للأزمة سوف يكون مجرد تأجيل لها}.

وهكذا أدرك النظام العراقي أنه أمام حرب لا مفر منها مهما فعل، معتبراً إياها قدر العراقيين الذي لا مرد له!!.
وهكذا تبدد التفاؤل بحل الأزمة، ليعود التشاؤم من جديد ينيخ بكواهل العراقيين المبتلين بطغيان صدام، ورئيس الولايات المتحدة بوش، والذين كانوا يرقبون بقلق بالغ ما سوف يؤول إليه مصيرهم، ومصير العراق.

وجاء تصريح بوش يوم 21 كانون الأول، كضربة قاضية لكل أمل في حل الأزمة عندما أعلن صراحة قائلاً:
{أن انسحاب القوات العراقية من الكويت ليس كافياً لحل الأزمة، وإنما يتحتم نزع قوة العراق العسكرية، وإزالة مصانعه الحربية وقواعد صواريخه، وكافة منشآته النووية، وكذلك يتعين على العراق أن يدفع تعويضات كاملة عن كل الأضرار التي لحقت بجميع الأطراف في المنطقة}.
أما رد فعل بوش على إطلاق سراح الرهائن، والسماح لهم بمغادرة العراق، فقد قلل من أهميتها قائلاً: {مع ترحيبي بإطلاق سراح الرهائن، فإن الإفراج عنهم لم يفعل شيئاً، وإنما صحح جريمة أرتكبها النظام العراقي حين أحتجزهم، في المقام الأول، وإن الإفراج عن الرهائن قد أزاح عن
ضميري عبئاً معنوياً كبيراً}!!.
ولاشك أن بوش كان يعني في كلامه أنه أصبح، بعد إطلاق سراح الرهائن قادراً على توجيه الضربة للعراق، دون أي عائق يمكن أن يسبب له انتقاد، إذا ما أصيب الرهائن في الحرب، لو بقوا في العراق. وبعد كل هذه التطورات التي حدثت، أصبح موضوع لقاء طارق عزيز مع بوش، ولقاء بيكر مع صدام أمر لا طائل من ورائه، وبدا صدام وكأنه غير راغب في اللقاء، ولا يعلق عليه أي أمل في حل الأزمة.

كان المقرر أن يتم لقاء طارق عزيز بالرئيس بوش في واشنطن، ثم يليه لقاء بيكر بصدام في بغداد. لكن صدام أعتذر عن لقاء بيكر في وقت مبكر، بحجة انشغاله وارتباطاته، وطلب أن يكون اللقاء يوم 13 كانون الثاني، أي قبل نهاية المدة الممنوحة للعراق بيومين، فيما أرادت الولايات المتحدة أن يكون اللقاء يوم 3 كانون الثاني.

وعادت الولايات المتحدة وغيرت موقفها من اللقاءين، واقترح الرئيس بوش أن يتم لقاء بين طارق عزيز وجيمس بيكر في جنيف، وتقرر الموافقة على اللقاء، وحدد له يوم 9 كانون الثاني 1991.

كانت الولايات المتحدة في تلك الأيام تبذل قصارى جهدها في تجميع كل المعلومات الممكنة، عن جميع المراكز العسكرية والمدنية الحساسة في العراق، من مصانع عسكرية، وقواعد إطلاق الصواريخ، وقواعد الرادار، ومراكز الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومعامل البترو- كيماوية، ومصافي النفط، وجميع المنشآت النفطية، وطرق المواصلات والجسور، وجميع المصانع المدنية، ومحطات الطاقة الكهربائية، المفاعل النووي العراقي.
وخلاصة القول كل القواعد الأساسية للاقتصاد العراقي. ولعبت الشركات الغربية واليابانية دوراً كبيراً في تقديم تلك المعلومات، حيث كانت قد قامت فيما مضى ببناء معظم تلك المنشآت، ولديها كل الخرائط المتعلقة بها، وكانت القوات الأمريكية والحليفة تعد العدة لتوجيه الضربة القاصمة لهذه الأهداف، وتدميرها تدميراً كاملاً.

الموقف الفرنسي من الأزمة:
لقد اثبت الوقائع أن فرنسا التي ارتبطت بأوثق العلاقات مع النظام العراقي إبان حربه مع إيران، قد خدعت النظام في سعيها لمنع وقوع الحرب، والقيام بدور فاعل في حل الأزمة، وتبين أن فرنسا تشارك بشكل فعال في تنفيذ الخطط الأمريكية المعدة للعدوان على العراق، وأدى موقف الرئيس [ميتران] إلى استقالة وزير الدفاع الفرنسي [جان بيير شيفيمان] في 29 كانون الثاني 1991، بعد أن وجد أن الجيش الفرنسي قد تعدى الخطط المتفق عليها لتحرير الكويت، وتحول إلى الحرب ضد العراق، وأعلن بعد استقالته أن الحرب كان بالإمكان تجنبها.

ولكن الرئيس الأمريكي بوش كان قد عقد العزم منذ اليوم الأول لوقوع الأزمة على اللجوء إلى القوة العسكرية، لتوجيه ضربة قاصمة للعراق.
وقيل آنذاك أن الرئيس الفرنسي ميتران كان قد بعث بالأميرال [جاك لاكساند] إلى الولايات المتحدة، ليبلغ الرئيس بوش بأنه يستطيع الاعتماد على فرنسا، كما يعتمد على بريطانيا بالضبط.

وقد برر ميتران موقفه هذا فيما بعد، بأن المصالح الفرنسية هي التي فرضت عليه سلوك هذا الطريق، وقديماً قال السير[ونستن تشر شل] رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية قولته المشهورة: {ليس هناك صداقات دائمة، بل هناك فقط مصالح دائمة}.

بيكر يسلم طارق عزيز رسالة التهديد لصدام من بوش

أخذت الأيام تمر، منذُ صدور قرار مجلس الأمن رقم 678، دون أن يحدث أي تطور باتجاه انفراج الأزمة، بل على العكس كانت الولايات المتحدة وحلفائها يضعون اللمسات الأخيرة على مخططاتهم بضرب العراق، فيما بدا النظام العراقي وكأنه قد سلم قدره للظروف، وبقي على إصراره في التشبث بالبقاء في الكويت، معللاً ذلك بأن الولايات المتحدة وحلفائها سيضربون العراق سواء أمر بانسحاب الجيش العراقي من الكويت أم لم ينسحب.
لقد أضاف صدام حسين بموقفه هذا خطأ جديداً إلى أخطائه السابقة، فحتى في حالة إصرار الولايات المتحدة على ضرب العراق، فأن خروج القوات العراقية من الكويت كان سيسبب أكبر إحراج للولايات المتحدة إذا ما أقدمت على ضرب العراق، ويمكن أن يؤدي إلى فورة كبرى، وهيجاناً على امتداد الوطن العربي الكبير، وانقساماً في صفوف الدول العربية التي سارت في ركاب الولايات المتحدة، من أجل تحرير الكويت.
كما أن الرأي العام العالمي كان سيقف ضد تصرف الولايات المتحدة، بعد أن زال مبرر الحرب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان سحب القوات العراقية من مناطق تجمعها في الكويت سيجعلها في مواقع أكثر أماناً فيما لو تعرضت للهجوم. ولو أقدمت الولايات المتحدة على ضرب القوات العراقية، وهي تنسحب من الكويت، خلال المدة التي منحها مجلس الأمن للعراق، والبالغة 45 يوماً فإن ذلك سيعني لدى الرأي العام العالمي أن الولايات المتحدة قد خالفت قرار مجلس الأمن الدولي، واعتدت على العراق دون مبرر طالما هو في حالة انسحاب من الكويت.

إن إصرار صدام حسين على المضي في مواقفه الرعناء لم يكن يعني سوى الانتحار المحتم بالنسبة للجيش العراقي، وللشعب العراقي، وهذا ما كانت تريده الولايات المتحدة بالضبط، وإن صدام نفسه يتحمل مسؤولية كل ما سوف يحدث بعد نهاية المدة الممنوحة للعراق.

لم يبقَ أمام النظام العراقي إلا الانتظار لما سيسفر عنه لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز في جنيف، وربما علق صدام بعض الآمال على ذلك اللقاء المنتظر، إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى عكس ذلك تماماً.
كان بوش ينتظر بفارغ الصبر انتهاء الفترة التي منحها مجلس الأمن للنظام العراقي للانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط ولسان حاله يقول، ليت صدام حسين يركب رأسه ويصر على البقاء في الكويت، لكي ينفذ المخطط المرسوم لضرب العراق.

وجاء الموعد المنتظر، يوم التاسع من كانون الثاني 1991، حيث وصل وزير الخارجية الأمريكية، جيمس بيكر، ووزير خارجية العراق، طارق عزيز، إلى جنيف، وجرى اللقاء بينهما في إحدى قاعات فندق [الكونتنانتل] في جو من الترقب والقلق عمّ العالم العربي بشكل خاص، والعالم بشكل عام.
لقد وضع الشعب العراقي، ومعه الشعوب العربية، قلوبهم على أيديهم في تلك اللحظات الحاسمة، منتظرين ما ستسفر عنه نتائج اللقاء، وماذا سيحل بالعراق، إذا ما فشل الاجتماع، وبقيت الأوضاع على حالها، انتهت المدة الممنوحة للعراق للانسحاب من الكويت.

جلس الوفدان العراقي والأمريكي وجهاً إلى وجه إلى مائدة الاجتماع، بعد أن أجرى الوفدان مصافحة بعضهما البعض، وكانت الابتسامة الصفراء تبدو على وجه وزير خارجية الولايات المتحدة بيكرالذي أسرع إلى فتح حقيبته، وأخرج منها مظروفاً، وسلمه إلى طارق عزيز، قائلا له:
{ إن هذه الرسالة كلفني الرئيس بوش أن أسلمك إياها، لتسلمها بدورك إلى رئيسك صدام حسين}.
تناول طارق عزيز الرسالة ووضعها جانباً، غير أن بيكر طلب منه أن يقرأ الرسالة، وقد أجابه عزيز إن الرسالة موجهة إلى الرئيس صدام حسين، وليس من حقي أن افتحها، وأقراها.
لكن بيكر رد على عزيزعلى الفور قائلاً:
{ إن ما سوف نتحدث عنه هنا يتعلق بما ورد في هذه الرسالة، ولابد لك أن تقرأها أولاً لنستطيع التحدث فيما بعد}.
تناول طارق عزيز الرسالة مرة أخرى وفتحها، وبدأ يقرأ ما ورد فيها، ولم يكد يفرغ من قراءتها، حتى دفعها إلى بيكر مرة أخرى قائلاً له:
{إنني لا أستطيع أن انقل مثل هذه الرسالة إلى رئيسي، لأنها كتبت بصيغة لا يليق التخاطب بها بين الرؤساء، وهي لا تحتوي سوى عبارات التهديد والوعيد للعراق وقيادته}.

حامد الحمداني  
ِwww.Hamid-Alhamdany.com