الرئيسية » دراسات » الابعاد التاريخية والتراثية لتهديم السوباط في الصحن الحيدري الشريف (2)

الابعاد التاريخية والتراثية لتهديم السوباط في الصحن الحيدري الشريف (2)

يمكن ان توصف مدن المراقد الاسلامية وبامتياز واضح عن بقية المدن الاسلامية التقليدية بانها مدينة متوجهة نحو الداخل ، حيث تمثل الاحتواء والمنطلق الاساسي له ، وتحيطه بنية كثيفة من نسيج متجانس ذي تتابعات احتوائية متسلسلة ، فبدت المدينة ككتلة صلدة مبنيةتظهر فيها المسارات والفضاءات كمناطق منحوته في هذه الكتل .وهكذا ظهر النسيج الحضري المحيط بالمراقد المقدسة وكما نلاحظه في مدينة النجف التاريخية بانه نسيج عضوي متراص ، حيث ينتقل الانسان ضمن هذا النسيج من خلال الازقة الملتوية والمتعرجة، وعندما يصل الى المرقد فانه يدخل الفضاء الواسع لصحن المرقد بشكل مفاجئ . وهذه الانتقالة المفاجئه والصدمة تعزز الشعور بالخشوع الملازمة لتلك الاماكن المقدسة. هذه العلاقة الروحية المادية من خلال النسيج الكتلي وفضاء الصحن هو ما يجب الانتباه اليه في اي تعديل بمعمارية فضاء الصحن ، وهذا لم نجده في طيات المشروع.

الدور التخطيطي للفضاء المعماري للصحن
ولنلقي الضوء بشكل مركز اكثر على اهمية اي عملية تطوير او تغيير يقع في فضاء الصحن الحيدري او تغيير من استعماله الوظيفيي او خصائصه المعمارية وهو جوهر مشروع توسعة الحرم الحيدري الشريف الذي تتناوله الدراسة يفضي تقديم تصور اولي عن البعد التخطيطي لهذا الفضاء على مستوى المدينة ككل ، والمنطقة المحيطة بالمرقد بشكل خاص .
ان السمة الاساسية لفضاء صحن المرقد انه فضاء حضري وليس فضاءاً معمارياً خالصاً ومترابطاً مع الفضاءات المحيطة به وتستكمل منظومة الوظائف للفضاءات الحضرية
منطلقة من فضاء الصحن الداخلي ومتجهة الى الخارج بدرجات من الخصوصية والتنوع الوظيفي لتنتهي عند اكثر الفضاءات خصوصية في المحلات السكنية العميقة وبين هذه العمومية والخصوصية الشديدة درجات متفاوتة يلتقي فيها الساكنين والغرباء في المدينة وفق محاور وشروط غاية في الدقة.
وبالرغم من ان المرقد عادة منغلق ومتوجه الى الداخل معمارياً وجميع المعالجات المعمارية والاعمال التقنية والتزينية تزيد من اهمية وتوفير علاقات فنية غاية في الجمال بين العناصر العمودية المتمثلة بالمآذن كذلك القبة مع نسب فضاء الصحن ذاته ، في حين كانت الواجهات بسيطة ولا تحوي معالجات كثيرة وتلتحم مع النسيج المجاور في اكثر الاحيان.
فالمتلقي للمشهد الحضري في مدن المراقد الاسلامية وهو يتحرك عبر المسالك الفضائية لتلك المدن وهو يشعر بالشد باتجاه تأثير العناصر العمودية من المآذن والقباب التي يراها بزوايا نظر متنوعة وهي تختفي تارة وتظهر تارة اخرى حتى يصل الى المرقد لتحقيق عنصر المفاجأة التي ستختلط بمشاعر الخشوع والرهبة التي تولدها الوظيفة الروحية لهذا الفضاء.
من كل ذلك يمكن ان ندرك ان اي مشروع تطوير يتناول هذا الفضاء المركزي للمدينة يجب ان يأخذ بنظر الاعتبار دراسة هذا التغيير ضمن التجربة الحسية المتكاملة للمتلقي في حركته في الهيكل الفضائي للمدينة التي يصل الى فضاء الصحن ، هذا فضلاً عن الاخذ بالاعتبار العلاقة التكاملية بين داخل الصحن وخارجه.
الحفاظ على الارث الحضاري للأمة المعماري والحضري
ان مفهوم التراث في العمارة الاسلامية يعني النصوص العمرانية التي تشكلت في فترات زمنية محددة من تاريخ الحضارة الاسلامية ، لاسيما فترات الهيمنة الفكرية المستمدة من الدين الاسلامي ، والقوة العسكرية والنفوذ السياسي الواسع ، والرخاء الاقتصادي ، وغيرها من الظروف الملائمة التي سمحت بانتاج نماذج معمارية ومدن تاريخية ، وصلت الينا اطلالها شامخة ، تحكي قصة الامس ، وترسم ملامح الحياة العامة ابان انتاجها .
ومهما يكن من امر هذا التراث العمراني ، وعلى الرغم مما اعتراه من الانحراف والزيغ في كثير من جوانبه البارزة ، في بعض العصور ، فهو لايزال من مواطن الفخر والاعتزاز لدى افراد الامة الاسلامية بماضيها ، لانه يمثل احدى ثمرات الدين الاسلامي واكله الذي جناه اجدادنا المسلمون ، حينما حملوا لواء هذا الدين ، وساروا ينهلون من نبع وحيه الصادق .
وان عملية الحفاظ على النتاج المعماري والحضري من جهة المعايير والمفاهيم والاهداف تعتبر عملية مرادفة لعملية النمو والتطوير لتحقيق الهوية الحضارية المميزة لشعب ما في نتاجه الحضري المعماري ، وسنحاول من خلال تلك الاسس والمعايير للمحافظة على تقييم تطوير الروضة الحيدرية التي تعد من اهم صروح تراثنا الحضاري لنرى موقعه او مدى انحرافه عن الاسلوب القويم في التعامل مع الموروث المعماري والحضري . وخصوصاً اذا عرفنا ان هذا الصرح يحمل صفة المقدس الذي يشير الى كيان يتجاوز ماهية الاشياء في واقعية العالم الدنيوي المعيش . مع ذلك فهو كائن فيها ، فعال ومؤثر فيها ، ويتمتع ، بالضرورة ، بصفتين : اولاً ، تكمن في هذا الكيان قوة خارقة ، لاتخضع لقوانين الطبيعة ، ولا يخضع التعامل معها لقوانين السببية ، او العقلانية . ثانياً ، وتبعاً للصفة الاولى ، تتصف علاقة الفرد او الجماعة مع هذه القوة بان في امكانهم ان يضموا صفة المقدس كمقوم في هويتهم ، ولذا يتمكنون من ان يطلبوا من صفاته الحماية والدعم في تأمين بقائهم ، او بقدر ما توصف هذه الصفات في تأمين البقاء ، فانها تؤلف مقوماً في هوية الفرد والجماعة . ولأن المقدس يتمتع بقوة خارقة ، ولانه في الوقت عينه ، مقوم في هوية الفرد والجماعة ، فانهم يهابونه في اعماق وعي ذاتية وجوديتهم ، كما انهم يعتبرونه مقوماً فعالاً في حماية هذه الهوية ، ودعمها ضد الآخر، في مواجهة متطلبات المعيش مع الظواهر الطبيعية.
ويظهر المقدس ككيان اما ان يكون غير ملموس ، ولذا فان موفعه في المخيلة ، كالألهة والارواح الخالدة والملائكة وارواح الاسلاف ، او انه يكون كياناً ملموساً ، فيكون اما مادة طبيعية كشجرة او حيوان او بشر ، كما ان يكون مصنعاً . وتبعاً لذلك تكتسب هذه الاشياء القوى الخارقة التي يتمتع بها مفهوم المقدس كما هي في مخيلة المؤمن ، وهو الذي يوظفها كمقوم في هويته . فمثلاً حينما يكون الصليب عند المسيحي مؤشراً على القوى الخارقة التي يتمتع بها المسيح ، وباقتران هذا المؤشر بهذه القوى ، يكتسب الصليب القوى ذاتها او جزءاً منها . وكذلك الامر بالنسبة الى الجامع ، او المعابد الابراهيمية الاخرى ، التي تعتبرها في مفاهيمها اللاهوتية بيت الله، وملجئاً لمناجاته ، واسترضائه ، وتبعاً الى ذلك تكتسب هذه المصنعات صفة القدسية.
من ذلك نرى بان صفة المقدس تمر بعدة مراحل لانتاجها ويكون للفرد المتلقي الدور الاكبر في مخاض انتاجها كونها المعبر عن هويته من خلال قيمة هذا المقدس والتي تتحول الى هوية جمعية .
مشروع توسعة الحرم الحيدري الشريف ومفاهيم الحفاظ العامة
ان لمخلفات التاريخ قداستها وحرمتها من النواحي الثقافية والفنية والجمالية ، وذلك لانها تؤلف وثائق ملموسة للتقصي عن النواحي المذكورة ، بحيث يؤلف وجودها مراجع تغني في كثير من الاحيان عن الكتب والاساطير ، باعتبارها الصورة الحية الصادقة الناطقة بلسان حضارات الاجيال وفنونهم وطرائق معيشتهم ، حيث انها شواخص تدون الارث الحضاري للامة وتحكي تاريخ الاجيال ، وقد قال العالم الاثري الاستاذ (بان) في عام 1959 بهذا الصدد « بانه ليس لامة ما ان تدعي السيادة المطلقة على تراثها الغني الخاص بها ، بل انما هي فقط الحارس المسؤول عن هذا التراث امام مجموع العالم المتحضر».
وان هذا الجزء من بناية الحرم الشريف (السوباط) يربط تاريخ المجتمع النجفي الحالي بماضيه وبقيمة المتوارثة وهو جسر العبور الذي يربط الماضي بالحاضر ، لانه يعتبر ذات جذور عميقة في المجتمع الحالي توراثتها الاجيال المتتابعة مع تحوير لها حسب ظروف كل منها .والسوباط هو حلقة الوصل بين سور الصحن الحيدري الشريف من جهة الغرب ببناء الضريح من جهة الشرق والتي تم انشاؤه باساليب مختلفة معمارياً وانشائياً حسب المرحلة الزمنية التي انشأ فيها . ومكوناً من طابقين توج الطابق الاول بمجموعة من القباب وتم التأكيد على القبة الوسطية التي تربط ما بين مسجد الرأس وجدار الحرم الشريف لتشكل اثراً تاريخياً ابدع في عمارته المعمار العراقي الشعبي المسلم من خلال الريازة بالمرمر والكاشي الكربلائي وغيرها من اللمسات التعبيرية لتصبح قريبة من قلب كل مسلم. وتتصل الروضة الشريفة بالسور الغربي عن طريق ممر مقبى يمر به الزائرون للطواف حول الروضة . ويعلو الممر رواق مقبى بارتفاع الروضة وفي مستوى ارتفاع مباني السور . وفي الممر الذي يفصل الروضة عن السور الغربي يوجد باب مسجد الرأس الذي يتصل بالتكية البكتاشية ويرجع تاريخه الى عهد الايلخائيين في القرن الثالث عشر الميلادي.
ويتكون الجزء الغربي من السور كغيره من باقي اجزاء السور الخارجي من طابقين من الايوانات وتوجد فيه مجموعة من الغرف لايواء الوافدين واقامة الدارسين . وقد كسيت واجهات الايوانات جميعها ببلاطات من القاشاني التي يرجع معظمها الى الطراز الصفوي ، والقليل منها الى الطراز العثماني ، ويعلو الطابق العلوي من الايوانات شريط من الكتابة العربية بالخط الثلث الجميل.
وتشير الدكتورة سعاد ماهر الى انه « اذا كانت مباني المشهد الحالية ليس بها ما يدل على آثار عمارة الايلخائيين نظراً للتجديدات والتغيرات التي قام بها الصفويون بعدهم ، فانه توجد بعض العمائر التي ما تزال ملتصقة بالمشهد من جهته الغربية ، مثل المسجد الذي يعرف الآن باسم (مسجد الرأس) وكان يعرف من قبل باسم جامع (زيردلان) او (جامع سار) . مما يمكن ان يرجع الى عهد الايلخائيين. والمسجد متسع الارجاء يكاد يكون اكبر المساجد الموجودة بالسور الخارجي للمشهد وتطل على الصحن، وهو يقابل رواق – الرأس الشريف . والمسجد مستطيل الشكل يتوسطه صحن كبير متسع ، وعلى جانبي الصحن من الجهتين الشمالية الجنوبية يوجد ايوانان بهما كثير من الاعمدة المقطوعة من حجر المرمر . وبالكشف على جدران المسجد وجدنا انها من النوع نفسه والحجم الذي بني به جدران المشهد الخارجية .كما ان الاجزاء الملاصقة لسور المشهد تدل دلالة واضحة على انها بنيت مع الحرم العلوي وعلى انها ترجع الى اواخر عهد الايلخائيين وان لم نستطع تحديد التاريخ»
المدى