الرئيسية » دراسات » الأبعاد التاريخية والتراثية لتهديم السوباط في الصحن الحيدري الشريف (1-4)

الأبعاد التاريخية والتراثية لتهديم السوباط في الصحن الحيدري الشريف (1-4)

تعد مدينة النجف الاشرف من المدن العريقة ذات الطابع الديني ولها ابعادها الزمانية والمكانية، اقتصادية وسياسية لما تحمله هذه المدينة من معالم وتراث، وهي سجل لاحداث الماضي حيث رفاة النبي آدم (ع) ومهبط الاولياء ودار هجرة الانبياء، فيها استقرت سفينة النبي نوح (ع) ومنزل النبي ابراهيم الخليل (ع)، واستمرت الاحداث لتكتب تاريخاً مشرفاً لاولياء الله حتى تشرفت وضمت الجثمان الطاهر لسيد الوصيين وإمام المتقين أمير المؤمنين علي بن ابي طالب التي تشهد اليوم، اعمالاً حضرية تحت عدة مسميات منها التجديد الحضري، التوسع، التطور… الخ، منطوية كلها تحت منهج واحد يتلخص بالهدم والازالة ان صح التعبير، وان كانت المدينة بحاجة فعلية الى مثل تلك الممارسات،

فيجب ان تكون عن طريق مدروس ولايسيئ الى نسيج المدينة التقليدية الذي يحمل بين طياته كماً من الارث والمعان الروحية والحضرية، فضلاً عن تراكمات خبرة الاجداد والسنين العابرة في ادارة واستغلال الفضاءات والكتل البنائية. ان هذه النزعة من التأثيرات السلبية سرى مفعولها حتى الى الحضرة الحيدرية الشريفة، لتهدد نمطها المتماسك وطرازها المعماري الرصين.
ولقد عانى المرقد الشريف والمنطقة المحيطة بها الاهمال، بسبب القيام بوضع دراسات حفاظ وتطوير ذات توجهات غربية وقرارات تخطيطية انفرادية أدت بالنتيجة الى مشاكل كثيرة وهدم كبير للمنطقة المحيطة بالمرقد وعزله عنها، كما ادى ذلك الى فقدان المنطقة لمعظم خصائصها الاسلامية، مما يتطلب دراسة تطوير الفضاءات المحيطة بالمرقد المقدس الشريف لمدينة النجف الاشرف لرسم التوجهات المطلوبة من اجل احياء هذا التراث المعماري المهم.
وان المشكلة الاساسية لهذه الدراسة هي ان اعمال التجديد والتوسيع الحضري التي جرت مؤخراً في مدينة النجف الاشرف عموماً وفي الصحن الحيدري الشريف على وجه الخصوص جاءت بنتائج سلبية على النمط المعماري والطرازي للنسيج التقليدي والصحن الشريف في الوقت نفسه.
وما ستتناوله هذه الدراسة بالنقد والتحليل لبناء رؤية علمية لمشاريع التطوير والحفاظ للمراكز التاريخية لمدن المراقد المقدسة. وسنقوم بذلك اعتماداً بالدرجة الاولى على مناقشة الافكار التي طرحها مصمموا ومنفذوا المشروع في الدراسة المقدمة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي – جامعة الكوفة – كلية الهندسة وادارة الروضة الحيدرية المطهرة في النشرة المسماة (مشروع توسعة الحرم الحيدري الشريف) (1) والتي تم توزيعها في الندوة المخصصة لمناقشة هذا الموضوع بتاريخ 9/7/2005 في مدينة النجف الاشرف التي حضرها مجموعة كبيرة من السادة المعنيين ووجهاء النجف واطلع الجميع على مقترح التوسعة المقدم من مجموعة من المهندسين. وكذلك على الصور المأخوذة في الموقع والمأخوذة من مواقع الانترنيت لتحليلها علمياً.
وهناك مفارقة كبيرة في هذه المشاريع هو الملازمة بين عمليات الحفاظ والحاجة الى التوسع بغياب نظرة تخطيطية شمولية.
وفي ضوء هذا التشخيص يمكن تصور المنهجية النقدية لمثل هذه المشاريع من خلال النظر اليها من مستويين:-
الاول: يتعلق بمدى مراعاة هذه المشاريع للعلاقة العضوية بين المنشأ المعماري للضريح وبعده التخطيطي (التنظيمي) لعموم فضاءات المدينة والتكامل بين ما يحدث في الداخل والخارج.
الثاني: يتعلق بمدى مراعاة تلك المشاريع للمعايير والاهداف والتقنيات اللازمة لعمليات الحفاظ بحرفية عالية. حيث عانى هذا المرقد الشريف والمنطقة المحيطة به من الاهمال، بسبب القيام بوضع دراسات حفاظ وتطوير ذات توجهات غربية وقرارات تخطيطية انفرادية ادت بالنتيجة الى مشاكل كثيرة وهدم كبير للمنطقة المحيطة بالمرقد وعزله عنها، كما ادى ذلك الى فقدان المنطقة لمعظم خصائصها الاسلامية، مما يتطلب دراسة تطوير الفضاءات المحيطة بالمرقد المقدس الشريف لمدينة النجف لرسم التوجهات المطلوبة من اجل احياء هذا التراث المعماري المهم.
2. الحرم الحيدري الشريف والمدينة
لقد كان الدين عاملاً اساسياً في نشأة الكثير من المدن ومنذ القدم فالدين بطبيعته عملية جماعية غالباً ما تؤدي الى تكون مراكز حضرية تنشأ حولها المدن، ومعظم مدن العراق القديمة يمكن رد نشؤها الى هذه الآلية.
وفي زمن الاسلام الذي كان في جوهره دين مدينة، حيث جاءت تعاليمه عاملاً مشجعاً للحياة فاعطى لحياة المدينة اهمية دينية، فنشأت المدن الدينية في العراق والعالم الاسلامي والتي اتخذت خصائص شتى فبعضها مدن للحكم الديني تاريخياً كما في كثير من عواصم وحواضر الحكم الاسلامي ومنها ايضاً مدن الحج كمكه والمدينة المنورة وكذلك مدن الاضرحة كما في مدينة النجف وكربلاء التي أدت فيها المراقد المقدسة دوراً في نشأتها وتطورها. (2)
والقادم الى مدينة النجف الاشرف تلوح من بعيد تلك المنائر الذهبية مرحبة، مستقبلة، ومبشرة، وها هي القبة تزهو بفخر واعتزاز، فهي تضم بحنو مثوى وليد الكعبة، وشهيد المحراب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وها هي معالم الحرم الحيدري الشريف تقف بشموخ في مركز مدينة النجف التاريخية لتعلن نفسها نواة لتلك المدينة التي كانت ولاتزال مصدر المرجعية والتقليد، ومهد الحركات العلمية والادبية ام العلوم والتقوى والشعر والجهاد.
ففي عام (40 هـ- 662 م) عند استشهاد أمير المؤمنين على (ع) ودفنه في أرض النجف ذات الطبيعة الصحراوية وعلى حافة منخفض بحر النجف الجاف، كما انها تشكل وادياً بين ثلاثة تلال وهي ما كان يعرف بالذكوات البيض قديماً.كما وقف منخفض بحر النجف عائقاً أمام استمرار النمو جميع الاتجاهات فضلاً عن وجود مقبرة وادي السلام التي تحد المدينة من جهة الشمال الشرقي. وفي ذلك الوقت لم تكن النجف سوى قرية صغيرة، دفن الامام علي (ع) في طرف حافة القرية وظل موقع القبر الشريف مخفياً ردحاً من الزمن يزوره سراً اولاده وافراد اسرته حتى تم اكتشافه من الخليفة العباسي هارون الرشيد والذي امر ببنائه بناءاً جيداً سنة (170 هـ- 787 م) وبذلك نشأت الجذور الاولى لعمارة النجف، اذ بدأ اتباع الامام (ع) بدفن موتاهم بجوار المرقد ثم الاقامة قربه ومنهم من هجر منزله في الكوفة ورحل الى النجف.في عام (170 هـ) وبعد ظهور القبر الشريف للإمام امير المؤمنين (ع) تمصرت النجف واتسع نطاق العمران فيها وتوالت عليها عمليات الاعمار شيئاً فشيئاً. فكان قبره الشريف هو الذي اعطى للمدينة طابع القدسية والاحترام، واصبحت مركزاً للزعامة الدينية ومحطاً لاهل العلم.(3)
وتتميز مدينة النجف الاشرف بوجود المقبرة الكبرى (وادي السلام) والمدارس الدينية والجوامع والمساجد وظهرت معها ايام مخصوصة وغير مخصوصة لزيارتها… وقد تواترت على المدينة منذ نشأتها قوى حضارية سياسية مختلفة اثرت في مراحل تطورها… يتضح من ذلك ان نمو مدينة النجف وتطورها قد بدأ من حول المرقد الشريف الذي تركزت حوله الفعاليات السكنية والنشاطات التجارية والدينية وكان شأنه في ذلك شأن (المسجد الجامع) في المدينة العربية الاسلامية باعتباره مركزاً للحياة الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والتعليمية، وبسبب هذه الاهمية الكبيرة للمرقد الشريف احتل المركز الرئيس في مدينة النجف وعُدّ الاساس التنظيمي لعمرانها.(4)
في عام (1057 م) انشأت اول مدرسة دينية في مدينة النجف الاشرف تنتظم الدراسة فيها بشكل اشبه بالدراسة الاكاديمية اليوم. مما أدى الى حصول نقله كبيرة في تطور مدينة النجف فيما بعد، اذ اصبحت حاضرة علمية يقصدها طلاب العلم من مختلف انحاء العالم ليدرسوا مختلف العلوم الدينية والادبية والاخلاقية والفلسفية وغيرها وبدأت تصبح مقراً لعدد كبير من العلماء.(5)
ومن ذلك يمكن الخروج بنتيجة وهي ان نشأة وتطور المدينة لم يتأثر بموقعها بالنسبة للارض بقدر ما تاثرت بموقعها بالنسبة للسماء فلولا وجود الحرم الحيدري الشريف لما كان لها ما لها اليوم من الاهمية.
2-1. دور المرقد في نشأة موروفولوجية المدينة
بقدر تعلق الامر بهدف البحث الرئيس نسعى الى التعرف على الدور التكويني وتشكيل مورفولوجية المدينة الذي يؤديه المرقد وذلك للكشف والتأكيد على ان تغيير في طراز وعمارة المرقد قد تؤثر في المدينة ككل.
لقد نشأت مدن المراقد (ويتضح ذلك بشكل خاص في مدينة النجف) بفعل الدور التنظيمي المادي والروحي الذي يقوم به المركز باعتباره رمزاً روحياً يمثل القيم الدينية للمدينة وباعتباره المحور الوظيفي والتخطيطي وحتى المعماري الذي يتحكم بالفعاليات المحيطة به وامتد الى ابعد من ذلك ليحدد طبيعة توزيع استعمالات الارض وانظمة الشوارع وعموم الهيكل الفضائي والكتلي للمدينة فهو نواة المدينة حضرياً وروحياً.
ويمكن ادراك ذلك من خلال المراحل الرئيسة للشكل المعماري للمرقد نفسه والتي رافقها تشكيل النسيج الحضري حوله:(6)
مرحلة التكوينات الأولية: والتي تضمنت بناء السور حول القبر ثم بناء الضريح ذاته وظهور القبه الأولية البسيطه فوقه.
مرحلة الشكل الحضري الاولي: من خلال ظهور بعض الدور والوحدات السكنية حول الضريح فضلاً عن بعض الفعاليات بشكل يترك بعض الفجوات الفضائية وهي نواة للتشكبل الفضائي لهيكل المدينة.
مرحلة بدء نمو تشكيل الهيكل الفضائي للمدينة من خلال زيادة حجم التجمعات وظهور فضاءات حضرية ملموسة تجري فيها بعض الفعاليات.
في الوقت نفسه تظهر مرحلة تطورية المنشآت المرقد ذاته بظهور السور المحيط بالضريح لوقف زحف المنشآت الى القبر.
مرحلة التبلور النهائي حيث يتخذ المرقد شكله المعماري النهائي ويظهر فضاء الصحن الداخلي كفضاء مركزي للمدينة ذاتها.
تتخذ الروضة الحيدرية الشريفة مركزاً محورياً ضمن مدينة النجف القديمة لتشكل بؤرة اساسية لتشكيل الفعاليات وتمحور الانشطة المختلفة حولها. ويمكن للراصد في المدينة ان يلاحظ بسهولة ما يأتي:-
التأثير الاجتماعي للحضرة الشريفة في السلوك الاجتماعي والفردي لسكان المدينة، فمحوريتها جعلت اغلب خطوط الحركة تمر بالقرب منها، فضلاً عن تمركز اغلب الفعاليات ضمن مجاوراتها. ومع امتياز النسيج الحضري المحيط بالمرقد بالعضوية والترابط نراه ينقل المتحرك داخل الازقة الى حالة الخشوع اللاشعورية والخضوع والاحساس بصغر الحجم عند الوصول الى المرقد، اذ ينتقل مباشرة الى الفضاء الواسع الصحن بعد ان كان ضمن نظام الازقة الضيقة الملتوية والمتعرجة.
التأثير المعماري للحضرة الشريفة: على الرغم من غياب معظم الضوابط المعمارية والتخطيطية مع اختلال بعضها الآخر، الا ان هيمنة الحضرة الحيدرية على مجاوراتها لايزال واضحاً برغم الابنية المرتفعة وغير المتجانسة في شكلها مع واقع الحال الروحي للمنطقة. ونجد التطبيق الصحيح لما يعرف بالمقياس الانساني ضمن اجزاء النسيج المتوحد للحضرة الشريفة مع المدينة القديمة، الذي يفسر حالة التأثير النفسي والاجتماعي في الفقرة (أ).
التأثير الجمالي: شكلت الزخارف والريازات والانهاءات والنقوش (سواء الهندسية منها أو النباتية) في الحضرة منبعاً مستمراً لالهام معماري ونقاشي المدينة لاعادة التقليد والتحوير وعكس ذلك على الابنية المختلفة وخاصة البيوت، كما اثرت بما يشبه توحيد للذوق العام وجعله رافضاً ومستهجناً لكل غريب ودخيل على العمارة التقليدية والاسلامية. اذ يتضح شذوذه عن النهج العام بصورة واضحة. ويمكن ملاحظة كفاءة المعالجات التخطيطية والمعمارية في توفير الاحساس بالوحدة والترابط من خلال تطبيق فكرة الفضاء المستمر بتطبيق ذكي وعميق لمبدأ التناظر والتكرار والايقاع الذين يدخلان ويتكاملان بشكل يتحسسه الانسان في اثناء حركته في الازقة والاسواق ويتعزز هذا الاحساس من خلال المعالجات المعمارية الاخرى كالفتحات في التسقيف التي توفر الاضاءة والتهوية، حيث تعاقب الضوء والظل تشويقاً عند السير في هذه الاسواق.
التأثير الاقتصادي: لما تشكله الروضة الحيدرية من محط انظار قلوب الملايين من المسلمين وارتيادهم لزيارتها في اثناء الايام العادية ولا سيما يومي الخميس والجمعة والمناسبات الدينية، فقد اصبحت اساساً جوهرياً في تفعيل النشاط الاقتصادي للمدينة ككل واختصاصها بالوظائف التي توفر الخدمات المختلفة للزائرين، وقد يصل احياناً محيط تأثير تشغيل العاملين فيها الى خارج حدود المحافظة احياناً. خصوصاً وان المناطق التجارية في المدينة القديمة تتجسد فيها الاسواق التقليدية وابرزها (السوق الكبير) الذي يشكل هيكلاً متجانساً ومترابطاً مع المرقد وبقية عناصر الهيكل الحضري وتختلط فيه التجارة مع الصناعات الحرفية وتتميز هذه الاسواق ببساطة المعالجات المعمارية الخارجية والتركيز على المعالجات الداخلية وخاصة طرائق التسقيف الآلي التي يوفر الحماية المناخية المطلوبة باعتبار ان الاسواق مخصصة لحركة السابلة فقط.(شكل 1)
ولقد استمرت مدينة النجف المقدسة بالنمو والتوسع ثم ظهرت عليها لاحقاً تغيرات كبيرة اثرت في عناصر البيئة الحضرية فيها بفعل التغيرات غير المدروسة ودخول السيارة الى داخل النسيج الحضري التقليدي. ولكن كان المرقد يؤدي فيها الدور المنظم والمنشط للفعاليات الحضرية وتشكيل النسيج والهيكل الفضائي. هذه الآلية للتشكيل تكشف عن العلاقة الفريدة بين معمارية المرقد الداخلية من جهة وتشكيل النسيج الحضري للمدينة، وان أي تغيير في التكوين المعماري للمرقد سينعكس على النسيج الحضري، وهذه العلاقة الدقيقة، يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار عند دراسة او الشروع بأي تغيير في معمارية الضريح وهو ما لم يؤخذ في الاعتبار في مشروع توسعة الحرم الحيدري الشريف

أ.د. المهندس حيدر كمونة
جامعة بغداد – المعهد العالي للتخطيط الحضري والاقليمي
المدى