الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة السادسة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة السادسة عشرة بعد المئة

اما ادموندز فيذكر ان بدو الكرد يشبهون بدو العرب من حيث انهم يعيشون في خيام طويلة تصنع من اطوال من نسيج شعر الماعز الخشن يخاط بعضه ببعض حسب عرض الخيمة المطلوب وترفع من الداخل بالهيئة التي تناسب الجو واتجاهات الريح ويستعمل (الجيغ) لتقسيم الخيمة من الداخل او لحجب الرؤية عن الاعين الفضولية ويمكن قياس اهمية صاحب الخيمة او غناه عموماً بحجم خيمته او سعتها.
والقياس المتعارف عليه هو عدد العمد وللكرد ولا سيما عشائر الجاف نوعان من الخيام الواسعة نوع للشتاء وهو ثقيل ونوع للطريق ومراعي الصيف وهو خفيف وتفصل حجرة الضيوف (الديوانخانه) عن باقي الحجرات بواسطة (الجيغ) (147).
مدن كردية
وما دمنا في موضوع العمارة الكردية ارتأى المؤلف ان يضع صوراً قلمية لبعض الرحالة والمستشرقين عن بعض المدن الكردية في شمال وجنوب وغرب كردستان وهذه المدن ما هي الا نماذج لعدد وفير جداً من المدن الكردية المنتشرة في اصقاع كردستان والتي لم يتسن حتى لكثرة كثيرة من المثقفين الكرد انفسهم التعرف عليها جزءاً من الثقافة الجغرافية بسبب من التقسيمات السياسية المعروفة تاريخياً.
ونود ان نشير الى ان ما جاء في هذا الكتاب عن المدن الكردية من الناحية الكمية كان خاضعاً للمصادر المتاحة والمعروفة من قبل الرحالة او المستشرقين والا فمن الممكن الكتابة عن بعض المدن التي جاء ذكرها كثيراً لو اننا تبنينا كتب التاريخ والجغرافية وليس المذكرات.
كما تجدر الاشارة الى ان المؤلف لم يستطع وصف هذه المدن بصيغة موحدة او مجدولة لان كل رحالة او مستشرق تناول وصف المدينة بالشاكلة التي جذبت اهتمامه فهناك من اهمل تاريخ المدينة في حين هناك من توسع في تاريخها وآخر جذبته صادرات وواردات المدينة واهمل الجانب المعماري وهكذا وقد روعي التسلسل الالفبائي في ذكر هذه المدن.
اربيــل
يصف هاملتون (في نهايات القرن العشرين) مدينة اربيل انها ترتفع عن السهل بمئة وعشرين قدماً مثل مقطع مخروطي مستوي السطح لبركان خامد. وتحيط به جدران آجرية ضخمة. تلك هي اعتق مدينة مسكونة على ظهر البسيطة! ويسترسل هاملتون في وصفه لاربيل اذ يذكر، كان (مارك توين)* بليغاً في وصفه دمشق بانها (مدينة عتيقة حتى في بلاد المدن العتيقة) لكن دمشق اذا قورنت بأربيل لا تزيد عن طفل رضيع وربما كانت (اور الكلدانيين) في مثل عمرها، وكذلك (بابل) الا انهما اصبحتا خراباً يبابا منذ الوف السنين. وليس كأربيل التي ظلت مأهولة بأستمرار الوفاً عديدة من السنين منذ ما قبل فجر التاريخ حتى يومنا هذا وبوسع اربيل ان تفخر بهذا التراث العظيم فخراً تؤيده الشواهد العلمية. ولكن كيف ركم هذا التل العظيم الذي ترقد المدينة الحالية فوقه؟ ان المصادر التاريخية لا تذكر بانه مأثرة هذا الملك او ذاك او غيرهما من الملوك والفاتحين الذين حكموا هذه الاقاليم. ان التل نما نمواً ذاتياً ليس غير، مدينة فوق مدينة، تتقوض واحدة، فترتفع فوقها اخرى وهكذا يروح التل يعلو ببطء خلال دهور لا تعد ولا تحصى. الى ان انتصب الان، تلاً اشم يفوق ارتفاعه اي تل من نوعه في العالم اجمع.
جاء في اسفار التوراة ان مدينة (اربيلا – ارباايلو – الالهة الاربع) كانت واحدة من مجموعة مدن اربع لاشور الغابرة، وهي آشور ونينوى ونمرود وأربيلا. وفي ذلك الزمن كانت مزارا دينيا، وهي تسبق العصر الاشوري، وربما تعود قداستها الى انها اعتق من سائر المدن الاخرى، فهي في ذلك العهد (اي ما قبل ثلاثة الاف سنة) كانت مدينة عتيقة فيها معابد آلهة وآلهات تنتمي الى العصر السومري. وليس في مقدور احد ان يتكهن بما يحتويه باطن التل من شواهد ودفائن قد ترجع الى العصر الحجري المتأخر، ولم ينقب عالم آثار واحد فيها لانها ما زالت مأهولة. ومهما يكن من امر، فان التنقيب يتطلب كتائب من الحفارات والجارفات البخارية لرفع ملايين عديدة من الياردات المكعبة التي يتألف منها تراب تل اربيل.
ومن اسباب سكن اربيل المستمر طوال هذه العصور المتعاقبة هو وجود مصادر مياه خاصة بها. ان فيها آباراً عميقة الغور تسمى (كهاريز) (مفردها كهريز) كانت قد حفرت منذ عصور سحيقة في جوف الارض، ولم يكن بامكان الفاتحين المتوحشين تخريبها مثلما تمكنوا من تخريب اقنية الري في (بابل واور) وسائر مدن الجنوب. ويبدو ان الالهة آثرت اربيل برعاية خاصة لم تتفضل بها على غيرها، فحمتها وابقتها حية بعد خراب منافساتها اللواتي يفقنها عظمة وازدهاراً، بزمن طويل. فخرصباد (دور شروكين) ونينوى لم تكونا تحت رحمة الماء المجلوب، ومع ذلك بادتا وعفي عنهما منذ عشرات القرون بينما ظلت اربيل حية تعيش عيشة هادئة متواصلة.
والى اربيل هذه، لجأ (داريوس) هارباً بعد هزيمته التاريخية امام الاسكندر الكبير اول الفاتحين الاوروبيين في آسيا. ووقعت المعركة الفاصلة في عام 331 ق.م، على بعد اميال قليلة من ضفة الزاب الكبير. وبعدها توغل الاسكندر في جبال كردستان. واسم هذا الفاتح كبير جداً في الشرق. تتناقل الالسن عنه اساطير كثيرة وتسمى باسمه مواضع عدة.
يقول (سون Soane) (ان الحيوية التي ابقت اربيل حية منذ الايام الخالية، لم تتخل عنها في اي عهد من العهود. وكانت جديرة بان يذكر اسمها مرة واحدة على الاقل اثناء تغلب كل شعب حكم المدينة بالتتابع المتسلسل: الاشوريون ثم الميديون الفرس، ثم الاغريق، ثم الفرثيون، ثم الرومان، ثم الارمن، ثم الرومان ثانية، ثم الفرس، ثم العرب).
وينهي هاملتون وصفه العميق والمركز لاربيل اذ يقول، انها كانت عاصمة لصلاح الدين الشهير، قاهر الصليبيين في القرن الثاني عشر لفترة من الزمن. اما المغول الذين دكوا كل مدن ما بين النهرين تقريباً فقد نهبوها، الا ان ايديهم قصرت عن استئصال تلك المدينة الخالدة. والاتراك الذين تركوا الكثير الى البلى والخراب، زالوا عنها وهي باقية، تركوها قبل دخول البريطانيين اليها بايام، ولم تنطلق من اسلحة البريطانيين طلقة واحدة في ارجائها (48).
اورميــه
يذكر ويكرام ان اورميه كانت قبل سفره اليها بعشر سنوات (اي في العقد الاخير من القرن التاسع عشر) قرية متضخمة لا غير تحتشد فيها المنازل المتواضعة المبنية باللبن المجفف ويحيط بها سور طيني متداع ولا تقع الانظار ابدا على باب واحد شيد بالاجر المحروق الا في القليل النادر. قد يكون في هذا الباب بعض الذوق المعماري وقد يفضي بك الى صحن دار احد علية القوم او الى بستان هندست تماماً على الاصول التي تترجمها المنحوتات الاشورية. ثم تؤدي بك الى بيت في حالة بائسة يحتاج الى ترميم واصلاح قل او كثر.
ويشير ويكرام الى ظهور بوادر الطرز الاوربية في العمارة لضاحية هذه المدينة ولكنه يصفه بالتقليد السيئ لما نقله الروس عن طرز العمارة الاوربية.
واهم ما لفت نظر ويكرام في هذه المدينة صحون المساجد الجميلة والسوق الكبير، ويصف نموذجاً للسوق الايرانية المألوفة التي هي افخم واكثر انفة من اخواتها الاسواق التركية.

Taakhi