الرئيسية » المرأة والأسرة » أورال جالشلار : مشهد المرأة في المسألة الكوردية

أورال جالشلار : مشهد المرأة في المسألة الكوردية

الترجمة : مصطفى إسماعيل
يتطرقُ الكاتب الصحافي أورال جالشلار, في زاويته اليومية بصحيفة ” راديكال ” التركية, إلى الحالة النهوضية التي شهدها المجتمع الكوردي في كوردستان الشمالية, ويعتبرُ النساء الكورديات أهمَّ معلمٍ مفصلي في تلكم النهضة, والعنوانَ الأبرزَ لمرحلةٍ جديدةٍ تشهدُها تركيا, ويرُّدُ الكاتبُ هذا البروزَ في وضع النسوة الكورديات إلى حركة التحرر الكوردستانية, التي أسهمت برأيه في تغيير العديد من المفاهيم في المجتمع الكوردي, محدثة نقلة نوعية بين أمس المجتمع الكوردي وراهنه, ولا يكتفي الكاتب هنا بالحديث النظري, بل يسوق للتدليل على مصداقية أطروحته العديد من الأمثلة الحية المقارنة التي شهدتها وتشهدها مناطق كوردستان الشمالية ( كوردستان تركيا ), وكوردستان تغيب كإصطلاح كما هو ملاحظ عن غالبية ما يكتبه الكتاب الأتراك, ويستعاض عنها بعبارات من قبيل ” شرق البلاد ” و ” جنوب شرق الأناضول ” … إلخ, وفي هذا المقال فإن الكاتب يتحدث عن مناطق سكنى الكورد وأماكن إقامتهم, بدلاً من إيراد كلمة كوردستان المحظورة. إليكم نص المقال المنشور في صحيفة ” راديكال ” التركية في عددها ليوم 27 حزيران 2009 معرباً:
أورال جالشلار : مشهد المرأة في المسألة الكوردية
إذا ما بدأنا بترتيب المسائل في الأراضي التي يعيشُ عليها الكورد, سنجدُ أن أهم مسألة في هذا الترتيب هي مسألة المرأة, ويمكنُ عدُّ تزويج الفتيات في سنٍّ مُبْكِرَة, نِكاحَ الشغار, جرائمَ الثأر, زواج الرجل بأكثرَ من امرأةٍ, أكبرَ أوجاع هذه المنطقة, وكذلك نعلمُ أنَّ النساءَ هنَّ أكثرُ من عانين من الفقر والحرب.
الحقيقةُ الأخرى, هي حدوثُ تغييرٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة في المناطق التي سكنها الكورد, فالحربُ القذرةُ الشديدة في جنوب شرق البلاد, التي سبَّبتْ تشكلاً انقلابياً ودرامات كبيرة, جلبتْ معها أيضاً تغييراً, سنطلق عليه تسمية ” النهضة الكوردية “. ليسَ هنالكَ شيءٌ كسابق عهده في هذه المنطقة, ولا شكَّ في أنَّ النساء هنَّ أهمُّ مشهدٍ في هذه ” النهضة “. ويمكنُ اعتبار التحولات الثقافية والاجتماعية والمجتمعية في المنطقة كأهم النتائج للخطوات الكبرى التي خطتها النساء من أجل أنْ تكنَّ ” موجودات “, فأكثرُ المناطق في تركيا التي أصبحن فيها النساءُ رؤساءَ بلدياتٍ هي المناطقُ التي يعيشُ فيها الكورد, فالنساءُ في حزب المجتمع الديمقراطي فزن في انتخابات 29 آذار رئاسة بلدية ولاية و13 بلدة. أيضاً, وبمقتضى النظام الداخلي لحزب المجتمع الديمقراطي, إذا ما كسب الرجال رئاسة البلديات, فإن النساء يتولين حكماً منصب المعاونات, وإذا ما سألتم عن أهمية هذه الأرقام, سنقولُ أنَّ حزب العدالة والتنمية الذي لديه المئات من رؤساء البلديات الرجال, لديه فقط 3 نساء يترأسن البلديات, فيما يوجد لدى حزب الشعب الجمهوري امرأتان فقط, وليس لدى حزب الحركة القومية أية رئيسة بلدية. فهذا الثقل النسائي في حزب المجتمع الديمقراطي الذي طرح هذه الأرقام على الملأ, إذا ما جرى التفكر فيها من زاوية التقاليد الثقافية في المنطقة, فإنه يقدِّمُ حالة جيدة ومُعبِّرَة.
لم تتقيدْ حملاتُ النساء في المناطق التي يعيشُ فيها الكوردُ برئاسة البلديات وإدارة الحزب, بل نجدهن يشكلن ثقلاً هاماً بداخل أكثر من مؤسسة للمجتمع المدني, ويُلاحظُ في المناطق التي تشهد كثافة سكانية كوردية, تمركز النسوة الكورديات في منظمة KAMER ( مركز المرأة ), وهي إحدى أكثر مؤسسات المجتمع المدني تأثيراً في تركيا, ورئيسة منظمة KAMER ( مركز المرأة ) نباهت آك كوج بشخصيتها المستقلة, وكفاءتها التنظيمية, والإمكانات التي كسبتها مع المرأة في المنطقة, تُعدُّ ملفتة للانتباه, كواحدة من بين نساء عديدات في المنطقة معروفات بالحدة.
هذا التغييرُ الكبيرُ, أظهرَ تأثيرهُ مؤخراً في الاتفاقات التي أبرمتها بلديات حزب المجتمع الديمقراطي, فالاتفاقاتُ الجديدة التي أبرمتها أكثرُ من بلدية تابعة لحزب المجتمع الديمقراطي, يُمكنُ عدَّها إمضاءً على قراراتٍ متقدمةٍ جداً في موضوع المرأة.
ففي الاتفاقية الجديدة الموَّقعة بين بلدية يني شهر التي تعدُّ بلدية مركز مدينة ديار بكر ونقابة عمال البلدية, تقرَّرَ تحويلُ راتب الرجل إلى زوجته الأولى ” إذا ما تزوج ثانية وكانت الأولى في عصمته “, أيضاً فإن راتب الرجل المُرتكب للعنفِ ضدَّ زوجته وأطفاله يُمنحُ للزوجة, وفي حالةٍ مُلفتةٍ للانتباه, فإن الاتفاقية الموقعة التي فرضت خصماً مقداره 14 % على الراتب كوسطي, لم تحظى بأي اعتراضٍ من قبل العمال الرجال, والعامل المستقيل لن يُمنحَ تأميناته الاجتماعية بدون رضى زوجته.
بالشكل نفسه, فإن الاتفاقية الموَّقعة بين بلدية بلدة ” كوجوك ديكيلي ” التابعة لأضنة, والمُدارة من قبل حزب المجتمع الديمقراطي ونقابة GENEL – IŞ التابعة لـ DISK قضت بـ ” تأدية نصف راتب العامل لزوجته, في حال عدم قيامه بمسؤولياته تجاه زوجته وأولاده, وفي حال ارتكابه لأعمال العنف في المنزل ” و ” فسخ عقد العامل, وحرمانه من تعويضات الإخطار في حال زواجه بموجب عقد نكاح عرفي “.
أما في بلدية ويرانشهر التابعة لولاية أورفه ( شانلي أورفه ), فقد أضيفتْ مادة أخرى إلى الاتفاق المبرم بين البلدية ونقابة GENEL IŞ , وهي ” يُعطى نصفُ راتب العامل المرتكب للعنف ضد زوجته المُعنَّفة “, وأيضاً في الاتفاق الموَّقع بين نقابة العمل وبلدية بيسميل ( بلدة تتبع لولاية آمد ), فإن راتب العامل الذي يحرم بناته من التعليم يحوَّلَ إلى زوجته, وكذلكم الأمر, فإن راتب العامل يُحوَّلْ إلى زوجته في حال ارتكابه لأعمال عنفٍ ضدَّ أفراد عائلته.
يبدو كل ذلك أشبهَ بالفانتازي, إذا ما نظرنا إليها من بعيد, وأنا أعلمُ كمْ همْ كثرٌ القائلونَ ” نحن نعرفُ الكورد, فالعلاقات الفيودالية التي تمثلهم تظهرُ في ثقافتهم المجتمعية, ولا تهتموا بمقولاتهم, وما يصدرونه من قرارات, فالمفاهيمُ الذكورية هي المُهيمنةُ على مناطقهم “.
يمكنُ عدُّ تلكم التحليلات مُحقة, إذا ما نظرتَ إلى الوضع بأحادية, والتغيير الكبير الذي عاشه التيارُ السياسي كأساسٍ للهوية الكوردية غيرُ كافٍ لفهم الموضوع والتعبير عنه, فالكوردُ يعيشونُ تغييراً جذرياً, فالملايينُ منهم استقروا في أماكن سكناهم وبلداتهم. واستطاعوا من خلال رجال دينهم, وعبر أوجه الشبه والاختلاف بين هوياتهم القومية من التحول إلى جزء من تأسيسٍ ثقافي جديد.
الحركة السياسية هي الأساسُ للهوُّية الكوردية, وتوصيفها الأصلُ أنها حركةٌ قوميةٌ, وتُمثلُ الحركةُ القومية بالنسبة للكورد نهضةً تقدمية وتحديثية.
وكما أنَّ الأتراكَ حققوا هكذا نهضة مع بدايات القرن العشرين, فإنَّ الكوردَ يَعْبرونَ اليومَ مرحلة التأسيس لهوية قومية تأخر تشكلها, وهذا في الوقت نفسه يُفيدُ التغيير والقفز إلى الأمام, ولا يمكن التهرُّب من عدِّ النساء أحدَ أهمِّ عناصر هذا التغيير, فالنسوةُ المنزوياتُ في البيوت, اللاتي تعشن تحت ثقلِ ثقافةِ حاكمية الرجل, خرجن إلى المسرح, بتأثيرِ عمليات النزوح, والحرب, والكفاح السياسي.
لهذا, فإن ذلك يُظهرُ للعيان هوية نسوية مؤثرة بالنسبة لعموم تركيا. وهذا المُعطى يخلقُ نتائج إيجابية كثيرة من زاوية التحديث في بلدنا, وسيستمر في خلقها.