الرئيسية » التاريخ » واقعة بياندور وشهداؤها

واقعة بياندور وشهداؤها

قام الشريف حسين بثورته ضد العثمانيين مدعيا بإنشاء دولة خلافة على غرار الخلافة الإسلامية. لم يقدم الشريف على هذا إلا بعد ارتباط متين مع الغرب بعهود ومواثيق. تم له ما أراد؛ حيث دخل ابنه الأمير فيصل إلى دمشق بمساندة حليفته انكلترا. وتوج ملكا على سوريا. هذا النصر المؤزر بريطانيا لم يدم للملك طويلا. لقد دكت فرنسا قلاع لبنان وسوريا منذرا معتلي العرش حديثا بقبول انتدابها. قبل صاحب الجلالة شروط الأخيرة، لكنه فضل الملكية في العراق على تلك في سوريا. فملكية في أحضان الحليفة أريح منها تحت انتداب جمهوري.

ما أخفاه الشريف حسين عن المسلمين آنذاك كشفته فرنسا وبريطانيا حينها. لخصوصية تلك الفترة لم تدرك الشعوب غير العربية عن نوايا صانعي الثورة العربية في المنطقة وتحالفهم مع المستعمرين. كان الاعتقاد السائد لدى هذه الشعوب يوحي بكره الاتحادين للخلافة الإسلامية. وما يقوم به الشريف هو تجديد الخلافة وإنقاذها من هؤلاء المتأوربيين، ناهيكم عن كونه من آل البيت وشريف مكة المكرمة.لذا دافع هذا الشعب عن أخيه المبتلي كما فعل ذلك؛ حينما رد الصليبيين عن ديار المسلمين دون أن يخص لنفسه أي امتياز. بالرغم من عروض فرنسا وبريطانيا السخية له، أبى أن يخون أخاه. فحافظ على العهد الموثق منذ ما يقارب من ألف وأربعمائة عام. حافظ على أواصر الأخوة بذلك الصدق الذي رد به الصليبيين.

ماذا عن هذا الشعب الذي ضم جزء من أراضيه إلى أراضي أخيه؟ وكيف يعامل اليوم؟ يحتفل البلد في كل سنة بذكرى الاستقلال عن فرنسا؛ وتزخر الصحف والمجلات وتدوي محطات الراديو والتلفزيون بالخطب الرنانة عن بطولة الشعب العربي في محاربة المستعمر ودحره؛ بينما يسود صمت قاتل عما قام به هذا الشعب المجزأ أرضا وسكانا بين عدة دول. فلا ذكر لنضال ولا تذكير صريح بشهدائه. فيبدو وكأنه لم يشارك في تحرير هذا الجزء، وكأنه تعاون مع المحتل الفرنسي. لا نرى ولا نسمع عنه في هذا الجزء سوى تطبيق مشاريع قومية عروبية تقضي بإزالته ومحوه. ربما يبدو لغير الملم بالحالة السورية أن الكرد هم مهاجرون من دول الجوار إلى هذه الأراضي، وهذا ما تروج له السلطة، فما على الدولة سوى أن تحافظ على نقاوة الأرض العربية من الدخلاء!

كل المراجع التاريخية لهذه المنطقة تثبت على كرديتها، ولا زالت الحفريات تخرج لنا العملة المسكوكة للدولة الدوستكية في هذه المنطقة عدا عن الآثار القديمة العائدة إلى حقبة ما قبل دخول الإسلام وانتشاره في ربوعها.

تصادف هذه الأيام ذكرى استشهاد أحد الأفراد من زعماء هذه المنطقة أثناء الوجود الفرنسي. هذه الذكرى التي تكتمت عليها الحكومات السورية المتعاقبة وتنكرها سلطة البعث جملة وتفصيلا.

انتدبت فرنسا نفسها على سوريا بعد المرحلة الفيصلية وتقدمت نحو الشرق والشمالي الشرقي، وقع اختيار حاميتها على قرية بياندور كمركز لها. لم ترق لسكان المنطقة التواجد الفرنسي هذا، فصارت تثير لها القلاقل ، ولم تقصر هي الأخرى في إيذاء السكان.

تم اغتيال قائمقام سلطة الانتداب من أصل عربي في هذه القرية لكونها كانت مركزا إداريا لها. على إثرها استشهد خليل حمي ابن أخ مختار القرية تحت التعذيب على يد رجال الحامية انتقاما لمقتل المذكور. وتلا ذلك الاغتيال فرض ضرائب وأعمال السخرة وغيرها من الإجراءات الانتقامية ضد السكان. اشتدت مخاوف الحامية بسبب ما تناقلت إليها من معلومات عن كبرى العشائر فيها والتي ترى في الوجود الفرنسي شيئا يجب إبعاده. طالبت الحامية زعامة هذه العشيرة بالمثول في مقرها. فأرسلت الأخيرة أحد أفرادها كممثل عنها، حيث تم اعتقاله ومن ثم استشهد تحت التعذيب.

قبل أن ندخل في التفاصيل لا بد من تبيان مكانة هذه العشيرة التي أبدت حامية الانتداب الكثير من المخاوف تجاهها.

تعتبر هذه المنطقة التي تقع فيها مركز الحامية من ضمن دوركان العشيرة الكردية، وقد استقرت بشكل نهائي في تلك السهول أوائل القرن السابع عشر الميلادي وبنت فيها العديد من القرى، قبل ذلك كانت تلك السهول مرعى لحيواناتها. يمر ذكر ما بنته من قرى في كتب وأوصاف الزوار منذ بداية القرن السابع عشر.

يذكر أبناء العشيرة عن زعيمهم المدعو أصلو أنه نزل بهم إلى هذه السهول بدلا من ارتيادها بسبب المواشي كما مر آنفا. ولا تزال المنطقة تزخر بأبنائها أكثر من غيرها. يشتهرون بالشجاعة وفن القتال وقد بسطوا سيطرتهم من مدينة مدياد إلى حدود جبل سنجار. وبعد مرور ثلاثة قرون من الزمن بدأت بعض العشائر الرحل من العرب في ارتياد المنطقة، مرة في السنة، بحثا عن الكلأ لأغنامها؛ وذلك من جهة الجنوب. أثناء ارتيادها كان أولئك العرب الرحل يستبيحون مزروعات السكان دون أية مراعاة عما يعود هذا بالضرر على أصحابها الكرد. نتيجة لذلك جرت صدامات مسلحة بين الرحل والعشيرة فكانت الغلبة للأخيرة وألزمت العرب الرحل باتفاق يقضي بارتياد المنطقة لإذن مسبق والالتزام بما يسمح لها. عرف هذا الاتفاق باتفاقية السلام، ولم تكن هذه الاتفاقية مقصورة على العشيرة وحدها التي وقعت على عاتقها معظم مهمات الردع، بل كانت تشمل كل العشائر الكردية المستقرة إلى جانبها لاحقا. ولا زالت هذه المنطقة معروفة كرديا بمنطقة السلام. ويدعى ساكنوها بالآشيتان وتعني هذه الكلمة بالكردية السلام، حرفها العرب إلى الشيتية.

من هم دوركان؟ هي عشيرة كردية يتزعمها آل عباس وتنتسب في جذورها إلى بدليس مركز الإمارة الكردية المشهورة. كانت من الركائز المهمة أيام الدولة الدوستكية وإمارة بوطان. استطاعت في تلك العهود الغابرة حماية المناطق الموكلة بها بجدار تامة. ففي عهدي الدولة الدوستكية وإمارة بوطان امتازت هي بمركز خاص. وأثناء التحضير للثورة الكردية الكبرى في أوائل القرن الماضي اتصل ممثلي الشيخ سعيد بيران بها. كانت الزعامة متجاوبة تماما، ولم يرق هذا للحكومة الكمالية فنبهت فرنسا على مخاطرها في استتباب الأمن والاستقرار هناك.

كما مر معنا أن آل عباس كانوا من مناصري الثورة الكردية بقيادة الشيخ سعيد بيران. عند إعلان الثورة عام 1925م هاجمت عشيرة دوركان مخافر الكماليين في قرى المتاخمة للحدود وقد أسرت أفراد المخافر مع بعض ضباطها، كما هدمت تلك المخافر وأخذت عدتها وتم لاحقا توزيعها على الأهالي. بعد فشل الثورة أدرك سليمان عباس أن الأتراك لن يتركوه بسلام، فابتعد بالعائلة عن القرية بحجة البحث عن الكلأ للأغنام، وكان توقعه في محله فقد قصف الكماليون جوا قرية دوكر وألحقوا بعض الأضرار بالمواشي وجرح أحد الرعاة. بعد فشل الثورة تحولت القرية إلى مركز للعديد من الثوار الناجين من مشانق الكمالية. وصارت همزة تواصل بين كرد سوريا وتركيا والعراق. فيها عقد اجتماع كبير للكرد حضرته أغلب زعماء العشائر الكردية في سوريا تشير وثائق تلك الحقبة عن تخلف عائلة إبراهيم باشا الملي عن الحضور بالإضافة إلى ممثلين عن كرد عراق وتركيا. بعد هذا الاجتماع كنتيجة تم الإعلان عن جمعية خويبون في بحمدون بلبنان عام 1927م لم يستطع آل عباس حضور مؤتمر التأسيس بسبب العداوة القائمة بينهم وبين فرنسا.

اقتصت فرنسا بعد ردح من الزمن من مقتل محمد عباس حدوث واقعة بياندور، من آل عباس؛ حيث توفي سليمان عباس ومن بعده بسنة ولده شلال كلاهما في بيروت وفي ظروف غامضة؛ وحتى الآن لا يعرف أين جثمانيهما. كما اغتيل يوسف عباس من بعدهما أيضا في ظروف غامضة. فلم يبق في العائلة سوى شباب لم يكونوا مهيئين لتحمل أعباء المسؤولية ولم تكن لديهم الخبرة والتجربة؛ لذا تراجع دور العائلة ومعها دور العشيرة في المنطقة.

لنعود مرة أخرى إلى الحامية الفرنسية وتعاملها مع السكان. لم تكتف الحامية بقتل محمد عباس فحسب، بل اعتقلت عمه سليمان وأرادت أن تنفذ فيه حكم الإعدام كما فعلت مع ابن أخيه، إلا أن شيخي عشيرتي الشمر والطي العربيتين حذرتا الحامية من مغبة إعدامه، مبينان عن الخطأ الكبير الذي ارتكبته الحامية في إعدام ولد أخيه. تراجعت الحامية عن قرارها ذاك وفرضت على العشيرة فدية كبيرة. بعد دفع الفدية تم وأطلق سراح سليمان عباس. لم يدم وقت طويل على إطلاق سراحه؛ حتى جهز حملة لمواجهة المنتدبين الفرنسيين بلغت تعدادها عدة آلاف مقاتل شاركت بجانب العشائر الكردية العديد من العشائر العربية وعلى رأسها عشيرتي الشمر والطي؛ كان التآلف والتآخي بين الشعبين سائدا، ولم يكن هذا التفريق العنصري الذي جاءت به الناصرية البعثية العفلقية موجودا، بل كان الكل يدا واحدة في مواجهة الطوارئ والملمات.

هاجم المقاتلون من الكرد والعرب الحامية في قرية بياندور فأبادوها ومن ثم تمركزوا في ديار طوبى منتظرين عودة قائد الحامية روغار من عين ديوار فأغاروا عليه وعلى من معه من الجنود والضباط والمترجمين، وكان في هذه المرة أيضا النصر حليف المقاتلين وتم قتل روغان ومعظم من كان معه لم يبق منهم سوى عدد قليل ممن وقعوا أسرى في أيديهم. كان هذا نصرا باهرا على الحامية الفرنسية بعدتها الحديثة وجيشها النظامي. لقد تكبدت فرنسا خسائر تعد أكبر خسارة تُمنى بها مع المقاتلين السوريين. ولم تشهد سلطة الانتداب فيما بعد خسارة مثلها في الأرواح. على إثرها انسحبت قيادة الانتداب إلى جنوب مدينة نصيبين وتمركزت هناك. وما مدينة قامشلي سوى نتيجة تلك الواقعة. من نتائجها تأخر تواجد فرنسا في تلك المنطقة بشكل مكثف مدة تقارب بضع سنوات. بعد الانتصار الساحق على الحامية الفرنسية وردت على زعامة العشيرة التهاني، وكذلك والوفود المهنئة من مختلف الفئات المقاتلة ضد الانتداب الفرنسي مباركين ومشيدين بذلك العمل الوطني.

عندما استقر الأمر لحكومة الانتداب فيها بعد الخسارة الفادحة، بدأت بالانتقام من السكان عامة ومن آل عباس بشكل خاص فاستولت على العديد من قراهم ووهبتها للمتعاونين معها.

ماذا حصل بعد استقلال سوريا من فرنسا لهؤلاء الكرد ولزعامة هذه العشيرة. لقد تناست الحكومات السورية في العهد الوطني هذا تماما ولم تعد تذكر فاكتفت بذكر تلك الواقعة في المتحف الحربي بشكل مقتضب عن مشاركة العشائر الكردية أيضا في ثورة بيناندور.

واقعة بيناندور هي جديرة أن تكون مصدر فخر كل سوري؛ ولكنها على عكس ذلك أهملت عن قصد من قبل السلطات المتعاقبة. للأسف ما حافظنا عليه من الأخوة والإخلاص تجاه أخوتنا العرب في دمشق وحلب وبقية مدن الداخل السوري، فكان ردهم إلينا أن جازانا الملازم الأمني محمد طلب هلال بمشروع عنصري يقضي إلى اقتلاعنا من جذورنا. فاعتبرنا مهاجرين ومستولين على الأراضي العربية. وهي لم تكن يوما ما عربية، سوى أنها كانت أراض إسلامية، خلال فترات السيادة الإسلامية ابتداء من عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى آخر أيام الخلافة العثمانية. كل المؤرخين في العصور الإسلامية يعتبرونها أراض كردية، ولا زالت سندات التمليك العثمانية موجودة لدى سكان هذه المنطقة من الكرد. كما يذكر الرحالة الأوربيون أثناء مرورهم بها عن كرديتها، إلا أن الحكومات العربية بعد الاستقلال ومرورا بعهد الوحدة وحكومة الانفصال ومن بعدهم البعث العروبي وجدوا فينا دخلاء ووصمونا بالإسرائيل الثانية. فاستولوا على ممتلكاتنا واستقدموا العرب إلى ديارنا موزعين عليهم ما اغتصبوه منا. سحبوا منا الجنسية. حولونا إلى أُجراء وخدم في أراضينا. فشتت العائلات وأفقرت السكان حتى هجروا ما تبقى لديهم من الأرض بحثا عن لقمة العيش.

من الجدير أن يحتفل الكرد السوريون بهذه المناسبة احتفالا مهيبا وخاصة كرد المهجر حيث لديهم كافة الإمكانيات، وهذه المناسبة تستحق كل الاهتمام بها وتعريف الشعوب الأوربية بها. للأسف نرى أن الكرد قد تناسوا هذه الواقعة كما تتناسها الحكومات السورية. من الواجب الوطني أن نحتفل كل عام بهذه المناسبة احتفالا يليق بها. وليس مجرد ذكر أو تجمع بسيط للمهتمين بها؛ إنما يكون الاحتفال في كل دولة أو مدينة تتواجد فيها الجالية الكردية السورية. وأن نحي ذكرى هؤلاء الشهداء ابتداء من الشهيد خليل حمي ابن أخ مختار بيناندور والشهيد محمد عباس اللذان استشهدا قبل الواقعة، وكذلك سليمان وولده شلال ويوسف من آل عباس التي اغتالتهم فرنسا بعد مرور أكثر من عقد ونصف من الزمن من الواقعة. هذا دين أولئك الشهداء علينا جميعا.

26-07-2009