الرئيسية » المرأة والأسرة » لم يعد من شيء…..إذا فلأنتحر!

لم يعد من شيء…..إذا فلأنتحر!

آخر الحلول التي يتوصل لها الكثيرون في واقع مجتمعنا هذا, أو الحل الأوحد الذي يمكن تصوره كما يرون هو الانتحار.
البعض رأى في هذا الحل نقطة الخلاص من تراكم لا يطاق للهموم وآخرون رأوا فيه نصرا على كل هذه العقبات وليس انهزاما, أما الأغرب فكان ذلك الرأي القائل بأن الانتحار ليس موتا بل قدر وتمجيد أكبر في أعين الآخرين, أو بكل اختصار عملية لكسب الانتباه الذي يعتبر مكافأة.
ولكن المعارضون والمحللون لهذه الظاهرة يرون في هذه المكافأة عارضا للمرض النفسي أو انعداما لكل أمل في الحياة ويرون في هذا الخلاص خلاصا غير محسوب العواقب أو أنه خطأ في التقديرات وتصور لما هو غير قابل للتحقيق.
إنها ظاهرة الانتحار التي انتشرت بشكل واسع في محافظة الحسكة فلا يمر يوم إلا وتسمع خبر انتحار لشاب غالبا أو لعجوز كما طرأ من جديد على الظاهرة.
ما هو الانتحار
لن يختلف التعريف الأكاديمي عن تعريف العامة لهذا الفعل الهادف إلى إنهاء الحياة بغية الوصول إلى غاية معينة تختلف التصورات حولها فالبعض يهدف من وراء الانتحار إلى الخلاص من الهموم والراحة الأبدية والآخر يرجو من وراء هذا الفعل مكافأة اجتماعية أو إلهية متخيلة بعيدا عن الإدراك بأن الحياة ومقاصدها تنتهي بهذه النهاية.
وقد اقتصر بعض الباحثين على المعنى اللغوي في تعريفهم للانتحار حيث عرفه مكرم سمعان بأنه:”كل فعل أو أفعال يقوم بها صاحبها لقتل نفسه بنفسه وقد تم له ذلك وانتهت حياته نتيجة هذه الأفعال “, و ذهب بعض الباحثين في تعريفهم للانتحار إلى التمييز بين نوعين من الانتحار هما : الانتحار الحقيقي أي الموت الجسدي والانتحار النفسي الذي يعتبر نوعا من الانتحار غير الصريح حيث يزهد البعض الحياة تماما ويبغضونها وتدفعهم عوامل اليأس إلى تحطيم أنفسهم فيصابون بحالات مرضية فقد أعطى دور كهايم تعريفا للانتحار قائلا بأنه : ” كل حالات الموت التي تنتج بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن فعل ايجابي أو سلبي يقوم به الفرد بنفسه ” أي أن يقتل الإنسان نفسه متعمداً .
أما التعريف النفسي للانتحار فيقول بأنه:” نوع من العقاب الذاتي و الانتقام من الذات، و إلحاق الأذى للذات”.
أما التعريف الموضوعي فيعتبر الانتحار قرارا يأخذه شخص من أجل إنهاء حياته وينفذ هذا القرار بطرق مختلفة.
الانتحار هو فعل أخير لفقدان الأمل و قد يبدأ في شكل أفعال تمهيدية مثل السلوكيات الإدمانية و حسب فرويد فالانتحار هو نوع من أنواع القتل الذي يجد موضوعه في الذات الخاصة.
ما المراد من الانتحار
يقول خليل ( ناج من محاولة انتحار ):” قبل أن أحاول القيام بالانتحار فكرت مليا فيما قد يقوله الناس عني بعد انتحاري وكنت أسعد كثيرا بما كنت أتصوره من أقوال تمدح وتهتم, وأن الخبر سيكون مثار جدل وعلى كل لسان وسأحصل ولأول مرة على الاهتمام من قبل الجميع”,أما عفيف وهو الناجي من محاولتي انتحار متكررتين ( شاب في العشرينات من العمر يعمل في المطاعم ) فيقول:”لقد سئمت هذه الحياة فليس بإمكاني الحصول على شيء مم أرغب فيه ومع أنني سافرت للبنان للبحث عن عمل جيد ولكنني لم أستطع الحصول على مرادي وهدفي”.
وهنا يتبين بأن الانتحار يؤدي لثلاث وظائف أو أهداف فالانتحار الجسدي يعني أولا الهروب من وضعية مؤلمة غير مقبولة مهما كانت وثانيا العدوانية تجاه الذاتي أي عودة النزعة العدائية تجاه الشخص بحد ذاته و هذا يظهر عموما كعرض مهم في حالات المناخوليا.
وهو أخيرا نداء استغاثة ورسالة يائسة للمحيط المخالف أو المناقض كما يراه المنتحر أو الذي لا يستطيع المنتحر التأقلم معه.
الأسباب
يمكن اختصار أسباب الانتحار في كلمة واحدة هي ( البطالة ) وما يرافقها من عدم قدرة على التوافق مع المجتمع أو التأقلم مع المحيط الاجتماعي المميز عن الفرد المنتحر كما يراه هو, فمن الملاحظ بأن معظم المنتحرين في الحسكة هم من فئة العاطلين عن العمل أو الذين لا يجدون عملا يتلاءم مع إمكاناتهم فيقول الدكتور نعيم طالب:” إن هذه البطالة ليست إلا السبب الأساسي للانتحار فهي تدفع إلى حالة الاكتئاب التي هي السبب المباشر لهذه الظاهرة”.
ويضيف الدكتور عمر قاسم ( أخصائي أمراض نفسية ) :” إن حالة الاكتئاب هذه ربما تؤدي للانتحار إذا ترافقت بالجهل وانعدام الثقة بالنفس فليست حالات الاكتئاب كلها مؤدية للانتحار “وعن حالات انتحار الجامعيين يقول الدكتور عمر :” ليس بالضرورة أن تكون جامعيا لتكون واعيا لما يدور من حولك فالدراسة في الجامعة بعيدة عن الواقع المعاش أو تكون بعيدا عن المصاعب الدنيوية التي تثقل كاهل المرء, ويجب الانتباه إلى حالة عدم التأقلم بين المنتحر الجامعي والوسط الطلابي الذي يعيش بينه مم يؤدي إلى فقدان الثقة حتى بدراسته”وهنا كان لابد من إيراد بعض النماذج الطلابية التي وصلت لحدود الانتحار فيقول مطيع وهو طالب حقوق تخلى عن الدراسة في السنة الثالثة بعد نوع من الإحباط والاكتئاب الذي أصاباه ولم يعد قادرا بعدها على الاستمرار:” لقد فكرت بالانتحار ولكنني كنت خائفا من الأمر ولذلك قررت السفر كنوع من الانتحار والابتعاد عن الوسط الذي أعرفه” أما ت.ش وهو طالب حقوق سنة رابعة أراد في بداية امتحانات السنة الرابعة أن يمتنع عن التقديم ويرسب قائلا:” لقد أمضيت أربع سنوات في الجامعة وأنهيت دراستي إلى الآن بنجاح ولكنني لم أعرف صديقا أو رفيقا طوال دراستي وهذا ما أدى بي إلى التفكير بالرسوب لأنني أريد محاولة الاندماج مع الوسط الطلابي”والمعلوم بأن محاولة الرسوب ما هي إلا محاولة انتحار من نوع آخر.
رسائل ما بعد الموت
وتؤكد منظمة الصحة العالمية في دراسة لها بأن خمس المنتحرين يتركون رسائل من خلفهم تدل على انتحارهم وهذا ما يؤكد رغبة هؤلاء في كسب الانتباه والاهتمام ولو بعد الموت غير مدركين بأن هذه المكافأة غير مجدية بعد أن تكون الحياة قد انتهت فالبعض منهم يحاول الانتحار دون أن ينجزه تماما لكسب هذا الانتباه والاهتمام, والآخر يترك رسالة فتقول هالة :”لقد أنهيت رسالتي قبل أن أحاول الانتحار ولكنني بعد أن فشلت في التنفيذ أسرعت لإخفاء الرسالة والتي كنت أتمنى أن يقرأها كل الناس وليس فقط أهلي”.وحين انتحر أحد الشباب في أحد جوامع القامشلي فإن هذا المكان لم تكن وظيفته سوى إخبار الآخرين برسالة معينة أراد لها المنتحر أن تصل للناس.
أسباب ثانوية
وهناك أسباب ثانوية لهذه الظاهرة منها الفشل عاطفيا أو دراسيا أو بعض الأمراض النفسية والعصبية وهناك حالات من الهرب من العقاب الأرضي حين يقع المرء في ضائقة مادية مثلا فيقول أحد أقرباء السيدة ( ح. أ ) والتي انتحرت في سن الخامسة والخمسين :” لقد كانت هذه السيدة مصابة بعض الاضطرابات العصبية والنوبات التي كانت تراودها بين الفينة والأخرى وخاصة حين تنزعج من بعض الأمور”.
وهناك حالات انتحار متعددة ناتجة عن الفشل في العلاقات العاطفية فينتحر الشاب أو تنتحر الفتاة محاولة منهما لكسب انتباه الطرف الآخر فيقول أحمد :”لقد حالت الانتحار قبل ما يقارب العشر سنوات والسبب هو فشلي في علاقتي مع من أحب ولأنها رفضتني أردت أن أبرهن لها مدى حبي وقدرتي على منحها حتى حياتي ولكنني فشلت”.
الوقاية من الطعنة
ويؤكد معظم المحللين الاجتماعيين والنفسيين بأن الحل للقضاء على هذه الظاهرة يكمن في إيلاء الثقة لهؤلاء الناس الذين يحسون بالعزلة وبناء جسور العلاقات الحميمة بينهم وبين أقرانهم وهذا كله يتحقق عبر انشغال هؤلاء الأشخاص بأمور تمنحهم الأهمية الاجتماعية وتبعدهم عن الوقوع في خانة المهمشين فالشاب يحتاج للعمل والمسن يحتاج لعدم الإهمال بعد أن ينتهي دوره في بناء أسرته والقيام بجميع واجباته تجاه أفرادها فيقول الدكتور محسن أومري :” يجب البحث عن علاج عبر توفير فرص عمل تشغل هؤلاء الناس و تبعدهم عن التفكير في هذه الأمور السلبية التي تنتج عن الفراغ قبل البحث في علاج المكتئبين الذين ينتج مرضهم عن العوامل الأساسية كالبطالة والفقر وعدم الثقة بالنفس وعدم الاهتمام وهي نواتج البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة غالبا” ويضيف الدكتور جلال نوفل بأنه:”من المسائل الأساسية في تحصين المجتمع، تحسين الثقافة النفسية والصحة النفسية المجتمعية، وهذا له علاقة بشبكة أمان للصحة النفسية الموجودة، وهذا ما نفتقده في الواقع؛ فخدمات الرعاية الصحية النفسية في المجتمع يجب أن تكون متطوّرة في سورية، وأن تحظى باهتمام أكبر من أجل حماية الناس”وهنا لابد من معرفة أنه “لا توجد في الحسكة أية مصحات نفسية لعلاج حالات الاكتئاب قبل أن تتحول إلى حالات انتحار”كما يؤكد الدكتور حسين طرشة.

وحسب دراسة قامت بها منظمة الصحة العالمية، وصل عدد المنتحرين سنوياً إلى مليون ومائة ألف حالة، أي بمعدل حالتين كل دقيقة، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا العدد إلى مليون ونصف المليون بحلول عام 2020. ‏
أما محاولات الانتحار بين النساء فهي أكثر منها عند الذكور في حين أن الانتحار الفعلي أكثر بين الذكور.
وأكثر وسائل الانتحار استخداماً عند الإناث الأدوية والحرق أما عند الذكور فهي الأسلحة.
والملاحظ حسب الدراسة بأن خمس المنتحرين يتركون رسائل وعلامات تشير إلى انتحارهم.
ولقد كثرت حالات الانتحار في الحسكة في الآونة الأخيرة بما لا يدع المجال للشك في أن الظروف المادية وانعدام فرص العمل وما ينتج عنها من نتائج ملموسة في هذه المحافظة هي السبب في تفشي هذه الظاهرة, ولقد اختلفت أعمار المنتحرين وجنسياتهم ( ما بين ذكر وأنثى ) وأشارت الإحصائيات غير الرسمية إلى وجود حالة انتحار كل يومين خلال الشهر السادس من هذا العام كطفرة في تطور هذه الظاهرة التي يخشى من تصاعد وتيرتها مستقبلا.