الرئيسية » مقالات » تيمور طفل كردي هرب من الموت في (نقرة السلمان) واحتضنته عشيرة عربية

تيمور طفل كردي هرب من الموت في (نقرة السلمان) واحتضنته عشيرة عربية

تيمور مع حكنة دويج المرأة التي سهرت على رعايته في السماوة
“الانفال”.. تلك الجريمة سيئة الصيت التي هزت ضمائر العالم وايقظته من سباته العميق.. أحداث لجرائم لاتزال اصداؤها وقصصها تروى عن شهود عيان حقيقيين عاشوا جرائم الانفال وهي حقيقة أغرب من الخيال ماثلة بشخوصها الذين يروون تفاصيل الجرائم باليوم والساعة والدقيقة والمكان، عوائل كثيرة تم اعدامها بالجملة بلا رحمة وبلا ضمير، ولكن ارادة الله سبحانه ارادت ان تبقي على شهود الجريمة أحياء في منطقة “نقرة السلمان” بمحافظة المثنى
حيث نجا منها الصبي الكردي “تيمور” من عملية اعدام جماعي لعوائل كردية من نساء وأطفال، حتى احتضنته عوائل عربية أصيلة من عشائر الجنوب من أهالي السماوة وعرّضوا أنفسهم وعوائلم وعشيرتهم الى خطر الإبادة والموت على أيدي جلاوزة النظام المقبور.
وشهود العيان ليسوا الضحايا فقط، بل اناس اسهموا في فضح ممارسات النظام المباد.
التقينا عدداً من افراد عشيرة “عيشم” الزيادي من أهالي السماوة ليرووا قصة “تيمور” الحقيقية والتي هي أغرب من الخيال
وكيف جرت أحداثها عام 1988 في زمن النظام المقبور وشهودها هم الشيخ محمد كطيل عيشم وحسين فالح سفاح وخالد عبد عيشم وعوائلهم وعشيرتهم.
تحدث حسين فالح عن تفاصيل قصة تيمور الصبي الكردي الذي نجا من الموت المحتم بأعجوبة،
وقال في احدى ليالي عام 1988 جاء عمي الى خيمتنا وقال:
عثرت على صبي كردي يدعى “تيمور” حيث تمكن من الهرب من الموت المحتم من مقبرة جماعية كانت قد اعدت “قبل اعدام عوائل كردية كلها من النساء والاطفال” وهذا الطفل عندما وصل الى الخيمة حيث كانت الكلاب تنبح ما يعني وجود شيء خارج الخيمة فخرجنا جميعا مندفعين لمعرفة السبب، وكانت المفاجأة انه صبي عمره 10 سنوات ويرتدي زيا كرديا مغطى بالدماء ومصاب باطلاقة نارية بكتفه وجروح اخرى في انحاء جسمه، وكان خائفا ومرعوبا، فقمنا بخلع ملابسه الكردية واحرقناها وذلك لان السلطات لو علمت به لقتلته وقتلنا جميع وعالجناه بالطب الشعبي لدينا لاننا في صحراء ولاتتوفر رعاية طبية أو مستوصف.

ويضيف حسين قائلا:
لذلك قمنا في الليلة نفسها بنقله الى قرية قريبة من السماوة كي نعالج الجرح ونخرج الاطلاقة من كتفه.. وتابع:
قبل ان يصلنا هذا الصبي ليلا كنا نلاحظ في وقت العصر وجود حركة غير طبيعية قرب سجن نقرة السلمان
حيث الحفارات تحفر وتعمل سواتر وكنا نظن انها ممارسات عسكرية
بعدها سمعنا اطلاقات نار بكثافة وكنا نظن انه تمرين عسكري ولكن الحقيقة كانت عملية اعدام جماعي لعوائل كردية من النساء والاطفال..

واضاف حسين وفي ذلك الليل الحزين اجتمع والدي مع أعمامي الستة في منطقة آل عيشم وفي منزل الشيخ محمد ابن عمي حول كيفية الحفاظ على هذا الصبي لأن سلطات صدام آنذاك لو علمت بوجوده فانها كانت ستقتل كل من في القرية بمن فيهم الطفل لذلك قرروا ان يبقى “تيمور” في دارنا وتمكنوا من احضار احد الاطباء وائتمنوه على سر الطفل
وتم علاجه لمدة ثلاثة اشهر، وفي هذه الفترة كانت اوضاعنا صعبة في القرية بسبب هروب معظمنا من الخدمة العسكرية لعدم قناعتنا بحروب صدام حيث كان يرسل الدوريات المختلفة
ويتم نصب سيطرات من قوات الامن والشرطة والاستخبارات
والمخابرات والحزبيين والجيش الشعبي، كذلك كانت تلك القوات تقوم بعمليات دهم على قريتنا بحثا عن الهاربين، وكنا نخاف على “تيمور” بالرغم من انه لايعلم احد بقضيته غيرنا.

ويضيف حسين قائلا:
لذلك قرر ابن عمي فاضل نقله الى مكان آخر لعلاجه ونقله بواسطة “تراكتور” ووضع فيها خمس قطع اسفنجية كبيرة كي يستلقي عليها “تيمور” اثناء نقله لان المنطقة وعرة جدا وهو ينزف، وهكذا نقله الى منطقة تبعد عن القرية بـ10 كم كي يكون بعيدا عن منطقة تتعرض للتفتيش عن الهاربين من الجيش، وهكذا كانت مشيئة الله ان يبقى تيمور على قيد الحياة ليشهد ضد صدام بنفسه في محكمة الانفال.

واكمل الشيخ محمد كطيل عيشم شيخ العشيرة ما بدأه حسين حيث قال:
وهكذا اقترح والد حسين فالح أن يأخذ تيمور الى المدينة، وهكذا أخذناه الى البيت وقام احد اقربائي بعلاجه ولم نكن نعرف ما هي الآلام التي يشكو منها ولكننا نشعر بها، واستمرت الحالة الى ان شفي تماما.
ويسترسل بالحديث للشيخ محمد ويقول:
كان لوالدي صديق كردي مقيم في السماوة منذ اكثر من 15 عاما وطلب منه شخصيا المساعدة في كتمان السر وقال له والدي
ان هذا الطفل وحياته أمانة في أعناقنا واريدك ان تساعدنا في ترجمة اقواله وحاجته ووافق صديق والدي وتمت مقابلتهم معا وتحدثا وتعانقا وبكى الجميع بعمق لهذه الحالة المأساوية
بعد ان عرفوا حقيقتها التي ألمت بضحايا الانفال ومن ضمنها والدة تيمور واقاربه.

واضاف قائلا:
ترجم لنا صديق والدي الاحداث التي مر بها “تيمور”
واخبره بان قوات النظام السابق ألقت القبض عليهم جميعا “النساء والاطفال”
في السليمانية وتم نقلهم الى نقرة السلمان حيث كانت الشفلات تعمل على حفر خنادق كبيرة لتكون مقبرة لهم وتم رصفهم بشكل جماعي ورموا بالرصاص عشوائيا ثم بدأت الشفلات بدفنهم ودفن العديد من الاطفال احياء.

وعن كيفية نجاة تيمور من الموت قال:
ان والدته احتضنته مع شقيقه قبل لحظات من اعدامهم وقد حالفه الحظ ان يكون في نهاية الحفرة ولم يدفن بعمق بل غطي بالتراب بصورة جزئية ما سمح له بالتنفس حتى بعد ان انتهى الاعدام والدفن وذهب الجلادون،
وقال تيمور انه تمكن من ابعاد التراب عنه شيئا فشيئا وحل الظلام وتوجه الى حيث القرية مشيا على الاقدام وهو مضرج بدماء الضحايا.

من جهته قال خالد عبد عيشم:
ساورتنا الشكوك والخوف بعد ذلك من ان ننفضح ويكشف سرنا من قبل الشرطة والامن والحزبيين والجيش وغيرهم،
لان السلطات اذا علمت آنذاك فانها كانت ستبيد المنطقة بأكملها،
وكان “تيمور” كثير البكاء والخوف ويردد اسم والدته رحمها الله،
وكنا نتحدث معه ونقول له ان اهلك شهداء وهم الآن جميعا في جنات الخلد، وهكذا بقي “تيمور” يعيش ظروفا نفسية صعبة اكثر من 7 اشهر حتى كنا نمازحه لانه عند عودتي من المدرسة اجد ان البيت كلهم يبكون مع هذا المسكين.

ويضيف قائلا:
كانت شقيقة حسين مدرسة وجلبت له الكتب لتدريسه اللغة العربية كي يخرج للشارع ويتحدث بشكل طبيعي كي لا يعرف عناصر النظام هويته،
ووفرنا له الكثير من اجواء الراحة النفسية ونعامله كفرد من العائلة ووفرنا له الالعاب والتسلية كي ينسى ما حصل لأهله وهكذا بدأ يجيد اللغة،
واتذكر انه كان يكره احدى الالعاب التي جلبتها والدتي له وهي عبارة عن “شفل”
فكان يمسك بالشفل ويحاول تقطيعه باسنانه ويكسره الى قطع لانه كان يتذكر كيف دفن بالشفل.

ويسترسل حسين بالحديث ويقول:
مرت فترة وبعدها تركناه يمارس حياته كطفل يلعب الكرة ويحتك بالاطفال وبدأ الناس يسألون عنه فاخبرناهم ان والدته متوفية وسيعيش معنا في البيت كأخ لي
وهكذا اقتنع الناس بهذه القصة واستمرت حياته حتى بعد ثلاث سنوات.
ويضيف:
هكذا قررنا ان يعيش معنا الى الابد
لاننا لم نتوقع ان يسقط نظام صدام
وكنا نتوقع ان يورثه “عدي وقصي والعشيرة”
وقد اصبح تيمور فردا من العائلة وهو هبة من السماء لان لدي 7 شقيقات واصبح تيمور شقيقي
واصبح القلق والخوف يساورنا كلما وقفت سيارة للشرطة او الامن في المنطقة ونشك بانهم علموا بالامر..

وتابع حسين:
لقد كانت قصة تيمور وواقعته حدثا مهما لتحمل قضية شعب بعربه وكرده، كان النظام البائد يقتل ويدمر ويحرق كل شيء ولا يميز بين كردي وعربي..
واليوم نحن الآن في احضان كردستان لنحمل قضية الاكراد والعراقيين جميعا ليشاهد ويسمع العالم مرة اخرى حجم المأساة التي عاناها الشعب العراقي بعربه وكرده وقومياته وطوائفه كلها.. لقد اصبح تيمور رمزا لعلاقات المحبة والخير بين العرب والاكراد وليعيد الى الاذهان قصة شعب ضحى بالكثير لينال حريته من الدكتاتورية المقيتة.
ويضيف:
لقد مضت مدة وبدأ يحن الى اهله واعمامه في منطقة “كلار”
ورغب ان يزورهم وهذا الأمر قبل احداث عام 1991 اي قبل الانتفاضة في كردستان ولان شقيق فاضل كان يعرف السليمانية جيدا واعطاه تيمور عنوان اعمامه فذهب هناك للبحث والسؤال عن اهل تيمور ولكن بخوف وتوجس وحذر من جلاوزة النظام المنتشرين في كل مكان،
وهكذا وجدوا العنوان والقرية وقالوا لاهله انهم عثروا على طفل في الشارع واخذنا عنوانه واسمه تيمور احمد عبدالقادر واقر اعمامه انه ابن اخيهم، ثم عدنا الى السماوة وجئنا به الى “كلار” ولكننا خوفا من ان ينكشف امره
وان لا يكون هؤلاء اعمامه فعلا عملنا له فتحة من السيارة وقلنا له انظر من السيارة هل هؤلاء اعمامك فنظر اليهم وقفز فرحا..
وهكذا قابلهم فرحا مستبشرا بعودته الى دار أهله وكانت لحظات الفرح والبكاء والدموع تمتزج معا..
وهكذا عاد الى اهله واصبحت لدينا مشكلة كيف سنفارق تيمور الذي عاش معنا وكانت لحظات وداع صعبة جدا لنا ولاهل القرية النساء والاطفال والشباب والرجال.
وهكذا مر اكثر من شهر ثم عاد تيمور الينا محملا بـ”جوز” السليمانية الذي جلبه من هناك ووزعها علينا وعلى اهل القرية وبقي 21 يوما وعاد الى السليمانية قبل الانتفاضة الشعبانية وبعدها عرفنا انه غادر الى امريكا والتقى بالصدفة بشقيقي وزوجته في ولاية ميشيغان، ونحمد الله ونشكره.
بعد كل تلك السنين حضرنا الى كردستان والى السليمانية ونقف مع اخوتنا الاكراد في كل مناسبة وحدث ولن يفرقنا الزمن فنحن اخوة واشقاء والى الابد.