الرئيسية » مقالات » أنطون بانيكوك 1952 سياسات غورتر*

أنطون بانيكوك 1952 سياسات غورتر*

في مقالة في الثورة البروليتارية العدد رقم 50 ( أيار مايو 1951 , ص 171 ) تحدث فيها س. تاس عن هيرمان غورتر , وصفه على أنه كانت له “سياسات سيئة إلى حد ما” . يبدو من الضروري أن نعدل هذه المقالة ببعض الملاحظات عن الخاصية الإيجابية لسياسات غورتر .
أصبح غورتر عضوا في الحزب الاشتراكي حيث اكتشف و درس الماركسية . من يومها تمسك بقناعة أنه يمكن للبروليتاريا أن تحوز إدارة المجتمع فقط من خلال الصراع الطبقي ضد البرجوازية , و أنه بهذه الطريقة يمكنها أن تدمر الرأسمالية . كان يومها يرى , مثل كل الجناح الراديكالي للحزب , أن السياسات البرلمانية الجيدة قد تكون وسيلة فعالة لتنظيم الجماهير العاملة , لإيقاظ وعيها الطبقي , و من خلالها , لزيادة قوتهم في مواجهة البرجوازية المهيمنة . بالنسبة له كان على الاشتراكي في البرلمان أن يعارض بقوة السياسيين البرجوازيين , ممثلي الطبقة المهيمنة . سيكون من سوء الفهم أن نقول أن هذه السياسات هدفت إلى تغيير العالم بضربة واحدة . كان هدف هذه السياسات زيادة قوة البروليتاريا بحيث أنه من خلال سلسلة من المعارك ستصبح قادرة على امتلاك السلطة . و قد وجد هذا الموقف الراديكالي أفضل تجسيد له في سياسات الحزب الاشتراكي الألماني .
عارضت الإصلاحية هذا الموقف , التي أرادت تحقيق إصلاحات لتجعل الرأسمالية أكثر احتمالا , من خلال مساومات مع بقية الأحزاب . في البلدان الغربية , و بسبب التطور الأطول و الأكثر بطأ للرأسمالية , كان الانقسام الطبقي قد رسم بطريقة أقل حدة مما كان عليه في ألمانيا , بسبب الصعود المحموم للرأسمالية الصناعية . لذلك سيطرت الإصلاحية عموما على النشاط العملي للأحزاب الاشتراكية . كان نضال الماركسيين الهولنديين , الذي كان غورتر ضمنه , موجها ضد هذه الممارسة لأنهم كانوا إلى جانب الرأي القائل بأنه لا يمكن تحقيق الإصلاحات من خلال براعة (أو خداع ) السياسيين , بل فقط من خلال قوة الطبقة العاملة . حالفهم النجاح فقط لمرة واحدة . لكنهم طردوا في النهاية . أما في بقية البلدان الغربية , لم يكن هذا ضروريا حتى , فقد انتزعت إصلاحية أعضاء البرلمان , “السياسات الجيدة” , السيطرة المطلقة . إذا ما تأملنا اليوم في نتائج هذه السياسات , فإننا نرى أن الرأسمالية بعد نصف قرن من الإصلاحية , أكثر قوة من أي وقت مضى و أن المجتمع مهدد بالهلاك , بينما على العمال أن يواصلوا الكفاح من أجل كسرة الخبز .
في ألمانيا , استمرت الإصلاحية في اكتساب المزيد من النفوذ في الممارسة , رغم أن هذا لم يجر الاعتراف به نظريا في مواجهة قوة الصراع الطبقي . ولدت هنا القناعة , بين الماركسيين و الدوائر الأكثر تقدمية من البروليتاريا أنه لا يمكن للمرء الوصول إلى السلطة من خلال الوسائل البرلمانية فقط . لإنجاز هذا الهدف لا بد من نضالات الجماهير , العمال أنفسهم . اتخذ الحزب قرارات بصدد الإضراب العام و بدأنا مظاهرات من أجل المطالبة بحق التصويت . لقد أرعب مدى و قوة هذه النضالات زعماء الحزب حتى أكثر مما أخاف الطبقة المهيمنة نفسها , فأنهوها خوفا من النتائج و وجهت كل القوى نحو الانتخابات و السياسات البرلمانية . أقلية فقط , “اليسار المتطرف” , استمرت بالدعاية دفاعا عن نضالات الجماهير . استطاعت البرجوازية الألمانية , بسلطتها الوطيدة , التحضير للاستيلاء على السلطة العالمية دون أن تواجه أية عقبة . بالطبع , كان غورتر إلى جانب اليسار المتطرف , التي كانت سياساته تتطابق مع سياساته نفسها .
بعد هذا كان خطر الحرب يزداد بشكل غير مسبوق على الإطلاق . نظم الاشتراكيون و دعاة السلام من فرنسا و ألمانيا مؤتمرا للسلام في بازل عام 1912 . تليت خطابات بديعة و مهيبة ضد الحرب . ذهب غورتر نفسه إلى هناك ليثير نقاشا حول الوسائل العملية لمواجهة الحرب , مفوضا من قبل عدد معين من عناصر اليسار , اقترح قرارا يجب بموجبه على العمال , من كل البلاد , أن يناقشوا خطر الحرب و أن يفكروا بإمكانية القيام بنضالات جماهيرية ضدها . لكن لم يسمح له بالكلام . رفضت قيادة المؤتمر أي نقاش عن الوسائل أو الأساليب . لقد تصرفت , بشكل مفترض , بحيث لا تؤثر على الانطباع عن وحدتنا المفروضة فرضا . في الواقع كانت تخاف من نتائج نضالات جماهيرية كهذه . الحكومات , التي لم تنخدع بالمظاهر , عرفت الآن أنه لا توجد مقاومة جدية تنتظرها من قبل الأحزاب الاشتراكية . “السياسات السيئة” لغورتر التي أرادت منع وقوع الحرب بكل الوسائل استبعدت , و بقيت “السياسات الجيدة” لسياسيي الحزب هي المسيطرة و فرضت نفسها على البروليتاريا و سرعان ما قادت أوروبا إلى أول حرب عالمية .
في هذه الحرب كشف السياسيون الاشتراكيون عن حقيقتهم التي طالما كانت هناك دائما بشكل أساسي : و هي أنهم سياسيون قوميون , أو بكلمات أخرى , سياسيون برجوازيون . لقد دعموا في كل بلد حكومتهم الخاصة , و ساعدوها في احتواء العمال و خنق أي مقاومة للحرب . كل هذه كانت هي السياسات الجيدة لسياسيين بارعين . تشكلت “السياسات الرديئة” لغورتر من محاولاته في كتيباته عن الإمبريالية و الثورة العالمية , ليخبر العمال عن أسباب الحرب و الحاجة إلى الثورة بعد الحرب .
في عام 1918 عندما انتهت الحرب , اندلعت الثورة في ألمانيا . أو لنكون أكثر دقة , اندلعت في كيل في السادس من نوفمبر تشرين الثاني , و بعد ثلاثة أيام اندلعت الثورة المضادة في برلين , جاء إيبرت , زعيم الحزب الاشتراكي إلى الحكومة ليقمع حركة العمال الثوريين , بالاشتراك مع الجنرالات . كان غورتر بطبيعة الحال إلى جانب كارل ليبكنخت , روزا لوكسمبورغ و السبارتاكيين ( أعضاء اتحاد سبارتاكوس اليساري الألماني الذي مثل الجناح اليساري من الحركة العمالية الألمانية – المترجم ) … جرى القضاء على حركة العمال من قبل الجيش , أعدم كلا من ليبكنخت و لوكسمبورغ . كان إيبرت , نموذج السياسي الاشتراكي ظافرا , فمن خلال السياسات الجيدة أعاد البرجوازية إلى السلطة في ألمانيا و كان رئيسها الأول .
في عام 1917 قضت الثورة الروسية على القيصرية و جاءت بالبلاشفة إلى السلطة . ثار العمال في كل بلد و تشكلت مجموعات شيوعية . كان غورتر بالطبع و على الفور إلى جانبهم بكل قلبه . رأى هذا كبداية للثورة العالمية , و في لينين قائدها الأعلى , رأى في حركات الإضرابات في روسيا بدايات شكل جديد من العمل المستقل للعمال , و في السوفيتيات بداية شكل جديد من تنظيم البروليتاريا الثورية . لكن الخلاف سرعان ما ظهر . عندما حالت هزيمة السبارتاكيين دون قيام الثورة العالمية , سعى لينين للعودة إلى التكتيكات البرلمانية لينتصر على الجناح اليساري للأحزاب الاشتراكية . عارضت غالبية الشيوعيين الألمان هذا . لكن جرى طردهم , و ضدهم كتب لينين كتيبه عن “المرض الطفولي” . عنى تصرف لينين نهاية الثورة الروسية كعامل إيجابي في الثورة البروليتارية العالمية . رد غورتر , كناطق باسم هذه المعارضة , ب”رسالته المفتوحة إلى لينين” ( 1 ) . مفهومان مختلفان مبدئيا كانا يتعارضان في هذين العملين . كان لينين سياسيا عظيما , أكثر بكثير من معاصريه الاشتراكيين , لأنه كانت له مهام و أهداف أعظم . كانت مهمته التاريخية , كقائد للحزب البلشفي , النهوض بروسيا من شكلها البدائي و الزراعي للإنتاج نحو التصنيع , بواسطة ديكتاتورية اجتماعية و سياسية قادت إلى اشتراكية الدولة . و لأنه كان يعرف الرأسمالية من الخارج فقط و ليس من الداخل , فقد اعتقد أنه من الممكن تحرير عمال العالم بجعل بعضا منهم القوى النظامية ل”لحزب الشيوعي” . منذ ذلك الوقت كان عليهم فقط أن يتبعوا المثال الروسي . رد غورتر بأن الثورة في روسيا كانت قادرة على الانتصار فقط بفضل مساعدة جماهير الفلاحين , و أن هذه المساعدة بالتحديد هي ما كان ينقص في الغرب , حيث كان الفلاحون أنفسهم ملاكا . في روسيا كان من الضروري فقط التخلص من الاستبداد الآسيوي المتداعي . في الغرب كان العمال يواجهون القوة الهائلة للرأسمالية . يمكنهم أن يحرروا أنفسهم منها فقط إذا رفعوا بأنفسهم من مستويات القوة الثورية , و الوحدة الطبقية , الاستقلالية و الذكاء . بعد ذلك انتهت سياسات لينين بشكل منطقي إلى الستالينية في روسيا , لقد قسمت البروليتاريا في الغرب و تحولت إلى حالة عقيمة من خلال الثورية الزائفة المتعصبة و المتفاخرة للحزب الشيوعي . في الأعوام التي بعد 1920 , عمل غورتر , بالاشتراك مع مجموعات صغيرة من اليسار المتطرف , على إيضاح فكرة تنظيم مجالس العمال و تعاونوا بالتالي بصدد الإحياء المستقبلي للنضال الطبقي للبروليتاريا . في هذه الأثناء انشغل السياسيون الاشتراكيون من الأممية الثانية , كأعضاء في البرلمان و وزراء , في إنقاذ الرأسمالية المفلسة لصالح البرجوازية , لكن على الرغم من ذلك دون أن يوقفوا الأزمة أو أن يكونوا قادرين على تشويش الانقسامات الطبقية . بهذه الطريقة مهدوا الأرضية لظهور هتلر و الحرب العالمية الثانية .
إذا قمنا بنظرة على كل التاريخ السياسي للقرن الماضي , فإننا نرى باستمرار التعارض بين منهجين ( طريقتين ) سياسيين , اللتين هما تعبير عن الصراع الطبقي . لماذا تسمى واحدة بالجيدة و الثانية بسياسات سيئة ؟ السياسة هي فن الهيمنة على البشر . يسعى السياسيون البارعون إلى إصلاح , بكلمات أخرى إنهاء نزاع النظام القديم للهيمنة القديمة و المتداعية , أو , عندما يكون انهياره حتميا , إقامة نظام جديد للهيمنة . هذا ما يسمى بسياسات جيدة . يسعى آخرون لمساعدة الجماهير المستغلة للحصول على القوة ليخلصوا أنفسهم من الاستغلال و الهيمنة . هذا هو ما يسمى بالتعابير البرلمانية سياسات سيئة .

أنطون بانيكوك

ملاحظات
( 1 ) هذا قلب للحقيقة عندما يشير تاس إلى كتيب لينين على أنه “رد رائع” على كتيب غورتر . لقد جرى عكس تتالي هذين العملين تماما .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/archive/pannekoe/index.htm


* هرمان غورتر ( 1864 – 1927 ) شاعر و مفكر هولندي , كان عضوا في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الهولندي منذ عام 1890 , و كان ضمن المجموعة الماركسية التي طردت من الحزب عام 1909 و شكلت الحزب الاشتراكي الديمقراطي , عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عارض الطريقة التي وضع فيها قادة الحزب أنفسهم بتصرف برجوازيتهم , و شدد في كتابه الإمبريالية , الاشتراكية الديمقراطية و الحرب العالمية , على أنه لا فرق بالنسبة للعمال أي من الإمبرياليات المتصارعة سينتصر في الحرب , و عندما قامت الثورة الروسية كان من أنصارها المتحمسين , في تشخيصه , مع صديقه بانيكوك , للثورة الروسية اعتبر أن تأثير الأغلبية الفلاحية أكبر من تأثير العمال الأقل عددا و بالتالي فهي ثورة برجوازية , ذهب غورتر عام 1921 بشكل غير شرعي إلى موسكو لحضور المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية حيث نشر لينين كتابه الجناح اليساري للشيوعية : مرض طفولي , فرد عليه غورتر برسالته المفتوحة إلى الرفيق لينين حيث اعتبر السوفيتيات , مجالس العمال , إنجازا لحركة العمال نفسها لا لمنظريها , و اعتبرها الشكل الذي وجد فيه الوعي العمالي تعبيرا عن نفسه , عندما اكتشف العمال أن البرلمانات و النقابات تقف في وجه فعلهم المستقل , مات غورتر في بروكسل عام 1927 .