الرئيسية » مقالات » لماذا قرأت أدونيس …؟

لماذا قرأت أدونيس …؟

” في مديح أدونيس ”
( اصعد مع الضوء لكي تقرأ الآخرين , واهبط معه لكي تقرأ نفسك )
بقلم : الشاعر إسماعيل كوسا :
– 1 –

إنه أدونيس الخطر …
منذ زمن بعيد أحاول الكتابة عن هذا الشاعر الإشكالي , مالئ الدنيا وشاغل الناس , لكنني في نفس الوقت أخاف مقاربته , فلن اخفي سراً هنا , إلا هو إنني أعيش منذ سنوات تحت سطوة قصائده اللذيذة وآراءه وأفكاره المدهشة وهو الذي أنقذ الشعر العربي من الاضمحلال والموت , فمنذ نصف قرن مضى وحتى يومنا هذا , أصبح هو بحد ذاته إشكالية كبيرة في قلب الثقافة العربية , مما أعطاه دفعات قوية , في مناقشة وإثارة كل القضايا العالقة والمتعلقة بهذه الثقافة بالذات فمن قضايا التراث والثابت والمتحول فيه , إلى القضايا التي تخص الشعر والشعرية ومسائل الحداثة إرباكاتها ,وانفجاراتها ,إشكالاتها وتعقيداتها , ثم حتى إثارة القضايا السياسية التي تهم أمته , فلقد ناقش كل هذه المسائل برؤية مثقف كبير وشاعر كبير أيضاً .أدونيس ابن قرية جبلية في شمال سوريا اسمها ” قصابين ” تعرف من خلال والده إلى الشعر العربي منذ كان في التاسعة من عمره, ولم تكن في قريته الجبلية تلك مدرسة ,لذلك كان يمشي عدة كيلومترات يوميا للدراسة والتعلم وكاد مرة أن يغرق في النهر لولا أن يد القدر أنقذه في اللحظة الأخيرة من الموت ,قرأ قصيدة أمام رئيس الجمهورية السورية أديب الشيشكلي فكافأه بالدخول إلى المدرسة الفرنسية وهكذا تابع دراسته , انه كالنبع الذي لا ينضب ولا يجف والحداثة هو مشروعه الشعري والتساؤلي معا , اللغز , الرمز الإيحاء , اللغة المجازية , الصور المركبة . إلى آخره , هذه كلها بريق القصيدة المستقبلية لديه وهنا تحديدا يكمن إشكالية الخطاب الشعري عنده , يحلل أدونيس كثيراً علاقة الذات الشعرية بالأخر الشعري فيوضح بأنه لا يمكن فهم الذات فهماً صحيحاً ومبنياً على أسس صحيحة بمعزل عن فهم الآخر فهماً صحيحاًً , ويذهب في القول أن نبذ الآخر يضعنا في متاهة كبيرة مع ذواتنا , وبإسهاب مطول , ويعطي الإبعاد المعرفية الكاملة لهذه العلاقة المبتورة في المشهد الثقافي بطوله وعرضه .
– 2 –
يكتب أدونيس منذ سنوات وباستمرار في صحيفة الحياة زاويته بعنوان ( مدارات ) يكتب عن ضمير العربي النائم , في سبات عميق , عن الأقلام التي تسيل دمها هدرا, كفرا , ويحلل الثقافة العربية السائدة ( ثقافة السلطة والقمع والتكفير والرقابات ) تحليلاً جوهرياً عميقاً يضع إصبعه على الجرح العربي النازف (من محيطه الهادر إلى خليجه الثائر ) .إنه هو أدونيس الذي يختبئ في نارنجه الدمشقي تسود كتاباته السجالية البعد المعرفي والإنساني , فهو أكثر حناناً وبراءة ,ورقة مع اللذين هم أكثر قسوة عليه وباحثه هنا , هو الباشق الذي ينظر إلى البعيد , فلا يعيب أمثالنا أن نكون من تلامذته , نأخذ من بحار معارفه نطور ونغير , كما نريد ففي حوار أجرت معه في مجلة ” الطريق ” الناقدة يمنى العيد يقول عن الادونيسيين ( ليس الادونيسيين هو من يقلد أدونيس , بل هو من يتفهم تجربته , ولغته الشعرية , وينفذ عبرها محاورا لها أو متقاطعا معها نحو عالمه الخاص به ) .
-3-
في كتابه المهم (الثابت والمتحول ) , يحث في الابداع والإتباع عند العرب ( أربعة اجزاء ) يسبر عميقاً أغوار الشعر والفكر العربيين , محللاً ومستقصياً في حالة الشعر وبؤرتها المتوترة .مكتشفاً بذلك الإبداع الحقيقي عند العرب مؤكدا على المتحول منه ( المتنبي , أبو نواس , ابو تمام , المعري ) فما قدمه من أراء خلال كتابه هذا يدل على عمق رؤيته وثقافته , كما يدل على انه باحث متمكن من أدواته , ثم يبين انه منظر لا مثيل وخاصة في دراسة التاريخ الأدبي والفكري عند العرب بإضاءة وكشف , فادونيس يقرأ النص أولا , ثم يقوم بدراسته وتحليله ومن وجهة نظره الخاصة ثانياً فما نستخلصه من آراءه في هذا الكتاب القيم , أن المؤسسة الدينية عند العرب والتي هي نفسها كانت تمثل المؤسسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية , التي كانت تتحكم بجميع مقاليد الأمور ( السلطة تحديدا ) أخرجت الشعر من سياقه الإبداعي والتاريخي معا ولم ينظر إليه لا بوصفه أبداع وخلق ورؤيا وهذا ما اثر في الشعر تحديدا حتى اليوم , لذلك يمكن القول أن أدونيس مكتشف بارع لحالة الشعر الحقيقية عند العرب , فهمنا كشف البعد الإنساني والكوني للشعر العربي وبكشف أيضا عمقاً هو مخفي وقابع في الظلام ..
– 4 –
ينطلق مفهومه التراثي إذا من منظور الثابت والمتحول , بمعنى في التراث ما هو جميل ومبدع وحتى وما هناك ممكن الاستغناء عنه وميت فيه , طبعا لا يمكن مناقشته رؤية أدونيس للتراث العربي والإنساني معاً , في هذه الفسحة القصيرة والضيقة معاً.والشعر قضيته الأساسية فهو ينظر إلى العالم والأشياء والكون من خلال القصيدة ومن خلالها أيضا ينفذ إلى كل شيء فهو والقصيدة توأمان على مسرح المرايا للاحتفاء بالأشياء الواضحة والغامضة في زمن الحصار , ليخلق أبجدية ثانية عندما تقول الأرض ذاتها في أغاني مهيار الدمشقي هذا هو اسمه وهذا هو أدونيس ( الشاعر العظيم والإنسان النبيل ) على حد تعبير ” صخر ابو فخر” .
– 5 –
الأفق الشعري عند أدونيس أفق واسع ومعقد وقابل للمناقشة باستمرار , انه لا يضع الشعر ضمن قوالب جاهزة ( الوزن والقافية … الخ كما وضعها سابقاً ( قدامة بن جعفر ) , انه ينظر إلى الشعر على انه ( ميتا فيزياء الكيان الإنساني ) انه رؤيا في اللامتناهي تجليات في الجمال فهو يؤكد على الشعرية وعلى الحضور الشعري دائماً .
( يجدر بكل شاعر حقيقي وبخاصة في هذا الزمن البائس أنا يتوجه بشعره لا إلى الجمهور بل إلى الوعي ) .وهو في شعره قبل تنظيراته ثورة ثقافية في الفكر العربي فبعد ما هدم أدونيس الشكل القديم للشعر , أبدع وخلق إشكالا جديدة له ..
– 6 –
اصدر مع يوسف الخال مجلة ( الشعر) في نهاية الخمسينيات ليكون منبراً لطرح مشروعه الحداثي والنقدي معاً متأثرا بأفكار( هيراقليطس ) ونيتشه والمتصوفين , ثم جاءت مجلة ( مواقف ) تكبر معه لكنها شاخت قبله استطيع القول أن لا احد قدم الشعر العربي للعالم والآخر كما قدمه هو في تجلياتها المبدعة , أدونيس كان فاتحة لنهاية القرن لم يجيء لا بالحروب والكوارث والويلات والينا ثم صار فاتحة لبداية قرن , مازال هي طور البحث والمغامرة والتساؤل ..إشكالية أدونيس الأساسية انه ينظر إلى المستقبل دائما مستوعبا الماضي والحاضر معا من هنا ستكون أهمية مشروعه في المستقبل أكثر بكثير من أهميته الآن …!!
– 7 –
هو قال عند زيارته لكردستان العراق بما فيه الكفاية لذلك لم أقول شيئا , لكل الذين اعترضوا على هذه الزيارة من وأهمي القومية العربية فقط علينا – نحن الكرد – أن نستفيد من كل أرائه وتنظيراته وبحثه في الابداع والفكر … لهذا قرأت أدونيس سابقاً , وسأقرأه دائماً ..