الرئيسية » شؤون كوردستانية » إنتخابات كوردستان والتجربة الديمقراطية..!

إنتخابات كوردستان والتجربة الديمقراطية..!

الخامس والعشرون من تموز/2009 سيكون يوماً منيراً ومشهوداً في التأريخ الحديث للشعب الكوردستاني في العراق، وعلامة مضيئة في مسيرة التأريخ العراقي الحديث، بعد عقود من القهر والخراب والإضطهاد التي تعرض لها الشعب الكوردستاني في العراق، لما يزيد على قرن من السنين..!

في هذا اليوم سيخوض الشعب الكوردستاني في العراق، تجربته الديمقراطية في إنتخاب ممثليه الى مجلس النواب لإقليم كوردستان، وسينتخب ممثله الى رئاسة الإقليم، وبنجاح هذه التجربة الفريدة، سيثبت هذا الشعب النبيل، ليس فقط قدرته في مواجهة المحن والمآسي التي تعرض لها حسب، بل وإستعداده منقطع النظير، الى السير بخطى ثابتة في بناء مستقبله الزاهر وتقرير مصيره في إجواء الحرية والديمقراطية، في ظل عراق حر ديمقراطي تعددي فدرالي..!

إن تجربة السنوات الست بعد التغيير في عام/2003، قد منحت الشعب الكوردستاني في العراق الكثير من العبر والدروس والتجارب، فيما ينبغي أن يكون عليه نظام الحكم وشكل مؤسساته، ورسمت له الطريق بعد طول معاناة وألم وتشريد وإبادة بشرية؛ كيف ينبغي عليه أن يتمتع بحريته، وأن يبني مستقبله في أمن وإطمئنان، وكيف ينبغي عليه أن يعوض سنوات الحرمان والجوع والفاقة، ومنحته القدرة على إختيار الطريق الصحيح في إسماع صوته الى الآخرين وإلزامهم بسماع رأيه وإقرار إرادته، وألهمته الحكمة والمعرفة اليقينية، بأن الطريق الأصلح لحكم نفسه، هو طريق الديمقراطية مبدأً وممارسة فعلية، بعيداً عن العشائرية، والشمولية الإستبدادية..!

الكرة الآن في ملعب الشعب الكوردستاني في العراق، للإختيار الصحيح في إيصال ممثليه الى البرلمان، من بين منافسة حادة وصراع متواصل، بين تيارات سياسية متباينة في وجهاتها وطموحاتها، وذات قدرات وإمكانات متفاوتة؛ بين كتل وتحالفات سياسية كبيرة تمتلك القدرة والمقدرة والجاه والمال والسلطة، مستفيدة من وجودها في دست الحكم لفترات طويلة، مما يسمح لها من إستخدام أجهزة وأدوات السلطة، وفي مقدمتها وسائل الإعلام، في الدعاية الإنتخابية؛

وبين قوى سياسية وإحزاب لاتمتلك من هذه الإمكانات شيئاً يضعها في موقف المقارنة مع تلك الأخرى، عدا ما تمتلكه من شرف الكلمة والإلتصاق بكادحي الشعب، وما تبرزه برامج قوائمها الإنتخابية، من وعود بالإلتزام بتحقيق ما يمكنها تحقيقه في هذه المرحلة الإنتقالية من مطاليب جماهيرية، تهدف الى رفع المستوى المعيشي للسكان ومكافحة البطالة والوقوف الى جانب الإصلاحات التي تأخذ بيد المرأة الكوردستانية في العراق، وتفتح لها سبل الحياة في المساواة السياسية والإجتماعية في الحياة العامة، وتوعد بإشاعة الديمقراطية في الحياة السياسية والإجتماعية، ومحارية الفساد المالي والسياسي المستشري في نظام الحكم ومؤسساته العديدة، كما تجسد ذلك في برنامج قائمة التيار اليساري الديمقراطي؛

وبين قوى أخرى لا زالت تتمسك بالهوية الدينية وبالمعتقد الإيماني للمواطن الكوردي، وتجعل من الدين وسيلتها في الصراع من أجل الوصول الى السلطة، وهذا ما يضعها في تعارض مع طموحات وأهداف الشعب الكوردستاني في بناء سلطة مدنية ديمقراطية، ومستقبل يرنو الى الخلاص من براثن التخلف، والى السير بإتجاه عالم الحداثة والتنوير، واللحاق بمسيرة العالم المعاصر..!

وهناك من يأخذ من معاناة ومكابدة الشعب الكوردستاني الطويلة، ومن رموز ضحاياه، ورقته السياسية، وشعاراته الإنتخابية؛ معترفاً بما آلت اليه أوضاع الإقليم من الفساد المالي والإداري، من خلال إعترافه بالنواقص التي إنتابت العملية السياسية، وإن كان هذا لا يعفيه من المسؤولية لتواجده في السلطة، ، ليتخذ من ذلك جسراً الى التمسك بما هو عليه من مواقع في السلطة، ناسباً كل ما تحقق ويتحقق من مكاسب في كوردستان العراق لذلك التواجد..!

إن المسألة الرئيسة التي تحكم جوهر التنافس الإنتخابي الدائر بين مختلف الكتل والاحزاب السياسية الكوردستانية، إنما تتمحور في الأصل، وطبقاً لما يلحظه المراقب لمجمل مسيرة العملية السياسية في كوردستان خلال السنوات الست الماضية، في مسألتين رئيستين، تنحصر الأولى في ديمقراطية العملية السياسية نفسها، شكلاً ومحتوى، حيث أن هناك الكثير ممن يرى إن إخفاقات كثيرة قد رافقت تلك المسيرة على الصعيد العملي، ومظاهرها تتجلى من خلال ما يشار الى هيمنة الحزبين التقليدين على مفاصائل السلطة ومتفرعاتها، والجنوح الى التفرد الحزبي والعائلي على المستوى الوظيفي والإداري، وشيوع الفساد المالي والإداري في مفاصل الدولة؛

أما الثانية، فتتركز معالمها في حالة التفاوت الكبير في المستوى المعيشي لفئات وطبقات المجتمع بشكل عام، وضعف إستجابة السلطات المحلية والإقليمية لكثير من المطاليب الشعبية، ونقص في الخدمات، وما يتعلق منها بتحسين ظروف الكادحين المعاشية والخدمية ومعالجة البطالة، ونمو فئات طفيلية جديدة في المجتمع على حساب جماهير الكادحين..!

مما لا شك فيه إن ما يميز العملية الإنتخابية الجارية الآن في كوردستان ، هو طبيعة التنافس الديمقراطية بين إتجاهات التيارات السياسية المختلفة على صعيد الساحة السياسية الكوردستانية، مما يعكس التجربة العملية للمارسة الديمقراطية المنشودة، كما وتبرز وللمرة الأولى قوى اليسار الديمقراطي الموحد في كوردستان، للتعريف بنفسها كقوى ديمقراطية موحدة في قائمة إنتخابية تحت أسم ( قائمة الحرية والعدالة الإجتماعية)، ولتعلن وعلى لسان ممثلها السيد (هادي محمود)، بأن مشاركة التيار الديساري الديمقراطي ضمن العملية الإنتخابية في قائمة مستقلة، إنما هي ،[[ ليست نهاية المطاف ،ولم تكن هي المعركة الأولى لليسار الديمقراطي المتجدد ، بل سنواصل نضالنا من اجل التمدن ، من أجل الديمقراطية الحقة ، من أجل الدفاع عن مصالح الكادحين ، ومن أجل أستعادة السيادة الوطنية ، لهذا نرى ، أن وجود تحالف يساري ديمقراطي ، هو ضرورة ، ونعمل من أجل تجسيد هذه الضرورة ، من خلال التطور الطبيعي ، والعمل وسط الجماهير ، سيساعدنا في خلق آليات جديدة ، بحيث نكون حقا يساريين متجددين]](*).

أن كل ما يتمناه المرء، هو أن يرى الشعب الكوردستاني في العراق وقد حقق مبتغاه المشروع، في الإختيار الصحيح، الذي يجسد فيه مصالحه وطموحاته في إنتخاب ممثليه الشرعيين، لبرلمان ديمقراطي يعكس طموح الشعب الكوردستاني في العراق، في الحرية والديمقراطية والمستقبل الزاهر..!