الرئيسية » مقالات » زيارة للوطن …انطباعات (1) … المرأة العراقية ونقاط التفتيش

زيارة للوطن …انطباعات (1) … المرأة العراقية ونقاط التفتيش

لا شك انه هناك اهمية كبيرة لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، فهي تشكل حسب الاحصاءات نسبة اكثر من نصف المجتمع العراقي ، وخاصة مع الحروب والويلات التي تعرض له بلدنا في العقود الاخيرة مما سبب في قتل مئات الالوف من الشباب، وارتفاع نسب الارامل والنساء من غير معيل، يضاف الى ذلك الحالة الاقتصادية الخانقة التي تحد من أقبال الشباب وعزوفهم عن الزواج ، مما قد يجعل من عمل المرأة ضرورة حياتية ووسيلة للعيش والبقاء، كما قد يصبح عملها المورد الوحيد للاسرة، وفي افضل الحالات مساعدة لدخل الذكور في العائلة ان كان اباً او اخاً او زوجاً. عدا ان عمل المرأة يعتبر حصانة لها واثبات لوجودها وفي الكثير من الاحيان منعاً لاهدار كرامتها.
الشعوب يمكن ان يقاس تطورها مع مكانة ودور المرأة في المجتمع ، والنظرة اليها كعضو فعال منتج ، لا كجارية كل مهامها تلبيية حاجات الرجل ، ثم أبناءها ، حتى تنصهر شخصيتها وتتلاشى ، ولا يعد لها اهمية ان اصيبت بحالة مرضية قد تمنعها من مواصلة ما مناط بها من اعمال البيت او عند العجز لاي سبب كان.
أذا فعمل المرأة ضرورة لها شخصياً قبل ان ينتفع منها الاخرون، ولكن نظراً الى شخصية المرأة وطبيعة تكوينها الجسدي والنفسي ، قد تمنع من القيام ببعض الاعمال التي تتطلب مجهوداً لا يتلائم معها، ولهذا تسن بعض القوانين وخاصة في البلدان المتحضرة تمنع استغلالها، و تحدد ضوابط معينة غايتها مصلحة المرأة اولاً واخيراً.
عندما تركت العراق في سبعينيات القرن المنصرم كانت للمرأة العراقية دور لا يستهان به في المجتمع العراقي نتيجة لنضالها المتواصل من اجل ان تنال كامل حقوقها، وربما حديثي هذا كان ليثير الاستغراب والدهشة لو طرح في ذلك الزمن ، ولكن الزمن الحالي غير زماننا والناس غير. فلم تكن سلطة التخلف والانحطاط بعد قد بسطت بنفوذها على بلد الحضارات ، ولم يكن البلد قد مر بحروب طاحنة ، ولم تكن ويلات الابادات والقتل الجماعي قد حلت بعد ، ولم يكن العالم قد تراجع الى الوراء!!!؟؟؟ فالافكار السامية والاهداف النبيلة كان ما زال هناك الاف يؤمنون بها ومستعدون بالتضحية في سبيلها.
ولكن طواحين الحرب قد اشعل الاخضر واليابس والمرأة دوماً هي الضحية التي تدفع اضعاف مضاعفة ، وخاصة من حقوقها، ونظرة المجتمع اليها.
سقط هبل بغداد واستبشر الناس واحسوا ان فجر الحرية قد اقبل ، ولكن لم يأتي حسابهم مطابقاً لحساب البيدر، وتكالبت كل قوى الشر للنيل من هذا الشعب الذي قال لا للطاغية وزبانيته، واتحد اعدائه بكامل تلاوينهم وانقضوا عليه من كل حدب وصوب، ليمنعوا عنه حق الحياة.
في ظل هذه الظروف كيف للمرأة أن تجد لها موطئ قدم!!؟؟؟ وجاءت القرارات الفوقية باشراك المرأة في موقع القرار وبنسب سميت بالكوتة!!؟؟ لم تكن تتطابق وحضورها ونسبتها في المجتمع ، هذا اذا لم نقل شيئاً عن كفاءات من اعطيت لهن تلك المناصب .
سوف لا نتحدث عن تلك المناصب ولا عمن اعتلاها ، ولا عما قدمن في مسيرتهن للمرأة والمجتمع ، ولا كيف اصبحن تابعاً لهذا الحزب ام ذاك، وكيف اصبحن رقماً لاشغال فراغ لا اكثر.
سنتحدث عن تلك المرأة التي اجبرتها ضروف البلد لتقف كل يوم وتمر بعشرات نقاط التفتيش، او تعمل في تلك النقاط لتبحث عن ضالة ربما تكون سبباً ان تنقلها الى الآخرة ودون ان تترك اثراً يذكر من جثتها.
نقاط التفتيش وما ادراك ما نقاط التفتيش ، فانها تختلف حسب اهميتها اعتماداً على موقعها ، فتلك التي على باب المنطقة الخضراء او الدوائر الحكومية والوزارات ومقرات الاحزاب تختلف عن تلك عند أضرحة الائمة. فالاولى تمتاز بان العاملين فيها يمتازون بنوع من الثقافة تتلائم مع وظيفتهم والمكان الذي (يحرسونه) ، لا يتوانون من رد السلام والمجاملة ، في وقت يؤدون عملهم مع ابتسامة واضحة وربما تعتذر عن قيامها بهذه المهمة التي اجبرها الارهاب على ممارستها ، بينما قد تكون اخرى غليضة لا تعرف الابتسام لانها مؤمنة ان عملها لا يختلف عن عمل (شاويش عطية) ، وان صرامتها يعطيها مكانة لا تختلف كثيراً عن السجانات؟؟؟!!!
أحداهما استوقفتني عند باب المنطقة الخضراء وكانت تحت غرفة كونكريتية عسكرية ، شابة سمراء جميلة لطيفة، مما شجعني للسؤال عن مدى رضاها في اداء هذا العمل ، لحظتها قفز الدمع من عينيها، كانها كانت جاهزة لذلك فقالت قد يكون هذا اخر ايامي مع العمل وربما ساعود لاقبع في البيت فقد تم نقلي من قسم الحاسبات وانا اعمل هناك منذ سنين ، لا اعلم سبب نقلي رغم ما يتردد ان هناك من كان يريد مكاني لقريبته؟! فقلت لها ولكن تلك ربما معها شهادة تخصصية ؟؟؟ فقالت : لا اعلم ولكن وعلى اي حال انا عندي اكثر من خمس سنوات خبرة؟؟؟ وانا خريجة ثانوية ومن عائلة عندها اكثر من شهيد الا يشفع كل ذلك لي؟؟!! فزوجي يهددني بمنعي من العمل ، لانه كان اصلاً معارضاً له؟؟ّ
وهل من يزور الوطن سينسى ان يزور العتبات المقدسة المنتشرة في ارض العراق ، وكعادة اهل بغداد كانت زيارتي الاولى لمرقد الجوادين عليهما السلام في الكاظمية.
بعد ان قبل احد سواق التكسي ان يقلنا بالسعر الذي يناسبنا، فالاسعار في بغداد اصبحت تنافس الكثير من البلدان الاوربية ؟؟!! مررنا بالكثير من السيطرات ، لم اعرف الى يومها ان جهاز كشف المتفجرات يتحسس للعطور اي بمعنى آخر ان الحقائب النسائية عرضة للتفتيش ، وهنا حدث مشادة بين احدى النساء لانها رفضت ان يفتش حقيبتها لانها تحمل نقوداً كثيراً ، وكانت تخشى من ان تسرق في عملية التفتيش تلك فاستفسرت منها وهل حدث ذلك سابقاً؟؟؟!!! فقالت قولي وهل ان تلك لم تعد عادة؟؟!! وللحقيقة لم يحدث اني فقدت شيئاً خلال كل عمليات التفتيش ، سوى ان احدى المفتشات وعلى باب احد الوزارات كانت قد اخرجت ملفاً من حقيبتي دون اعلامي واحتفظت به؟؟!! لا اعرف ان كان تصرفها متعمداً؟؟!! وهل كنت ساستعيد الملف لو لم اكن اراجع اكبر مسؤول في تلك الوزارة؟؟؟!!!
وصلنا الى مدينة الكاظمية بعد مشقة وعبور عشرات الشوارع الالتفافية تجنباً للزحام احياناً او تحت ضغط غلق الطرق المفاجئ دون ان تعرف له سبباً؟؟!!
كان مكان التفتيش مزدحاً بشكل يلفت النظر وكانت مجاميع النساء من كافة الطبقات وبمعيتهم اطفال وصبية ، محمولين فوق الرؤوس والاكتف، تلك الطريقة في الحمل لم ارها منذ مغادرتي العراق قبل عقود!! كانت هناك 6 صفوف ولكن العامل منه 3 , الجو كان خانقاً والصفوف تسير ببطئ شديد، عندها عرفت لماذا نخسر ضحايا كثيرين في اي عملية ارهابية جبانة ؟؟؟ فالانتحاريين يعمدون الى التفجير في مناطق الازدحام التي نهيأها لهم بانفسنا تحت ذريعة التفتيش, لماذا لا نجعل هناك اكثر من نقطة للتفتيش ؟؟؟ لماذا لا نوظف اكثر عدداً من المفتشات؟؟؟ حتى لا يحدث ذلك الازدحام , لماذا لا نستخدم اكثر الطرق الحضارية في تلك المهمة؟؟؟ وهل فعلاً تم كشف وضبط انتحاريات في هذه النقاط ؟؟؟ اسئلة كثيرة تحتاج الى اجابة؟؟؟!!! وكلها ترتبط بالدم العراقي وثمنه؟؟!!
تطوعت احدى الحاضرات بالنداء الى الدعاء وقراءة السلام على نبينا محمد واله ، كان يردد الجميع الدعاء خلفها بملحمية رائعة تبدد الموقف الذي وجدنا فيه انفسنا ، وهنا كان التأثير النفسي في الحضور كبيراً ، فلم نشعر بالوقت وكم مضى حتى انتهينا، الى رواق ومنه الى احدى بوابات المرقد الشريف، وهنا كان تفتيش من نوع آخر, تمنع من الدخول كل من لا تلبس العباءة العراقية ؟؟؟!!! فهنا سألت ولماذا التمسك بالعباءة العراقية؟ وليس اللباس الاسلامي ( العباءة الخليجية) فكان الرد ان العباءة غير العراقية لا تغطي تفاصيل جسد المرأة, لحظتها لم اشعر سوى اني امام وحش بشري رغم لطافته ومساعدته في الحصول على عباءة لا يمكن من دونها ان تتم زيارتي.
أما زيارة المراقد في كربلاء فقد كانت المعاناة من شكل آخر – فعلى بعد 200-300 متراً كانت هناك السيطرة – لا اعلم لماذا استوقفني انا دون البقية لاكون اول الواقفين في الصف القادم للدخول، فهنا كانت لعبة أخرى المجند الشاب استوقف الجموع التي جاءت بعدي من اجل ان ننتظر صاحب جهاز الكشف، ويبدوا انه كان الجهاز الوحيد الذي منح لحامله غروراً وليتنقل مختالاً به بين الجموع المتلاطمة ، مستخدماً سطوته تلك لاذلال الناس المتتوقة لزيارة الائمة وللوصول باقرب وقت دون ان يكون صيداً سهلاً لمفخخة بشرية شريرة .
كان صاحب الجهاز يتنقل بين الجموع دون ان ينفذ مهمته ، بحجة ان الصفوف غير منتظمة او اختارت مكاناً غير ملائم للوقوف في وقت كان المجند الاخر يوجهك بعكس ما يريد, الوقت كان يمر بصعوبة والامهات باطفالهن والنساء المتقدمات في السن تأخذهن موجات التدافع وبالكاد تقوى على الوقوف المترنح دون السقوط بين الاقدام– في هذه الملحمة المؤلمة تستغرب كيف تم تدجين الناس لتقبل دون ان تنبس بكلمة بهكذا اوضاع!؟ ولم يكن الحل سوى ان يخرج المرء عن طوره وينادي على من يريد ان يمتهن كرامة الانسان من خلال سطوة كاذبة – فتسألنا ان كان الهدف هو اذلال الناس أم التفتيش فعلاً – فأن كان الهدف الاول هو المقصود ففي هذه الحالة سوف لا يكون لنا سوى نستجير بمن نتوجه لزيارتهم ليكون عوناً لنا عليهم– لحظتها – شعرنا ان الواقف أمامنا ماهو الا انسان بسيط طيب اوقعه حظه العاثر في هذه المهمة البائسة ففتح لنا الطريق معتذراً من الامام وزواره!!؟؟

د. منيرة أميد
أيار 2009