الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل 28

حرب وسجن ورحيل 28

دخلت ألى العراق موجات بشرية من المصريين تعد بالملايين كما ذكرت في حلقات سابقة للعمل في مختلف الأعمال والوظائف التي تركها العراقيون وذهبوا ألى جبهات القتال وكانت تلك الموجات في تصاعد مستمر ألى نهاية الحرب عام 1988 وكان من الطبيعي أن يكون في تلك الموجات البشرية الصالح والطالح من البشر والأمي وصاحب الشهاده وجميعهم كانوا يعانون من البطالة وشظف العيش في بلدهم وكان السجن نصيب البعض منهم لما قاموا به من أعمال سطو وتزوير وجرائم اغتصاب وغيرها وللحقيقة أقول ليس كل من دخل السجن كان مذنبا فقد دخل أليه البعض نتيجة وشاية أو أشتباه أو غرض شخصي من باب مصائب قوم عند قوم فوائد وأية فوائد أنها فوائد المتنفذين في السلطة من الأمن والمخابرات الذين كان بعضهم لايتورع عن ارتكاب أحط الأعمال اللأأخلاقية متسترا بالدفاع عن النظام وكان الشاب محمد المصري ضحية أمانته و صدقه وسلوكه القويم. كان ذلك الشاب خريج كلية التجارة والأقتصاد في صعيد مصر وله خبرة في الحسابات فعين محاسبا في مديرية كهرباء واسط ونجح في مهمته نتيجة خبرته وأخلاصه وأمانته لكن القدر كان يضمر له الوقوع في مشكلة عويصة لاينقذه منها ألا الله ولسوء حظه أنه كان وسيما فوقعت أحدى الموظفات العراقيات في حبه في الدائرة التي يعمل بها وعندما شعر بذلك صارحها بأنه لايرغب بخداعها وأغرائها بوعود كاذبة أولا ولأنه على أبواب الزواج من أبنة عمه المصريه والتي ستلتحق به بعد أشهر ثانيا وطلب منها أن تكون زميلته في الدائره ويسود بينهما الأحترام المتبادل لاأكثر وتبحث عن شخص آخر يسعدها. لكن الحب أعمى كما يقولون وظلت تتودد أليه لتكون زوجته ويترك أبنة عمه وأغرته بأنها تمتلك دارا مستعدة أن تسجلها باسمه وحثته على اكتساب الجنسية العراقية ليكتمل المشهد لكن الشاب محمد أبى بشدة وقال لها أرجوك يا ( أختي ) أن تتركيني بعد أن وضحت لك الحقيقه وعندما سمعت الفتاة العاشقة كلمة أختي أصيبت بالأحباط وهاجت غيرتها فأضمرت في قلبها طريقة للأنتقام منه وتظاهرت بأنها استسلمت للأمر الواقع وأنها ستبارك له زواجه من أبنة عمه وبعد أشهر حضرت خطيبته وتم عقد قرانهما وتزوجا وبعد أيام أخرجت الموظفة العاشقة رزمة من الدنانير من خزينة الدائره ودستها في جيب الشاب المسكين محمد على أنها هدية من موظفي الدائرة بمناسبة زواجه وكأن محمد شعر بأن شيئا ما ينتظره فرفض المبلغ في بداية الأمر لكنه رضخ أخيرا تحت الألحاح الشديد للفتاة العاشقه وفي الحال رفعت سماعة التلفون لتتصل بضابط الأمن الأقتصادي مدعية بأن مبلغا قد فقد من الخزينه وأنها تشك بأحدهم وللدلالة على ذلك أنها تحتفظ بأرقام الأوراق النقدية التي فقدت . وفي الحال حضر الملازم الأول ضابط الأمن الأقتصادي الذي كان من مدينة الموصل وانقض على المحاسب المسكين وأخرج المبلغ من جيبه وهو لايصغي ألى توسلاته وكان هذا الضابط من الأشخاص الذين لاحياء لهم ويحضر باستمرار ألى السجن ويتفوه بكلمات نابية على السجناء وبأعلى صوته أمام مرأى ومسمع جواد الحركاني مدير السجن دون أن يعترض عليه الأخيربكلمة واحدة فدخل محمد المسكين السجن بتهمة الأختلاس نتيجة مكيدة دبرتها له تلك العاشقة الولهانة مع آخرين وهو مازال عريسا في أسبوعه الأول وعندما كان السجناء يسمعون ضابط الأمن يتفوه بكلماته النابية يتهامسون فيما بينهم ببعض الكلمات ردا على استهتاره وعجرفته تلك الكلمات التي لاتغني ولا تشبع من جوع وتموت داخل السجن فقد قال أحدهم (ماكو واحد أخو أخيته يؤدب هذا السافل ويضربه طلقه براسه ويخلص الناس منه ) فيجيبه آخر ( يابه هذا ضابط أمن من يكدر يحجي وياه تريد جواد الحركاني اللي ماعنده كل غيره ويجي ليليه يتطوطح من السكر يدافع عنك وعني هو متعاون وياه يابه أنته نايم ورجليك بالشمس صح النوم ) ويعقب آخر ليقول ( يابه شلكم بها الطلابه تردون المصيبه اتصير مصيبتين عمي أتركوا هاالموضوع لخاطر ألله خلونه عاد نشتم هوه كبل مانروح بداهيه جديده من وراكم ) فسمعت كلمة أخيرة انطلقت من فم أحد السجناء وأنهت الموضوع جبين مو بيده ) وكانت الخاتمه وعم السكوت وانتهى كل شيئ ).
قبع محمد المصري المسكين في أحدى الزوايا وهو يضرب أخماسا بأسداس ويشكو حاله للبعض منا ويندب حظه العاثر الذي جلبه للعراق ويفتح القرآن يوميا ويقرأ منه آيات ودموعه تنحدر من عينه ثم يدعو ألى الله لينقذ كل بريئ دخل السجن ظلما وكان المسكين يردد دائما ولا تزال كلماته ترن في أذني ( يارب ياما بالسجن مظاليم وأنت أدرى بذلك ) ولكن كانت هناك مصيبة أعظم وأدهى من سجنه وهي مصيبة محاولة الأعتداء على زوجته من قبل أحد ضباط الأمن المتنفذين وهو جمال السعدون . لقد كان أحد المصريين المدعو يحيى العربي يستأجر كشكا لبيع السكائر والمشروبات الغازية على رصيف المستشفى الجمهوري في الكوت وكان هذا الشخص يعمل كوكيل سري لجهاز الأمن في الكوت ويشتغل في مهنة الدعارة والقوادة لبعض ضباط الأمن الفاسدين وأولهم جمال السعدون وكان جمال هذا على اتصال دائم بيحيى العربي حيث يزوده بالأحاديث التي يسمعها من بعض الشباب في المنطقه وخاصة مايقولونه عن الحرب وعن صدام حسين وحزب البعث وأيران ويأتي له ولجماعته بفتيات لممارسة الفحشاء معهن ومن ثم تكليفهن كوكيلات أيضا لنقل المعلومات من العنصر النسوي أثناء اختلاطهن في المجتمع وخاصة عن النساء اللواتي يقمن بمجالس العزاء في محرم . وفي أحد الأيام جاء جمال السعدون وكلف يحيى العربي بالذهاب ألى شقة المصري التي تتواجد فيها زوجته وأقناعها ب التعاون ) مع الجهاز الأمني وعرف يحيى العربي المغزى وأدرك أن جمال السعدون قد ذهب بمفرده ألى شقة الشاب المصري السجين للقاء زوجته وعرض عليها مساعدة أطلاق سراح زوجهالقاء تنفيذ غرضه منها لكنها رفضت بشده وقالت أن زوجي بريئ ولابد أن يخرج من السجن وسأشتكي عليك أذا جئت مرة أخرى ألى هنا فما كان من جمال السعدون ألا أن كلف يحيى العربي بتنفيذ المهمة القذرة التي يسعى أليهافأجابه يحيى العربي سيدي أن هذا الأمر فوق طاقتي وأن هذه الفتاة شريفة وأبوها مدير شرطه في أحدى المدن المصريه وأنا راجع بعد فتره ألى مصر وأرجو أن تعفيني من هذه المهمة الصعبه والتي هي فوق طاقتي . فأجابه جمال السعدون ( ولك يامدير شرطه يابطيخ طز بيك وبكل مدير شرطه أحنه بالعراق مو بمصر ألك مهله اسبوع واحد أذا مانفذت راح أوديك بداهيه ) وانقضى الأسبوع دون نتيجه فحضر جمال السعدون ومعه مفرزة من منتسبي الأمن وانهالوا على يحيى العربي ضربا وركلا وجلبوه ألى السجن بتهمة ( المتاجرة في السوق السوداء والتعامل بمواد محضوره )وجلس يحيى العربي ألى جانب محمد المصري المسكين متلاصقين ببعضهما وصرح له بكل شيئ بعد عدة أيام من مكوثه في السجن وقد عرفت أنا القصة من خلال يحيى العربي الذي طالبني بعدم البوح بها لأنها ستكون نهايته على يد جمال السعدون وقال لي سأترك كل شيئ وأسافر وأتوب ألى الله الواحد الأحد بعد أن غرقت في الرذيله وتحملت من الذنوب الكثير وكان يبكي بدموع ساخنة ويطلب من الله الرحمة والغفران ويقول لي دائما (أدعو لي ياسيدي أنا آثم وحقير ونذل )فكنت أقول له بعد خراب البصره سأدعو لك عسى أن يشملك الله بعطفه ولطفه .لقد أصيب المسكين محمد المصري بالهلع بعد أن سمع القصة من زميله يحيى العربي حضرت زوجته وأكدت له القصه فطلب منها أن تتصل بأبيها لتوفير بطاقة السفر لها فورا وسافرت ألى مصر في تلك الساعة دون تأخير لتتخلص من الذئاب الذين كانوا يطمعون في أغوائها وعلى رأسهم جمال السعدون ذلك الشخص الوضيع الذي ارتكب أعمالا فاضحة في مدينة الكوت وانتهك الكثير من الحقوق باسم الأمن والقانون ومنها ملاحقة الشباب الملتحين وسجنهم لالذنب سوى أنهم كانوا ملتحين ويستقبلون شهداء الحرب بجملة الله أكبرومنهم الشاب جاسم محمد الذي سجن لمدة شهر وعومل أسوأ معامله ونتفت لحيته بسكين صدئة بأمر منه ولم يتخلص من براثن جمال السعدون الا بعد أن ترك المدينة واستقر في بغداد العاصمه والمصيبة المضحكة المبكية أن أبن الطاغية كان ملتحيا ويخرج على شاشات التلفزيون ويراه الجميع لكن أرادة قراقوش كانت تحرم وتحلل على هواها . ولاأدري ماذا حل بذلك الشاب المسكين محمد العربي بعد أطلاق سراحي وبقي هو في السجن ينتظر الفرج .
في أحدى الصباحات جلب مصري آخر وهو في حالة من الأنهاك الشديد نتيجة الضرب المبرح الذي وقع عليه وكانت قصته تختلف عن قصة محمد المسكين فبقدر ماكان محمد عاقلا ومؤدبا ورصينا كان المصري الجديد متهتكا ومنحرفا بعد أن عرفنا قصته وصاح أحد السجناء حال دخول ذلك المصري الشرير المنحرف ( أجاكم فرعوني جديد استلموه ) فأجابه الشرطي ( هذا راح نلعن سلفه سلفاه على دكته اللي سواها ) فازدادت رغبة السجناء في معرفة الفعل الذي ارتكبه وكان فعلا مشينا حقا في زمن الحرب .وهذا ماسأذكره لاحقا
جعفر المهاجر
السويد 21/7/2009