الرئيسية » مقالات » هل أغلقت كل الطرق أمام معالجة المشكلات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في العراق؟

هل أغلقت كل الطرق أمام معالجة المشكلات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في العراق؟

لم أكن مغالياً حين وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيسي الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل داعياً إياهما إلى حل المشكلات القائمة بطرق الحوار والتفاوض السلمي وبآليات ديمقراطية ووفق الدستور العراقي. ولم أكن مخطئاً حين توجست خشية من استمرار الجمود في العلاقة بين الطرفين وتوقف التحرك المطلوب صوب معالجة جادة وهادئة للمشكلات التي تفاقمت عبر الزمن والأحداث وسياسات النظم المستبدة والعنصرية. خاصة وأن اللغة الاعتيادية بين قوى متحالفة في حكومة واحدة لم تعد هي السارية في العلاقات بين الطرفين, بل جرى تصعيدها من الطرفين وبصورة غير مريحة للجميع.

ولكن المشكلات التي تواجه الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم قابلة للحل في ضوء الدستور وقابلة للحلول الوسطية في عدد غير قليل منها, إضافة إلى وجود محكمة دستورية لمعالجة تلك المشكلات التي لا يصل الطرفان إلى موقف مشترك. ولكن الشرط الأول في كل ذلك هو الاستعداد للحوار وصدق النوايا والاستعداد المتبادل للمساومة والقبول بالوساطة في حالة الضرورة وليست ممارسات القطيعة وعدم اللقاء أو الاستعلاء هي الحل.

ليس حلاً ما يطرحه الصديق الدكتور عبد الخالق حسين, إذ ليس هناك أما أبيض أو أسود, إذ بين اللونين الكثير من الأطياف الأخرى, ويشعر الإنسان أن في ما يطرحه ضيق الصدر ونهاية الصبر , في حين أن القضايا السياسية والاقتصادية المطروحة هي ليست من نوع المعارك العسكرية كما أنها ليست جولة ملاكمة تنتهي بضربة قاضية من أحد الطرفين.

من باب تحصيل حاصل أن نؤكد حق الشعب الكُردي في أن يقرر مصيره بنفسه, بما في ذلك حق الانفصال وتشكيل دولته الوطنية المستقلة على أرض كُردستان. ولكن الشعب الكُردي والبرلمان ورئاسة وحكومة الإقليم قررت كلها تحقيق الفيدرالية في إطار دولة عراقية اتحادية ديمقراطية. وبالتالي, فمن باب التعجيز والهروب إلى أمام حين يطلب الأخ الدكتور عبد الخالق حسين من قيادة الإقليم وحكومته وشعب كُردستان أن يقرروا إما الاستقلال أو الفيدرالية, لأنه يرى في ما تمارسه رئاسة وحكومة الإقليم تجاوز على مبادئ الفيدرالية.

وفي الجانب الآخر ليس من الحكمة بمكان أن تنطلق تصريحات سياسية من مسئولين كبار كُرد تشير إلى أن الوضع بين الحكومتين أصبح قاب قوسين أو أدنى من حرب طاحنة, إذ أن هذا هو الآخر هروب إلى أمام وتهديد لا مبرر له ولا يساعد على إيجاد الحلول العملية للمشكلات بل يعقدها. إن من الواجب على الجميع اختيار أسلوب التناول العقلاني الذي يبعدنا عن تعقيد الأمور.

علينا أن نسجل هنا عدداً من المسائل الجوهرية, إذ أن نسيانها, كما أرى, لا يساعد الجميع على تجاوز المصاعب والتعقيدات التي تقف في طريق حل المشكلات, وهي:

1. أن الفيدرالية ليست هبة من أحد للشعب الكُردي, بل انتزعها من الحكم الدكتاتوري بنضاله وتضحياته الغالية والطويلة وبدعم وتضامن عراقي ودولي.

2 . إن غالبية الشعب العربي في العراق, وكذا الكلدان والآشوريين وجمهرة غير قليلة من التركمان, وقفت إلى جانب الشعب الكُردي في نضاله من أجل الحكم الذاتي أولاً, ومن أجل الفيدرالية فيما بعد. وقد تجلى ذلك في شعارات رفعت في أعقاب ثورة تموز 1958 ” الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكُردستان” أو تطوع الكثير من العراقيين ومن مختلف القوى والأحزاب في النضال الأنصاري في كردستان العراق ضد النظام الصدامي.

3 . أن الفيدرالية الكُردستانية ليست كباقي الفيدراليات في الولايات المتحدة أو في ألمانيا, فالفيدرالية الكُردستانية تقوم على أرض كُردستانية ضمن الدولة العراقية أولاً, وفيها شعب كُردي يشكل الأكثرية ولكن هناك قوميات أخرى كلدانية, أشورية وتركمانية على هذه الأرض ثانياً. وأن لهذا الشعب لغته وتاريخه وتراثه المميز, مع وجود الكثير من المشتركات مع القوميات الأخرى. وأن هذا الشعب قد عاني الأمرين من جميع الحكومات المركزية في العراق سواء أكانت بسبب الذهنية الشوفينية أو الفكر العنصري. وعلينا الاعتراف بذلك وليس تغطيته من خلال القول أن العرب عانوا أيضاً. الكل عانى من الاستبداد والقمع, ولكن الاستبداد شيء والعنصرية والتطهير العرقي والتعريب والتهجير القسري شيء آخر. وعلينا أن ندرك بأن الشعب الكردي قد تعرض للاستبداد والعنصري وبقية القائمة, كما تعرض له الكُرد الفيلية, إضافة إلى حروب النظام التي تعرض لها الجميع. ول شك في أن من اتهموا بالتبعية الإيرانية من عرب الوسط والجنوب قد تعرضوا لعنصرية نذلة أيضاً.

إن علينا أن ندرك ذلك, وأن نضع أنفسنا في موضع الكُرد, إذ بدون ذلك سنكون مخطئين في فهم الوضع النفسي للشعب الكردي وتجاربه المريرة مع الحكم المركزي في العراق.

ولا يجوز إجراء مقارنة بين نضال الشعب الكُردي في كُردستان العراق مع نضال الشعب الكُردي في كُردستان إيران أو كُردستان تركيا أو سوريا, رغم أن الشعبين الآخرين وكذلك الكُرد في سوريا قد ناضلوا حقاً, ولكن كانت هناك بعض السمات الخاصة, ومنها نضال القوى الديمقراطية العربية مع شعب كُردستان العراق, التي ميزت وساعدت على تحقيق النجاحات الراهنة. العيب ليس في ما تحقق في العراق, بل العيب في ما لم يتحقق في الدول الأخرى. والأسباب معرفة لنا جميعاً, كما أرى.

إن تجارب الماضي مع الحكومات المركزية , وبعض الدلائل التي ظهرت على سياسات حكومة المالكي وخاصة بعد حصول قائمته على قوة صوتية عالية نسبياً في انتخابات مجالس المحافظات, تأتي خشية الكُرد من القوات العسكرية العراقية التي وجهت لهم ضربات قاسية في الماضي, وفيها من لا يمكن الاطمئنان إليه, وكانت المنفذ السيئ لقرارات كل الحكومات السابقة في الفترة التي سبقت سقوط النظام, ولكن هذا لا يعني أن كل العسكريين حينذاك كانوا سيئين, ولكن كمؤسسة تعاملت بشكل غير ديمقراطي بسبب قرارات الحكومات المسئولة عنها.

وبالتالي فوجود دستور ووجود رئيس إقليم ووجود برلمان ووجود حكومة إقليم ووجود قوات مسلحة في الإقليم تعتبر جزءاً من القوات العراقية, ولكنها تحافظ على مستوى معين من الاستقلالية ضماناً لعدم تكرار ما حصل في السابق, إذ أن احتمالات التغيير في الأوضاع والسياسات تبقى دائماً محتملة. وليس في هذا ضير إن التقت الإرادات وحسنت النيات وتعززت الثقة المتبادلة ووجدت القوانين المحددة للصلاحيات والواجبات لكل من تلك المؤسسات. ومن هنا أقول بأن ما يجري في كُردستان هي حالة تقع بين الفيدرالية ولكنها اقل بكثير من الكونفدرالية التي لم يطرحها الكُرد. والدستور العراقي وافق على ذلك.

4 . من الواجب أن يجري تحديد الصلاحيات الواضحة للحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على الصعيد الداخلي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية, وكذلك العلا قات الدولية وقضايا العقود النفطية والتمثيل الدبلوماسي وغيرها, وفق قوانين ونظم عمل على وفق الدستور العراقي وتقر في البرلمانين وتصبح نافذة المفعول ويلتزم بها الجميع. وحين يتم وضع هذه القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تصبح القضايا الأخرى مفهومة ولا تستوجب التوتر. إن التأخير في وضع تلك القوانين ناشئ عن قناعة لدى قوى الإسلام السياسي باحتمال حصول تغيير في ميزان القوى يساعد على تقليص صلاحيات الإقليم وفق منظورها أو حتى رفض بعضها الكثير للفيدرالية أصلاً.

5 . ليس العراق الدولة الوحيدة التي تعاني من مشكلات حدودية داخلية ودولية أو مشكلات مالية أو علاقات دولية. ولكن السؤال كيف نعالج هذه الأمور؟

أشعر هنا بأن رئاسة الحكومة الاتحادية تريد أن تترك بعض الأمور ليحلها الزمن وحده من خلال السعي إلى تغيير في ميزان القوى الداخلية والدولية وامتلاك القوة الكافية وبعد رفع قرار البند السابع عن العراق وخروج القوات الأمريكية من العراق, وهو أمر سلبي طبعاً, بينما تريد رئاسة وحكومة الإقليم حلها بسرعة ووفق ما جاء في الدستور ووفق المادة 140 , ولكنها تستعجل في إصدار مواقف لا تساعد على تعبئة الشعب العراقي كله حولها. وكل الدلائل تشير إلى ذلك, وبالتالي فأن نية الحكومة الاتحادية ورغبتها غير نية حكومة الإقليم ورغبتها. وفي هذه المساحة تتحرك السلبيات التي يعيشها العراق في العلاقة بين الحكومتين.

أشعر بأن الحكومة الاتحادية تسعى على تعبئة الرأي العام العربي ضد حكومة الإقليم وما يجري هناك, في حين يفترض عدم اللجوء إلى ذلك بل السعي لحل المعضلات مع حكومة الإقليم, كما ليس من مصلحة إقليم كردستان انعزالها, عبر سياسات غير مدققة بل وخاطئة, عن العرب, وعن أكثر حلفاء الكُرد العرب الذين وقفوا إلى جانب الشعب الكُردي في أحرج الظروف ودخلوا السجون واستشهدوا في سبيلها وفي سبيل الديمقراطية للعراق كله.

من حق حكومة كُردستان أن تضع دستوراً لها, وكان لها ذلك منذ العام 1992. ومن حقها أن تضع دستوراً جديداً مقراً على صعيد العراق كله, لا ضير في ذلك أبداً. فالفيدراليات في جميع أرجاء العالم لها دساتير للدول ودساتير للفيدراليات. ولكن السؤال يقع في جانبين: ألم يكن مفيداً إقرار الدستور في فترة لاحقة أولاً, ومضمون هذا الدستور ثانياً؟

يمكن إبداء الملاحظات التالية إزاء هذه المشكلة الجديدة التي برزت بين الحكومتين بل هي أوسع من أن تكون بين الحكومتين, وهي

1 . أن الفترة الدستورية لدورة البرلمان الكردستاني كانت منتهية ومددت لغرض إقرار الدستور, ولم يكن ذلك مفيداً لقوة الدستور ذاته ولا هي قانونية.

2 . إن الانتخابات كانت على الأبواب, وبالتالي كان في الإمكان الانتظار لفترة أخرى, ولم يكن ينقلب العالم إن كان قد تأجل إقرار الدستور, الذي كان يريده الكُرد منذ عقود أو أكثر.

3. كما كان بالإمكان انتظار انتهاء الانتخابات العامة في العراق والتي يفترض أن تجري في بداية العام القادم.

4. إن الدستور يتضمن مشكلا ت خلافية تستوجب الحسم السياسي والعملي قبل تثبيت ذلك في الدستور, ومنها القضايا المتنازع عليها, كما اصطلح على تسميتها أخيراً ودخل وسيط من الأمم المتحدة لحلها, فالهروب بها إلى أمام ليس في مصلحة أحد. وعلينا أن ندرك بأن إيجاد حلول لما يسمى بالمناطق المتنازع عليها لا تحل بقرار أو بوضعها في دستور, بل بقرارات مشتركة, فما دام الحديث يجري عن التوافق, فيفترض أن يكون التوافق في هذه القضايا أيضاً, وليس على طريقة الصَّيادين”حين قال أحدهم للآخر تريد الأرنب خذ الأرنب, تريد الغزالة خذ الأرنب”, إذ أن الحقوق فيها واضحة, سواء أكان بعضها للكُرد وبعضها الآخر للعرب, وفي الحالتين للشعب العراقي بكل مكوناته. وليس قلة أولئك العرب الذين ابدوا أراءً واضحة بهذا الصدد.

5 . كما أن بنوداً أخرى في الدستور تستوجب المزيد من التدقيق لكي لا تتعارض مع الدستور العراقي أو يجري تصحيح الدستور العراقي في ضوئها.

6 . والكل يعرف بأن القوى في كردستان لم تكن كلها متفقة على إقرار الدستور بهذه العجالة وكانت المطالبة, كما أرى, عادلة بتأجيل إقراره في البرلمان, والآن بضرورة تأجيل الاستفتاء عليه لفترة من الزمن. أملي أن لا تكون الانتخابات التي ستجري في 25/7/2009 سبباً في عملية التصعيد لأغراض انتخابية لا مبرر لها.

إن إقرار الدستور من البرلمان لم يحل المشكلات بل عقدها, ومثل هذه المشكلات لا تحل على طريقة “كلما اشتدت حلَُّت”. ونحن لا نحتاج إلى تعقيد الأمور بل إلى تبسيطها, أو تفكيكها من أجل معالجتها وشدها من جديد لصالح الجميع.

لدي انطباع يكاد يكون قاطعاً إذ أرى بأن الطرفين لا يتصرفان بالحكمة المطلوبة والعقلانية التي تستوجبها المرحلة ولا تستند إلى الخبرة التاريخية والتجارب الغنية والمريرة الطويلة, سواء أكان ذلك في مجال إطلاق التصريحات أو الخطب, أم بالتهديدات واحتمال نشوب حرب, أم بالمقاطعة وعدم الدخول بحوارات مباشرة. إن هذا الوضع يضيع على الشعب العراقي بكل مكوناته القومية فرص معالجة كل الأوضاع الراهنة بصورة عقلانية وموضوعية وواقعية, ويمنح القوى الإرهابية المزيد من الأمل بانفجار الوضع بين الحكومتين, وليس بين الشعبين, لأن الشعبين يريدان السلام والتضامن وحل المشكلات بهدوء وسلام.

منذ نعومة أظفاري ومنذ أن عرفت أن هناك قضية كُردية, وقفت إلى جانبها وكنت إلى جانب منح هذا الشعب حقوقه القومية الكاملة والتزمت بموقف عام وسليم للحزب الشيوعي العراقي إزاء هذه القضية, وكذلك موقف المناضل الراحل والشخصية الوطنية والسياسية المعروفة عزيز شريف في هذا الصدد, ولكني أدرك أيضاً بأن قضية إقامة دولة كُردية على أرض كُردستان كلها لا يزال هدفاً بعيد المنال أولاً, وأن قيام دولة كُردية على ارض كُردستان العراق هي الأخرى بعيدة عن التحقق حالياً لأسباب دولية وإقليمية أو حتى محلية في إطار القوى الكُردستانية, وأن الفيدرالية هي الآن خيار كردي أيضا, ولهذا فنحن نعيش دهراً طويلاً قادماً سوية, وعلينا أن نشعر بالمصير المشترك, ومن هذا المنطلق يفترض أن نتصرف بالموقف من حدود الإقليم والدولة والمحافظات.

أتمنى على الجميع أن يعيدوا النظر بمواقفهم ويعالجوا الشاكل بالحكمة والخبرة السياسية التي يمتلكونها وبالتجارب المريرة التي عاشها الشعب. ليس هناك من غالب ولا مغلوب, بل أن الجميع سيخسر, ولكي لا تتكرر تجارب الماضي ولا تحل علينا جميعاً لعنة أوضاع بلدان مماثلة تعاني الأمرين في الوقت الحاضر, ولن ينفع الندم من أي طرف كان بعد فوات الأوان.

21/7/2009 كاظم حبيب