الرئيسية » مقالات » هل تكمن العلّة حقاً في الشعب ؟! 2 من 2

هل تكمن العلّة حقاً في الشعب ؟! 2 من 2

و يجري تغيير الواقع الديموغرافي بالقوة المشفوعة بالإعتذار، و كان الأمر ( يحدث سهواً عن قانون و اصول و ان هناك بعض الخروقات من بعض الجهلة الذين لاتخلو منهم اية عملية اعادة بناء ! ) ، لأن اضطهاد و مطاردة المسيحيين و الصابئة و اليزيديين بمختلف الأساليب، من التهديد و حرق المحلات الى الأغتيال، و بالتالي ارغامهم على ترك البلاد (اضافة الى التهجير الداخلي الديني و الطائفي المتنوع)، لا يزال يجري مستمراً لاينقطع منذ اكثر من خمس سنوات ، و يجري بحالات شبه فردية و لكن متواصلة و تغطيّ مناطق واسعة، حيث تجري في اماكن الأزمات المتحركة التي تتنقل ، و ان هدأت فإنها تعاود الألتهاب .
و قد لايُخفى على القائمين و غاضيّ النظر و المشغولين بمشغوليات قد لا تنتهي ، تاثيرات ذلك على دول الجوار ، وكونه ادخل و يدخل العراق في الصراع الإقليمي الديموغرافي البشري الجاري في المنطقة بشكل خاص، و اخذ يلعب دوراً كبيراً في دور و مواقف دول الجوار من العراق شعباً و دولة باشكال متنوعة . . بسبب الأعداد الهائلة للاجئين العراقيين . . وفق تقارير مكاتب الهجرة العائدة للأمم المتحدة ، و وفق تقارير وكالات الأنباء الدولية و الأقليمية و العراقية .
و يحذّر كثيرون من ان اوساطاً اقليمية ـ دولية تسعى لـ ( إعادة تكوين العراق ) وفق تشكيلة اثنية قومية دينية مذهبية جديدة (قديمة حديثة مناسبة ) تناسب خططها و امن مصالحها المتنوعة في المنطقة ، و تعلن ( اعذاراً !) تحقق عمولات لذلك . . الأمر الذي قد يهدد بتكوين هوية عراقية جديدة (1) وفق الفسيفساء الجديدة المنوي بنائها و اعادة صياغة تناسباتها . . و يهدد بتضييع التراث العراقي و بُعْده المتنوع الذي قامت عليه الهوية العراقية الغنية التي شكّلت دوره الهام في المنطقة ( رغم ما عاناه من انكفاء في سنين الدكتاتورية و الحصار ) .
ان السعي لتغيير ماهية الهوية الوطنية ، في ظروف تطرح فيها اوساط متنوعة متنفذة ، بأن تفكيرها يدور حول تكوين ديموغرافي اثني ديني مذهبي عراقي جديد يتأثّر و يؤثّر في المنطقة، بما يشبه في حركته اعادة تكوين لما جرى في زمان الحرب العالمية الأولى و بعد انهيار الدولة العثمانية، بل و ثأراً لما جرى آنذاك !! كما يطرح البعض . اضافة الى اعمال العنف المتنوعة المناشئ و الغايات كردود افعال لها ، و تنتهج نهجها عينه باسم الدين و المذهب و العرق ، و المواقف المتنوعة للوجود الأجنبي المتعدد المشارك بما يجري، كلٌّ من زاوية مصالحه و غاياته ، غير مبالٍ لما يقاسيه اهل البلاد بالوان طيفهم كلّه . .
اضافة الى معاناة الناس وبالذات اوسع الأوساط الكادحة التي يصعب حصرها ، و هي تسعى لتفادي مخاطر العنف الذي استمر و عاد ينفلت مجدداً ( بعد تحسّنه النسبي )، و معاناتها من الفقر و الفساد و الرشوة و الأنانية و السرقات التي تملأ اخبارها و تفاصيلها و سائل الإعلام الداخلية و الخارجية بعد ان لم يعد من الممكن اخفاؤها . . و تسعى للعيش في ظروف البطالة و الغلاء و تزايد العمالة الأجنبية، و تواصل انقطاع الماء و الكهرباء و تفشي الأمراض و تدهور الخدمات الصحية، اضافة الى تزايد القوارض و الحشرات الضارة الناجم من استمرار خراب البنية التحتية و وسائل الصرف الصحي للمياه القذرة ، تزايد الجفاف و ظهور نتائج مدمّرة لخراب البيئة كالغبار الذي يصيب البلاد بكثافة لم تشهدها منذ اكثر من قرن من الزمان، الذي يجمع فريق كبير من علماء البيئة بانه اضافة الى عوامل الجفاف، فإنه نتيجة حتمية لعوامل دمار الماء و الشجر و الأهوار، ونتيجة حتمية لأنواع الأسلحة المحرّمة التي استخدمت في الحروب . . اضافة الى الخسائر الكبيرة في معاهد و رجال العلم و الطب و المعرفة و الثقافة لأسباب لا يمكن حصرها . . و غيرها و غيرها .
هي التي تشكّل اسباباً هامة لنشوء و تفاقم حالات اللاأبالية التي يصل قسم في وصفه ايّاها ( بأن العلّة في شعبنا )، و يدعوها قسم بـ ( الشعب المدجّن ) الذي لايعترض !! و لا يطالب !! و هي و غيرها التي تؤدي الى انكفاء اوساط واسعة من النساء و الرجال و الشباب، و اعتصامها بالصمت لعجزها عن لعب دور ما ، و هي تتابع ما يجري في ( برلمانها المنتخب ) و ما يقدّمه نظام المحاصصة الطائفية العرقية .
ان حرف النضال السياسي و المطلبي و الإجتماعي عن اهدافة التقدمية، الى حالة لاتنتهي من العنف و الفوضى و اثارة الفتن و الخوف الذي صار لا يذكّر الأقليات بشكل خاص الاّ بمذابح الأرمن و الآثوريين و ماهية الأوراق و التلويحات و الأدوات التي لُعب بها حينها والتي أُسدل و يُسدل الستار عنها . . في ظروف تعاني فيها البلاد فيها من اختفاء دور الأحزاب الوطنية ـ القائمة على اسس و غايات وطنية ـ او ضعفه و اضعافه المتنوّع، مقارنة بالأحزاب التي تأخذ الطائفة و الدين والقومية (بالمفهوم الضيّق) ، دستوراً و مرشد عمل اصمّ لها ، (رغم تساقط اوراقها المستمر و تراكضها مؤخراً الى ترميم نفسها ترميماً و طنياً على حد وصفها) . . هو الذي يشكّل سبباً هاماً آخر لحالة الضياع المؤلم التي تعيشها اوسع الأوساط و يشلّها عن لعب دور ما ( رغم التحسّن الطفيف للأسف ).
و رغم مايجري من انجاز هنا و هناك . . الاّ ان المخاطر المدمّرة باعلاء هوية المذهب او القومية على الهوية الوطنية العراقية الجامعة والمؤلفة لكل الحقوق و المصالح ، تهدد حتى القليل الذي تحقق (2)، في وقت لم يعد خافياً فيه مايمر به من حملوا و يحملون الهوية المذهبية او القومية بمعانيها الضيّقة في الحكم، من تصدّع و صعوبات لاتهدأ امام تصاعد المطالبة بالسير تحت الهوية الوطنية و الإستجابة لحاجاتها، فمهما واجه عديدون وانحنى كثيرون للعواصف او اضطروا للهروب منها ، فهي لاتشكّل الاّ مظهراً خادعاً كاذباً للحقيقة الصامتة، حيث لايمكن تغيير المعدن الحقيقي للأنسان و قناعاته، لابالأرهاب و العنف، ولا بالمال . . و لنا في التأريخ عبر كثيرة لاحد لتنوعها . .
لتبقى هوية العراق الوطنية خفّاقة، بعربه و كرده و تركمانه، باسلامه و مسيحييه، بسنّته و شيعته و سائر هوياته المكوّنة الأخرى من اجل السير بسفينة البلاد الى مرافئ تحقق الطمأنينة و الأستقرار و درجة من السعادة في اعادة اعمار و بناء البلاد . . كلّ البلاد، يشارك الجميع بها من كل الهويات العراقية رجالاً و نساءً و على اساس التساوي بالحقوق الإنسانية ، لتعطّش الجميع الى الأستقرار و السلم و الحياة الطبيعية بعد عقود الحرب و الحصار و الأقتتال و الإحتلال . . و لنا في دروس ثورة 14 تموز 1958 التي مرّت ذكراها هذه الأيام عبَر. (انتهى)

20 / 7 / 2009 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. او اكثر .
2. القليل بالقياس الى الأرواح التي هُدرت، الملايين التي اجبرت على الهجرة و التي هُجّرت ومنذ زمان الدكتاتورية و الى الآن، المليارات التي انفقت و ضاعت و سرقت، و الى مصير البلد الذي وضع بكف عفريت ، و الى المليارديرية الجدد المتنوعين من الوان الطيف العراقي .