الرئيسية » مقالات » هادي العلوي وعلي شريعتي .. من منهما فهمَ التأريخ ؟

هادي العلوي وعلي شريعتي .. من منهما فهمَ التأريخ ؟

الاحترام – لاشك – هو ما يدفعني للكتابة عن هذين العلمين في عالم الفكر ( العلوي وشريعتي ) , وقد يتسائل القارئ – مستغرباً – عن سبب هذا الاحترام لشخصين متضادين انتماءا وفكرا ؟!

والجواب لانني احترم في علي شريعتي ثورته وفي هادي العلوي سلوكه .. وقد يكون من الطبيعي ان التقي مع علي شريعتي بحكم تقارب مدارسنا الفكرية ولكن ما الذي جمعني مع هادي العلوي وهو رجلٌ آمنَ بما لم اؤمن به ؟ انه السلوك .. فالرجل – بغض النظر عن معتقداته – طابق عملُه عقيدتَه وهذا هو جوهر الايمان ويكفيني منه ذلك لاحترمه .

ان الفترة الزمنية التي عاش فيها المفكران – العلوي وشريعتي – متطابقة تقريبا ومليئة بالتيارات والافكار وقلقة في الحركة فاتجه كلٌ منهما في طريق واختار كل واحدٍ منهما فكرا .

فحين سار شريعتي باتجاه الاسلام الحركي والفكر الديني كان العلوي اقرب الى الفكر المشاعي .

ولما يشكله هذان العَلَمان في الفكرين الاسلامي والشيوعي او غير الديني بصورة عامة ولاشتراكهما في نقطة تلاقي واحدة تجمع بينهما اسميها انا ( استقراء التأريخ ) ارتأيتُ ان اقارن بين حركة الرجلين لاسلط الضوء على بعض مفاصل طريقيهما في محاولة لتلمس جادة الصواب المؤدية الى النهاية الصحيحة .

ففي حين كان شريعتي صاحب الاختصاص في مجال البحث الديني باعتباره استاذ علم الاجتماع الديني كان هادي العلوي ابعد عن التخصص كونه خريج كلية التجارة والاقتصاد لكنه كان ابن الشارع الديني من خلال جده السيد سلمان .

وفي اللحظة التي انطلق فيها شريعتي من منهاج البعد العلمي لقراءة التأريخ والواقع الديني انطلق العلوي متأثرا بواقع الفقر والتخلف الاجتماعي الذي كان يعيشه وتعيشه منطقته – كرادة مريم – ثائرا على ذلك الواقع ومتلمسا لاية طريق للخلاص , ينقل خالد سليمان عن العلوي قوله : (تأثرت طبقياً بوضعي العائلي ، عانيت الفقر مع والدتي ، مما غرس في وعيي الصغير كرهاً للأغنياء ولدولة الأغنياء ) , ويصف خالد سليمان حال هادي العلوي قائلا : (حكى لي مرة عن ضعف بنيته الجسدية عندما كان يافعًا وما كان يستطيع التسلق بأشجار النخيل لقطف ثمارها كما كان يفعل أخوه ” حسن العلوي ” . هذا التمايز الجسدي انعكس فيما بعد في الفكر والسلوك أيضاً وصار لكل واحد منهما طريق يختلف فيه عن الآخر ، فـ” حسن ” القوي جسدياً والذي كان يقطف التمر بسهولة اتجه نحو الأوساط المهيمنة في الثقافة والسياسة وأصبح واحداً من الرموز الصحافية البارزة في الصحافة العراقية السلطوية ،أما هادي النحيف فاتجه نحو ضفة المعارضة لكل ما هو سلطوي ومألوف في الحياة الثقافية والسياسية وصنف ذاته في موقع المهمشين ) .

ولكن المفارقة والتغير المفصلي في حياة العلوي كان لقائه بصديقه ( شاكر جابر ) ورواد مقهى ( حسين الحمد ) الذين اخذوا فكره الجاهز عاطفيا باتجاه التمرد على ميراثه الديني ذلك الميراث الذي اهمل الفقراء وقيد العقل كما تصور العلوي وبينه في بعض كتاباته , وهم محقون في رؤياهم ولكن ليس تجاه الدين وانما تجاه بعض رجال الدين انذاك الذين اهملوا مجتمعهم واعطوا صورة سلبية للدين .

ان الفارق بين تناول البحوث الاجتماعية على منابر البحث العلمي والتحشد الاجتماعي وبين تناولها على موائد المقاهي بين ( النرد والطاولة والدومنة ) هو نفس الفارق بين ما توصل اليه شريعتي وما توصل اليه العلوي .

ولكن العلوي وبعد رحلة طويلة في عالم الفكر لاسيما الاشتراكي او الماركسي لم يجد ضالته لاسيما في سلوك رواد ذلك الفكر ولم يستطع ان يستسيغ كل مبادئ ذلك المنهج الذي يتميز بثغرات خطيرة اثبت الواقع للعلوي ولغيره مدى خطورتها وساهمت كثيرا بانهيار المدرسة الشيوعية عالميا وكذلك كانت العاطفة التي ساقت العلوي بعيدا عن الاسلام تضعف وبدأ يراجع تلك المبادئ الدينية متأملا فيها ايجاد طريقه من جديد فكان ما كتبه العلوي من الاسلاميات قد يفوق ما كتبه في غيره !

وكنتيجة طبيعية لحياة بعيدة عن الدين والفكر الديني وعقلٍ مصبوغٍ بالفكر غير الديني ما كان للعلوي ان يعود بسرعة لفكره الاسلامي الذي ينتمي اليه واقعا .

وفي خضم هذا القلق الفكري كان لابد لهادي العلوي ان يصوغ فكرا جديدا يخرجه من واقع الحيرة في الانتماء فانتج هذا العقل الجدلي ما اسميه ( الفكر المشاعي للعلوي ) .

وقد يتسائل البعض عن مدى الاختلاف بين الفكر المشاعي والفكر الشيوعي ؟ خصوصا ان المشاعية من مفردات الشيوعيين !! فاقول : ( ان المشاعية التي اقصدها هي فكرة قلقة تبناها العلوي تجمع بين وجود الدين واقعا وايمانا ولكنها تبقيه في زمن صدوره وتعطي للمفكرين المشاعيين حرية التصرف لاسيما الاقتصادي فيما يلي زمن صدور الدين ).

وهي كما نرى فكرة تخالف الشيوعية والاسلام معا ولكنها ترضي ذهن هادي العلوي .

يذكر احد الكتاب ما نصه :

(حاول المزاوجة بين الماركسية والتراث وهو جوهر مشروعه فيذكر العلوي ان التجارب الشيوعية فشلت عندنا بسبب أحاديتها المرجعية ، أذ أعتمدت حصراً على المصادر المترجمة وأن المصادر الماركسية وحدها لاتكفي وقد أهمل شيوعينا مصدر التأصل للفكر الشيوعي والنضال الشيوعي ، وحاول العلوي أقلمة الماركسية وكان جزءا من مراميه الاخيرة أن أقترب الى التصوف في اواخر حياته ) .

لذلك فهادي العلوي وبعد صراع وبحث طويل لم يجد من يتطابق مع افكاره ولكنه وجد من يستمع اليها ولانه لم يكن من النوع التنظيري لم يكتفِ باستماع الاخرين فاختار الانعزال تقريبا .

وشخصية كشخصية هادي العلوي تجتمع لها اربعة دوافع مماثلة هي ( العقل والذهنية الجدليان المتحركان , ثورة عاطفة الرفض للواقع المزري , عدم التخصص العلمي في مجال البحث , وجود اصدقاء ينتمون الى تيارات بديلة نظريا ) تتجه اوتوماتيكيا خارج انتمائها الاصلي دون توخيها الدقة في التنقيح .

وهنا كان الاختلاف بين العلوي وشريعتي .

فعلي شريعتي كان يملك ادوات الباحث المتخصص و قرأ واقع افكار التيارات البديلة عن الاسلام في مرحلة مبكرة – لاسيما عند دراسته في فرنسا ملتقى التيارات – ووكانت له عقلية ذات منهج استقرائي بحثي غير مضطرب فكانت صداقاته عالمية الطابع متنوعة الاتجاهات ولكنها قائمة على اساس التلاقي الانساني وليس التلقي الجاهز من الاخرين .

فعمد شريعتي الى اسلوب علمي يعتمد تنقيح الواقع الديني وليس تجاهله كما فعل العلوي .

فقرأ كلٌ منهما التأريخ , علي شريعتي يريد تنقيحه بعد ان ادرك ببعده العلمي ان الاسلام لايساوي بالضرورة المسلمين وان واقع المسلمين ناتج من سوء تطبيق قادتهم للنظرية الاسلامية عندما اعتمدوا المصلحية والفئوية وان الذين تسلطوا على المجتمع المسلم ليسوا هم قادته الحقيقيين سواءا كانوا حكاما ام رجال دين , بينما اراد هادي العلوي ايجاد الدلائل على مبانيه الجديدة من خلال الاثبات التأريخي فنظر الى المسلمين على انهم هم الاسلام , وبالتالي فعلي شريعتي عرف الرجال بالحق وهادي العلوي عرف الحق بالرجال .

لكنَ الرجلين اختلفا في تناولهما للبحوث الاسلامية سواءا التأريخية او العقائدية , ففي حين التزم شريعتي خطوط البحث الفكري مدركا عدم صلاحياته للبحث الفقهي او الاستنباطي رأينا العلوي يدخل في مباني الاستنباط الخارجة عن تخصصه كمناقشته لمسألة ( الحجاب ) في مؤلفه ( قاموس التراث ) مما اخرجه عن عالم الادراك الكلي الخارجي – الذي سابينه تاليا – وادخله في عالم من التعقيد والقيود الذهنية الجديدة .

( عالم الادراك الكلي الخارجي ) هو الواقع الناتج من النظرة الكلية لقضية ما والمحيطة بها من جميع جوانبها – كقضية كلية – من خلال الامساك بخيوطها الاساسية وايجاد سبل الترابط بين هذه الخيوط دون اشغال الذهن بالتفاصيل الفرعية المقيدة للحركة الادراكية الشاملة للذهن والمسببة لتواجد الظلامية في الذاكرة المعلوماتية . مما يسمح بامكانية المقارنة بين النظريات الفكرية الكبرى دون حدوث تشعب يتعب الباحث ويؤدي الى تشتت ذهني واستنتاج اراء مضطربة وقلقة .

وعودا على الموضوع فان علي شريعتي ادرك مسألة كلية مهمة لم يستوعبها هادي العلوي بصورة دقيقة وهي مسألة ( التحالف الثلاثي الاستغلالي ) لسلطة الحاكم وسلطة المال وسلطة رجل الدين المتاجر بدينه , وفي نفس الوقت ادرك علي شريعتي ان الحل الرئيسي يكمن في ايجاد رجل الدين المتطابق مع دين علي بن ابي طالب , وهي مسألة لم يستوعبها العلوي ولم يدرك معناها العميق لانه شغل ذهنه في اثبات انتمائه الجديد على عكس شريعتي الذي لم ينتمي وانما ادرك من هو .

ان هادي العلوي اراد تغيير الواقع المنهار – لاسيما في عالم الفقراء الذي اتى منه – بتغيير عقيدة المجتمع الذي يعيش ذلك الواقع نتيجة قرائته الخاطئة للتأريخ والاحداث والاشخاص متجاهلا عمق عقيدة الناس وضعف قدرة الاقناع لدى العقائد البديلة .

وكذلك فالامر المهم الذي افترق فيه شريعتي والعلوي هو قضية الحراك الاجتماعي والتواجد على الارض لقيادة التغيير الاجتماعي , فبمجرد ابتعاد هادي العلوي عن مسار الفكر الاسلامي افتقد الى نقطة مهمة يلتقي فيها مع ( علي الوردي ) وهي الوجود مع الجماهير لتتلقى منه مباشرة فقد انعزل الرجل في عالم التنظير الكتابي والمنتدائي كما فعل الوردي لانهم ادركوا عمق الموروث الفكري لمجتمعهم وصعوبة تغييره على العكس من شريعتي الذي صار واعظا جوالا في اصقاع مجتمعه بل المجتمع العالمي – كمساهماته في المظاهرات المناصرة لثورات التحرر – , وقد يقول البعض ان علي شريعتي كانت مهمته اسهل لانه لايريد تغيير الاتجاه الديني لمجتمعه بقدر ما يريد تنقيحه ؟ فاقول : ان مهمة علي شريعتي كانت اصعب لانه يواجه كاريزمات الدين وموروثات مغلوطة راسخة في العقل الجمعي كانت ستؤدي الى قتله في أي لحظة .

بالاضافة الى اختلاف الرجلين في قضية خطيرة تتعلق بالقدرة على المواجهة مع السلطة الظالمة المتخلفة فكريا ففي حين تجرأ شريعتي في المواجهة اختار العلوي الهروب خارج عالمه .

الا ان هادي العلوي تميز بميزة يفتقر اليها الكثير من قادة واساطين الفكرين الشيوعي والاسلامي وكذلك اصحاب الفكر التعددي : انها الايمان , فهادي العلوي عندما آمن بافكاره كان مثالا لتطبيقها ولم يخالف ماكتبه في حياته العملية حين رحل عن الدنيا وهو لا يملك شيئا مواساةً للفقراء الذين انطلق من اجل انقاذهم وكان دؤوبا في جمع المساعدات من اجلهم مع انه لم يشأ ان يأكل حتى من كتاباته التي ملأت عالم الفكر وكان بامكانه ان يبيع قلمه في مزادات الخديعة والنخاسة الفكرية ولكنه ابى ذلك حفظا لايمانه ووفاءا لقضيته قضية الفقراء واحتراما لقلمه , لذلك ما زلت اعشق سلوكه .

وكدليل على ما ذهبتُ اليه حول هادي العلوي فانه – الى هذه الساعة – لم يجد من يستوعب كليا ماكتبه سواءا من الشيوعيين او الاسلاميين في نظريته المشاعية وكذلك فقد انهارت احدى دعائم فكره المتعدد الدعائم وهي الشيوعية لعدم واقعيتها بعد ان تم معالجة جروحها بعدة عمليات تصحيحية ولكنها لم تدم .

بينما قويت ونهضت دعامة فكر شريعتي المتمثلة بالاسلام وان لم يصل القائمون عليها لمباني شريعتي الفكرية .

في بداية انطلاقه قرأ علي شريعتي تأريخه وتأريخ العالم بصورة علمية لذلك كان ثابتا ومستقرا منذ مراحل انطلاقه التصحيحي الاولى وظل كذلك الى لحظة استشهاده .

فيما ادرك هادي العلوي خطأه متأخرا ليكتشف انه قرأ التأريخ بصورة غير دقيقة واتجه في اتجاه ليس مناسبا لثورته التغييرية فبانت له الخيوط الصحيحة في مسيرة التأريخ ليتحدث في لحظاته الاخيرة :

(يقول حسن العلوي شقيق هادي العلوي في كتاب عمر والتشيع ان الدكتور عبد الستار الرفاعي الطبيب المشرف على علاج اخيه اخبره ان الفقيد الراحل قبل ان يدخل في الغيبوبة التي توفي بعدها قال”ان المستقبل للحضارة الاسلامية وليس للغرب” وهي اّخر كلمة نطق بها. )