الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة

ويعطينا باسيل نيكيتين (في العقد الثاني من القرن العشرين) انموذجاً آخر من البيوت القروية الكردية تلك المتباعدة عن بعضها ومعزولة عن غيرها والمتعلقة بسفوح الجبال الصخرية. ان هذه الطريقة من البناءات المتباعدة التي يذكرها باسيل نيكيتين تحتمها الطبيعة الصخرية لبعض المناطق في كردستان في حين نجد المناطق الاخرى الزراعية الخصبة تتزاحم فيها منازل القرى مع بعضها وتقترب وتكون (قرية) حقيقية، فضلاً عن عامل الامن فهو يلعب دوراً في تلاصق الدور او ابتعادها عن بعضها.
ان باسيل نيكيتين يذكر المنازل القروية في منطقة (اورمار) وهو يعتقد ان هذه المنازل اكثر تطوراً من غيرها فهي ذات واجهات من الحجر المنحوت ويكون نصفها في الغالب داخلاً في جسم الجبل وهي مؤلفة من طابق واحد علوي اما القسم السفلي فيستخدم زريبة او مطبخاً او مخزناً وهذه البيوت غالباً ما تكون معتمة وليس فيها شبابيك وتقوم الكوى الصغيرة بمهمة النوافذ وتكون واجهات هذه البيوت متجهة نحو الجنوب، وقد اوضحنا سبب اتجاه الدور الكردية نحو الجنوب.
ان باسيل نيكيتين يصف تركيبة السقوف في هذه البيوت على غرار ما ذكرناه سابقاً في وصف السقوف الترابية (80).
اما هانسن التي راقبت عملية بناء البيوت الكردية الطينية من اللبن غير المفخور فانها تصف طراز البناء بمجمله في كثير من القرى فتذكر ان البيوت في القرى الكردية سطوحها ساحات لبيوت اخرى وهي تبدو من بعيد وكأن الواحد منها عين نصف مغمضة، وتكون الممرات بين البيوت متعرجة والسير فيها صعب وكثيراً ما تجد ساقية ماء تجري وسط الطريق الضيق بين البيوت.
كما تذكر هانسن ان بعض الغرف في الدور الكردية قد رفع احد جدرانها وهي اشبه بشرفة وتكون ظلية وباردة ولا توجد فيها كوة.
اما عن مدى مقاومة هذه البيوت الطينية لاحوال المناخ والقوة فانها ترى ان هذا النوع من البنيان ليس قوياً ولا يقاوم طويلاً وان السقوف تسرب ماء المطر.
اما عن الجانب المعماري فالبيوت كما تذكر هانسن لا توجد فيها هندسة واضحة والجدران ارتفاعاتها مختلفة كما ان النوافذ والابواب تجدها تثير الدهشة غير منتظمة، اما الجدران عموماً فتشيد تبعاً لتضاريس الارض في ارتفاعها وانخفاضها (23).
وتذكر هانسن ايضاً انها عاشت في غرفة في قرية طوبزاوه هذه الغرفة لم تكن فيها نافذة.
لقد زار شميدت كردستان في الستينيات اي بعد هانسن وقد دون بدوره انطباعاته عن البيت القروي الكردي. وعلى ما يبدو ان طريقة بناء البيت القروي الكردي لم تتطور الى ذلك الحين، فبقيت طريقة بدائية لا تعتمد هندسة دقيقة فهو عندما يصف قرية (شيله دز) يقول انك لا تجد في هذه المنازل الفقيرة شيئاً مستقيماً هندسي القياس وهو يقصد اعمدة السقوف وتعامد الجدران مع بعضها ويعزو شميدت هذه المسألة الى الافتقار الى الالات والادوات التي يمكن ان تعمل على هندسة البناء والنوافذ والسلم وحتى حجارة البناء.
ويعطي شميدت وصفاً للغرفة الكردية فهي من وجهة نظره لا تختلف عن عشرات الالوف من اخواتها في بلاد كردستان، مستطوال واطئة وارضيتها تراب مدكوك دكاً والسقف جذوع مشقوقة انصافاً تغطيها الواح وطبقة من التراب (249).
وامام الانطباعات العديدة للمستشرقين والرحالة حول القرية الكردية ومع اقرارها ببدائية العمارة الكردية لا سيما في القرى نجد من أعجب بطرز بناء البيت القروي الكردي الى جانب ما نجده من نقد.
السقائف والخيم
ان السقائف الكردية التي تسمى (كه بره) نوع من السكن الموقت والشائع في كردستان وهي سقائف من اغصان الشجر او من شجيرات (الجلي) ويستقر السقف على ركائز اربع او اكثر من الاعمدة الخشبية وغالباً ما تكون هذه الاعمدة من خشب الاسبندار واحياناً باشكال متعارضة ثم تغطى بالاغصان مع اوراقها التي تجف من بعد وهي تعمل على توافر مكان ظليل وبارد وتشيد هذه السقائف في اوائل الصيف مبكراً وقد تكون قرب القرية تماماً اذ يهجر اهل القرية بيوتهم اما بسبب الحر او بسبب الحشرات او قد تشيد السقائف في مواطن بعيدة عن القرية اي في الاعالي ابتغاءً لمناخ ابرد وافضل وقد تكون السقيفة من القوة بحيث تنام العائلة كلها على السقف ليلاً وليس تحته اما في النهار فيستظلون بظلها، وهناك من السقائف الجزئية وهي التي تشيد في واجهة الدار.
لقد استدعت هذه السقائف اهتمام ريج اذ يصف احدى السقائف التي سكن فيها وكانت كما يذكر طولها (15) قدماً وهي بدائية في هندستها اذ غرزت في الارض ثلاثة صفوف من الاعمدة كل صف من اربعة اعمدة ذات رؤوس متفرعة الى فرعين، وارتفاع (7) اقدام تقريباً ووصلت هذه الرؤوس بجسور وضعت عليها العوارض وكومت اغصان السنديان وافنانه على تلك العوارض بارتفاع قدمين او ثلاث اقدام وفرشوا الارض، وعملية الفرش تبدأ بطبقة من الطين الاعتيادي خلط بعد جفافه بطبقة من الطين الاحمر الممزوج بالتبن واحيطت الارض بكاملها بدكة بارتفاع ست عقد. فهذا المسكن وغيره من الحجوم المختلفة هو النوع الاعتيادي من المساكن التي يقطنها الاكراد خلال اشهر الحر وهم يمدون فرشهم على السطوح ليلاً ويتقون انظار الغير بسياج من القصب اسمه (جيغ) ينفذ الهواء من خلاله ويمكن ان يتوسط اكبر السرادق حوض تتوسطه احياناً نافورة ماء تلطف الهواء كثيراً (95).
نقول ان هذه السقائف التي جاءت في مدونات ريج يمكن ان تكون مثالية او ربما تعود الى ذوي الشأن من اهل الحكم او المال لكن الشائع من هذه السقائف هو ابسط واصغر وقد لا نجد النافورة التي اشار اليها ريج الا نادراً لكن اهل القرية يسعون الى تشييد سقائفهم قرب ينبوع القرية او يحفرون ينبوعاً او بئراً جديدة، واذا كان الماء غزيراً مدت السواقي من النبع الى هذه السقائف فيفصلها الماء وفي ايامنا هذه استعيض عن السواقي التي تنقل الماء من النبع الى السقائف او الدور بأنابيب المطاط والبلاستيك (الصوندة) فاذا كان في مستوى اعلى من مستوى السقائف ورد الماء سهلاً اما اذا لم يكن كذلك فان بعض القرى اخذت تستخدم المضخات لضخ الماء من النبع الى السقائف وحتى الى بيوتهم الاعتيادية ولكننا ما زلنا نجد في قرى كثيرة المنظر التقليدي للفتيات الكرديات وقد جلبن الماء وحملنه في جرات على اكتافهن او قد حملنه في براميل على ظهر حمار وما زال نبع الماء يعد منتدى لنسوة القرية وفتياتها.
وقد ذكر هي هذه السقائف في منطقة كوى وراوندوز وشقلاوة* ويقول انك تشاهد قرى كاملة في الصيف من هذه السقائف التي تمرر الهواء البارد.
ان كثيراً من هذه السقائف تكون محاطة من بعض جوانبها بجدران مشبوكة من اغصان واوراق الشجر الذي يجف ولكنه يبقى على قدرة لتبريد الهواء المار خلاله ويسمع صوت الهواء المناسب عبر هذه الاوراق الجافة السميكة (الجلي) ويقوم البعض باشباع الجدار الغربي من السقيفة بالماء فيصبح الهواء الهاب بارداً عليلاً منعشاً.
ان هذه السقيفة (الكبرة) حظيت بحب الكردي ولا نستغرب اذا وجدنا عدداً من الاغنيات الكردية وقد تغنت بـ (الكبرة) والعيش فيها او انشائها.
كان عدد من اهل القبائل الكردية يرحلون صيفاً الى الاعالي الباردة ويعودون شتاءً الى المناطق السهلية الدافئة وهؤلاء يعيشون في الخيام المنسوجة من شعر الماعز (كوين) او (ره شه مال). والخيمة الكردية يصفها توما بوا، انها واطئة متكتلة ومشدودة الى الارض بحبال قصيرة وعديدة وتظهر اختلافات واضحة عند مقارنتها بالخيمة العربية وغطاؤها مصنوع من قطع طويلة سود نسجت من شعر الماعز ويختلف عدد اوتاد الخيمة تبعاً لغنى صاحب الخيمة وبصورة عامة كما يصفها (س ج فيلبرت) تتميز خيمة الكرد بالصفات الاتية.
السقف الاسود الواسع من شعر الماعز مع رؤوس متعددة من الاعلى يهبط بانحدار كبير الى الاطراف الواسعة للخيمة وتتكون الحواجز دائماً من اسيجة العصي واربطة العصي غير معروفة كما يبدو، والعمود المتصل بالقمة غير موجود، باستثناء ما لدى الجماعات الشرقية والسقف مقسم الى اقسام عدة وقد ضم بعضها الى بعض بواسطة مشد القصب وعصي صغيرة والترتيب الداخلي مكون من سجاجيد وحصران تغطي الارض وحاجز من القصب يفصل قسم النساء عن مكان الاستقبال المخصص للرجال ونجد ذلك في خيام اليزيدية ايضاً وفي الوسط موقد القهوة وهو حفرة في الارض وبعض خيام الرؤساء مزودة بالوسائد والبسط المصنوعة من الصوف الجيد الذي يمتاز بالراحة والترف (67).
Taakhi