الرئيسية » شؤون كوردستانية » الخلفية البنيوية للنهج التصاعدي …

الخلفية البنيوية للنهج التصاعدي …

لابد لنا في البداية توضيح ما يلي:
لقراءة الخلفية البنيوية للنهج التصاعدي يتطلب منا فهمها بشكل منطقي وعقلاني ، ومن ثم ترجمة هذا الفهم إلى آلية كلامية واضحة وسليمة ، بعيداً عن الاستعراضات اللغوية الغير مفهومة ، التي تحمل على الفكر قراءات لا يستنتج منها شيء .
من المعلوم أن معيار عمل التنظيمات يعتمد على نوعية آلياتها النضالية العملية ..
والتنظيمات التي ترفع وتيرة خطابها السياسي دون تمكين بنيانها التنظيمية لا تستطيع مواكبة التطورات .. وإن بقيت فلفترات محدودة .. حتى تذهب بأدراجها لتنضم إلى التنظيمات الاسمية المجردة من الآليات العملية الفعلية .

فالمخاض الذي اخلفه انتفاضة 12 آذار دفع بالشارع الكوردي إلى البحث عن ولادات تنظيمية جديدة ، أكثر تطوراً وواقعية ، تتماشى مع المرحلة الجيوسياسية الحاصلة في منطقتنا ، وتمخضت عنها تكوين وعي قومي كوردي ناضج ، أكثر فهم للواقع ، وقابل للتفاعل معها ، ولعل ما نتج عن هذا المخاض الذي نسميه في الكثير من الأحيان ( بالمفيد ) إفرازات مهمة ، كانت من شأنها دفع مسيرة العمل القومي الديمقراطي نحو مزيداُ من النضالات الميدانية العملية ، ونتيجة للوعي الناضح دفع الفهم بالإنسان الكوردي إلى تقديم مزيداُ من القرابين والتضحيات الضرورية في سبيل خلق حالة جديدة ملائمة تصنع واقعاً جديداً يكون له الأثر البليغ في تطوير آلية النضال السلمي داخل بعض تنظيماتنا السياسية المولودة بعد الانتفاضة . وهذا التطور كان مهماً لبلورة الفكر لدرجة بلغ به التنظيمات التصاعدية الخطوط الحمر التي وجدت نتيجة لعجرفة الحقودين على الشعب الكوردي والذين تفننوا في استخدام آلية القمع والتنكيل اتجاه الشعب الكوردي ، وسواءً كان هذا التطور العملي حاصل داخل هيكلية تنظيمات الحركة ، أو في ميدان العمل العلني ، في كلتا الحالتين هو إنجاز عظيم وتاريخي لتطوير العمل التنظيمي ، وأول تلك الخيوط المثيرة والمهمة التي دفعت مسيرة النضال نحو خلق إمكانية مواجهة المشاريع العنصرية .. هي النهضة القومية الديمقراطية التي ولدتها الانتفاضة .
فالآلية العملية من إفرازات التطور الحاصل .. ونوعية النضال القومي الكوردي الجديد والمميز والمولود مع التنظيمات الحديثة أدت في المحصلة إلى صناعة الأرضية السليمة ، وخلق مقومات ارتكازية هي ضرورية للعمل الميداني .. بها غيرت مجريات الأطر الكلاسيكية التي كانت تدور في حلقاتها نضالات وأعمال التنظيمات .
ولعل ما نتج عن بلورة التغيرات السياسية في منطقتنا دفع عجلة الأحداث إلى خلق آليات عملية جديدة كبوابة نضالية أمام التنظيمات الكوردية ، بما أن رفع نوعية النضال خلق الصرامة الحقيقية لدى تيارات دافئة قومياً داخل الحركة دفعتها إلى خلق حالة جديدة مختلفة عن ممارسات التنظيمات القديمة ، التي تشبه كثيراً ما الطقوس القبلية .
مع إدراكنا الكامل أنه بسبب فقدان تنظيماتنا الوعي الذاتي ومقومات التجربة العملية في صناعة الحدث تسببت في عدم استطاعتها خلق آليات نضالية عملية .. لذا تمحورت جميع الأعمال والنضالات التي كانت تقوم بها في دائرة ( دفة النضال الكلاسيكي الممل ) .
ومع ضعف تأثير خطاب التنظيمات السُباتية التي أبقت على الحركة في ظلال الآلية الكلاسيكية لأكثر من أربعة عقود منصرمة ، تمخضت عن المتغيرات الطارئة التي شهدتها منطقتنا وعي قومي كوردي عام ، تخطت أطر التنظيمات ، وتوسعت رقعتها بعيداً عن تأثيرها المباشر ، مما خلق مقومات العمل الميداني ، ودفع إلى ولادة تنظيمات قادرة على صنع الحدث والقرار والتفاعل معها ، وتحدد وتوضح خطابها تجاه القامعين والمستبدين ،وتناضل في سبيل إخراج التنظيمات من طور المعمعة البوتقية التي منيت بها ونخرت في جميع نضالاتها ، كما وتساهم في بروز وجه جديد للحركة في الشارع الكوردي كي يتفاعل هو الآخر معها .
ولعل المصالح الاقتصادية للدول الكبرى كان دافعاً كافياً لدفع المنطقة إلى مزيد من التغيير في مجريات الأوضاع التي كانت قائمة حتى الأمس القريب بحكم تسلط الاستبداد المستمر الذي استطاع من كبت أي محاولة لدمقراطة المجتمع وتحرير الاقتصاد .
فحركتنا السياسية مارست طيلة أربع عقود ( الاختلاف والصراع ) وجربت في الكثير من الأحيان .. التسابق الغير الشريف الذي أدى في المحصلة إلى تقسيمات خطيرة كانت لها التأثير المباشر في عدم تفاعلها مع الواقع الجيولوبوتيكي .
ونحن نعلم ان اختلاف الآراء بدء شرارته في هيكلية الحركة منذ الوهلة الأولى لانطلاقتها ، واستمرت بحكم القائمين عليها ، مما أدت في المحصلة إلى خلق تيارين سياسيين بارزين ، أحدهما : يقود دفة نضالٍ عُرِف بين الجماهير بالكلاسيكي ، أو بمعنى أصح ( السُباتي ) ، فيما قيم التيار الثاني بالتصاعدي ، والتصاعدي نعي بها التنظيمات التي صعدت وتيرة خطابها السياسي اتجاه النظام ، واستخدمت من أجل تحقيق أهدافها آلية الاعتصام والتظاهر والاحتجاج . ولعل ما نتج بعد انتفاضة 12 آذار دفع بالفريقين إلى توسيع دائرة الخلاف ، وتمخض عن ذلك صراعاً فتاكاً ليس بالأمر السهل تجاوزه في ظل تواجد الجيل القديم للقيادات السياسية ، فيما بقيت التنظيمات السُباتية على نفس الآليات النضالية التي بدأت بها مسيرتها ( منشورات شهرية – بيانات موسمية – اجتماعات دورية ) .. فيما أظهر التيار الثاني تفوقه العملي بإظهار آليته النضالية العملية ، فنجح به كثيراً ، واستطاع رفع معنويات الشارع الكوردي المكبود أصلاً بسبب الجمود والركود والخمول نتيجة للمشاريع العنصرية والتصفاوية للنظام ودوائرها الأمنية المستخدمة في إبعاد التنظيمات عن مسلكها الصحيح وذلك بخلق النزاعات فيما بين قياداتها ، وهدم البنية التحتية للمجتمع الكوردي ككل .
وإذا كان البعض يعتقد أن انتفاضة 12 آذار جاء مفاجأً فهذا خطأ .. فالنتائج التي أفرزتها الظروف الدولية آنذاك دفع بالشارع الكوردي إلى صناعة الحدث بعيداً عن التنظيمات .. التي لم تستطع قيادة الجماهير لعدم تفاعلها أصلاً مع الحدث ، مما برر لظهور تيارات ساخنة داخل التنظيمات أكثر وعياً قومياً .. ربما لم يكن منظماً بالشكل والمضمون ولكنه كان متواجداً على أرض الواقع .
فالانتفاضة ولّت ولكن الدرس كان مفيداً ، وقد استفادت منها الشريحة الواعية داخل التنظيمات ، وكانت ولادة التنظيمات التصاعدية وتيار المستقبل الكوردي نموذجاً حياً لهذه الإفرازات ، ولكن للتشرذم القائم في بنيان حركتنا السياسية وعدم نضوجها بشكل الذي يمكنها تجاوز مرحلتها الكلاسيكية ، أثرت سلباً وتسببت في خلق العوائق أمام تطوير عجلة النضال العملي في الشارع والتنظيمي في داخلها ، مما تطلب نضوجاً أكبر عنما هو سائد ، ولعل النهج الذي أوجده تيار المستقبل الكوردي من تلك الخلفية التاريخية للحركة كان مهماً في توعية الشارع بشكل يتوافق مع معيار المتغيرات الفكرية واللعبة السياسية القائمة .
والخلفية التي ولدت مع بداية القرن الواحد والعشرين وظهرت نتيجة لبلورتها داخل تيارات أكثر وعياً كانت له الأثر في بناء الثقة الذاتية لنفسية للإنسان الكوردي ، فأحداث العراق وظهور كيان كوردي شبه مستقل في شمالها ، وتصعيد النضال القومي في كوردستان تركيا وإيران ، وظهور تيار كوردي داخل الحركة الكوردية في سوريا ونضوج الوعي القومي الكوردي لدى فئة الشابة دفعت بالنفسية الكوردية إلى تعديل نظرته ومواقفه الكلاسيكية اتجاه قضيته المشروعة ، مما أحاله هذا الإدراك إلى كسر القيود والهواجس النفسية لديه ، والمصنوعة من الخوف والرعب الذي زرعه رجل الأمن ، نتيجة لاستخدامهم المفرط للآلية القمعية .. ولا نستثني منها القيادات والكوادر الحزبية الكوردية التي كانت تبادل الخوف مع الشارع ، إلى جانب التعتيم الإعلامي الذي كان يمارسه النظام قبل ظهور الثورة الإعلامية وشبكة الإنترنت .
ومن الخالد إن إشكالية ثبات تنظيماتنا الكوردية في بوتقة نضالية كلاسيكية واستمرار النظام في آلياتها القمعية اتجاه الشعب الكوردي كان دافعاً ارتكازاً في خلق الفكر التصاعدي الأكثر قراءة للمشهد السياسي ، وأكثر نضوجاً من حيث الخلفية التاريخية والمعرفية عن تطوير وآلية الحركة والتنوع الفكري المستجد بعد تغيير موازين القوى في العالم .
ومادام هذا التيار التصاعدي مجموعة أفكار وآراء تتضمن فوضى منظمة كما يُعرف عنها لا بد ان تطويرها مرتبط بتغييرات الجيولوبوتيكية في المنطقة ، ولعل البراغماتية التي يرتكز عليها فكر ونهج هذا التيار يجعل منه أكثر عقلانية اتجاه الأحداث ، وأكثر استطاعة في تهييج الجماهير ، ولا بد له أن يمتزج بين الواقع العملي والتطور الحاصل في الشارع الكوردي .
وأعتقد أن هذا التيار التصاعدي نجح كثيراً في الترويج لآلياته الخطابية المتصاعدة .. ولكنه لم ينجح بالشكل المطلوب في صناعة التنظيم بما يتناسب مع خطابه ويتناغم مع الشارع ، والسبب في ذلك يعود إلى الكادر التنظيمي الذي يقوده ولم يتعلم الآليات التي يجب استخدامه في التأثير على الشارع ، والعمل على بناء المجتمع وتهيئته لكافة الظروف السياسية التي من المتوقع تغييره بحكم تغيير المصالح الدولية وأماكنه .
ومن الطبيعي أن يسند قوى التصاعد في نضالهم على الكم الكبير من المعلومات والمعارف والتجارب السابقة للحركة ، والاستفادة منها في تعليم كيفية تهييج الشارع عند الطلب .. وكما كانت تلك الأحداث الدامية بوابة لخلق آلية عملية جديدة وخطاب تصاعدي .. ينبغي الاستفادة منها في ميدان العمل التنظيمي .
فالشارع الكوردي الذي استطاع التفاعل والتأثر بتلك الأحداث بني لديه قاعدة ارتكازية لمعرفة العمل الميداني ، وإذا كان لابد للتنظيمات التصاعدية من رفع سقف خطابها السياسي حتى يتناسب مع هذا الوعي يجب عليها تمكين قاعدتها الجماهيرية .. لأن رفع سقف الخطاب يتطلب تنظيماً حقيقياً .
والجواب هنا هو : أن تيار المستقبل الكوردي استطاع رفع وتيرة خطابه التصاعدي .. فالتيار وسيلة لتحقيق الهدف .. وآلية حسب استنتاجاتي .. براغماتية قابلة لدفعها نحو مزيداً من التطور والتقدم .. ويصح القول : يسهل توليفه حسب المقتضيات والظروف ..
ولكن السؤال الأعظم هو : هل استطاع صناعة هيكلية تنظيمية حقيقية بما يتناسب مع خطابه السياسي ؟.

جريدة المستقبل-العددان 19-20 -2009-أيار -خاص

2009-07-21
إبراهيم مصطفى ( كابان )
كوباني