الرئيسية » مقالات » إضاءات شعرية:تراكيب جديدة في شكل تقليدي

إضاءات شعرية:تراكيب جديدة في شكل تقليدي

أتاح لي الملتقى الأدبي الخامس عشر الذي أقامته وزارة التراث والثقافة العمانية فرصة الإقتراب من النص الجديد أكثر وتلمس نبضاته ذلك لأنني قرأته بعين فاحصة تدرك عمق مسؤولية الموازنة بين نص وآخر ولعل الملفت في نصوص هذا الملتقى إنفتاح التجارب المشاركة على القصيدة الحديثة مستفيدة من إنجازاتها على صعيد التشكيل اللغوي والرؤى والبناء الفني والأنساق ولا أعني هنا تجاوز الشكل التقليدي المتعارف عليه في الشعر العربي على مستوى البناء الموسيقي بل إنه يذهب الى الأبعد من ذلك , الى تشكيل رؤيا جديدة للحياة حتى وهو يكتب ضمن الشكل التقليدي , لست منحازا لنمط معين من الكتابة لكنني منحاز بالتأكيد للجمال تبعا لذلك رأينا أكثر من مفاجأة شعرية جميلة حملتها لنا نصوص هذا الملتقى , ويقف حضور النص الحديث في مقدمة هذه المفاجآت , فهذا الحضور لم يعد خجولا وحييا كما إعتدنا في الملتقيات والمهرجانات والمسابقات الأدبية التي كانت تقام في السلطنة , إنه حضور الواثق والمطمئن الى النتائج , بل ان أصحاب هذه النصوص دخلوا الملتقى بنية المنافسة على المراكز المتقدمة وهذا بحد ذاته انجاز ولا أقول هذا تحيزا لهذا النمط من الكتابة الشعرية بدليل إنني أسجل إعجابي بنص جمال الملا وماجد الندابي وابراهيم السوطي ومن النصوص الحديثة نص الشاعر حمد الجابري الذي يكتب وفق رؤيا شعرية مستفيدا من عناصر السرد من حوار ووصف ونمو في تأثيث النص لكن ما يعيب بعض النصوص الإسترسال وعدم السيطرة على الفكرة وانفلات خيوطها ويعود ذلك برايي الى ضعف الحاسة النقدية الذاتية للشاعر وكذلك لعدم مراجعة النص والاشتغال عليه والشعر أولا وآخرا صياغة وصناعة وجماليات لغوية ومهارات فنية
وللنص الحديث مشكلاته أيضا فبعض النصوص تعتورها ضبابية من شأنها أن تشوش الرؤية فيضيع تركيز المتلقي وسط مزيج من صور وتراكيب وجمل شعرية مبثوثة في ثنايا النص وهذه واحدة من أهم المشاكل الفنية التي يقع بها الشعراء حين يكتبون النص الحديث مطلقين العنان لجموح اللغة دون السيطرة عليه فتهيمن عليهم اللعبة الشكلية يقول الشاعر تركي البلوشي :
لا أعلم في أي جهة يولد
غبار هذا الرحيل الحدودي..
ألحدود قدر يجرجر أضرحة الغرباء حد اللهاث؟!..
الحدود يا وجه العودة وأصابع الغياب
و يا حافة الوجود واللاوجود..
والصيغة الأخيرة تكررت في نص آخر “هوس ومقبرة على رف الحكاية” لخليل بن خلفان الجابري حيث ذكر “الشكل واللاشكل ” وهي صيغ أصبحت مكررة وفقدت دهشتها لكثرة إستهلاكها
وبعيدا عن صراع الاشكال الشعرية فإننا نجد بعض التجارب كلاسيكية شكلا حديثة لغة وهؤلاء الشعراء يحاولون أن يمسكوا عصا الحداثة من المنتصف , مثلما فعل من قبل الشاعر حسن المطروشي الذي بقي مستظلا بخيمة نصه ومع ذلك ترك هواء الحداثة يلعب في فضائها ’ هؤلاء الشعراء لا يفرطون بالبناء البيتي الكلاسيكي المتعارف عليه ,وبالوقت نفسه لا يستخدمون لغة تقليدية وصورا مستهلكة إنهم يحاولون أن يحلقوا داخل “قفص الشكل” حسب تعبير ماكلش في كتابه ”
يقول جمال الملا:
و لما افتتحت الليــــــل روحا ترتل رأيت بيـــاض في مدى الحلم يرفل
و ألقي بحلمي في الخيــــال حقيقة و ليس وقوعي في المحـــــــال يخيل
يقيني بأني المحض في كل مظهر و روحي في كف المصائر معــــــول
ويقول ماجد الندابي الذي رغم إنه من الشعراء المقلين الا انه يظل يؤكد حرصه على التميز في كل نص جديد :
أرضي اليبابُ وسِفْرُ الليــــلِ تكوينـــــي وأدمـعُ القمــرِ المصلــوبِ تُدمينـــــي
تخطـَّــفتنــي مســــاءاتٌ وأضــــرحــــة ٌ وجاوزت بي حـدودَ القحـطِ والليــــنِ
مُذْ مـَرَّ طيفــي كسيـــرًا مَـــرَّ مبتسمــًـا وراحَ يدفنُ نزفَ الطينِ في الطيــــنِ
هناكَ حيثُ ارتوتْ كفـــايَ مِنْ عـــــدمٍ ضاعتْ جهاتي كأني في الزنازيـــــنِ
أمتدُّ مثلَ السحـابِ الجـــونِ معترضـًــا هذا الفضاء وذاك الرمــلُ يسفينــــــي
الليـلُ ينســـجُ أحلامــــي وينــــذرهــــا للمستحيلِ فلا الأضــواءُ تؤوينــــــــي
ومثلهما فعل الشاعر إبراهيم السوطي في نصه ” إني عاشق وإنكم لعاشقون” حيث قال :
جـاؤوا هـنا مـنذ مـيلاد الهوى أمما أمضوا على ورق الاقدار وافترقوا
على الجـبـاه تـواريـخ الـوفــاة وفي جـيـوبهم أمـنـيات الخلد إن صدقوا
حتى إذا مـا اعـتـراهم صوت أغنية ناموا على ضفة الاحزان واحترقوا
هم يعبقون كـأن الـورد منـبـتهم فاحـوا عطورا فضاع الحقل والأفق
مثـل المصـابيـح في أحـشـائهم لهب وبالجـبـين اسـتـنارت كـلها الطــرق
وكان نص الشاعرة شميسة النعمانية “كوم خرافي ” ,التي كانت الصوت النسائي الوحيد المشارك في الملتقى بعد إعتذار الشاعرة رقية الحارثية لظروف خاصة , أقول : كان نصها مشرقا بألفاظه وتراكيبه وبنائه ونبرة الحزن التي تغلفه وصوره المتدفقة رغم هيمنة صوت درويش ولغته لكنني واثق من أن الشاعرة شميسة قادرة على التحرر من هذه الهيمنة وبناء فضائها الخاص :
وعلى يقيني رتبي الأيامَ
مدي صفحة ً أو ما يشابهها
ونامي في دمي
أبتي ويعلمُ من أجاز اسمي إليكَ بأنني
شَذّبْتُ أظفار الكلام بما حرثتَ بمعصمي
لكنه قلبي
نسيتُ بهاءَهُ في الأمسِ
وانطلق الظهيرةَ حافي العينينِ لا يرتدُّ عن ماءِ الحقيقة ِ
وهي تؤذنُ أنها كومٌ خرافيٌ من الأشياءِ
صوتٌ عابرٌ لمرافئِ الذكرى
صدىً يمتدُّ ما دُمْنا على رَمَق ٍ وجِسْر ِ
زيفٌ مباهجنــا أبي
شِبْهُ الغوايةِ بالهدايةِ في الجناس ِ
حديثُ جارتنا وموتُ بعوضة ٍ
مهدٌ ولحــدُ..
كذلك أعجبني داب الشاعر جابر الرواحي الذي دخل منطقة جديدة بالنسبة لتجربته عبر نصه “رسالة الى عابدات الدن ” حيث نهل من التراث الصوفي العماني أو مايسمى ب”أدب السلوك” وهو تراث لم يقترب منه الشعراء العمانيون الشباب الذين يبدون منشغلين بهموم الذات التي لا تنتهي ! وهي هموم لا تتصل بحياتهم في الغالب بل تتصل بما يقرأون من تجارب شعرية وإنعكاس تأثيراتها عليهم .
ويجرب الشاعر علي الأنصاري أن يكتب النص الفصيح في نصه رسالتان: للمنفى وظلي !بعد تجارب مع الشعر الشعبي كما فعل الشاعران محمد البريكي ومسعود الحمداني لكنه يكتب وفق نظام التفعيلة وليس وفق النظام البيتي التقليدي كما فعل البريكي والحمداني ولم تخل تجربته
من حماس التجارب الأولىفجاءت بعض الجمل الشعرية على شكل أحجية غامضة حيث كان منساقا للإيقاع اكثر مما هو منساق للمعنى :
“قفا نبك” على ضوضاء أضدادي !
أنا ظلّي / وظلي يا أنا دوني
كفى نمضي
إلى اللاشيء يا تيهي !
لعل الموت أسفارٌ للقيانا..
سررت كذلك بتجارب أخرى منها نصوص : “هوس ومقبرة على رف الحكاية” لخليل بن خلفان الجابري و “مساء” يعقوب بن ناصر المفرجي و “حكاية من كتاب الأجداد” لمحسن خميس المعمري و”ناجيت قبرك” لأدهم بن هلال المعمري و “عند الحدود .. بعدين وموت” لتركي بن علي البلوشي و”شرفة التيه”لمنتظر بن شرف الموسوي و”حينما تكون الحياة وجعا” لإبراهيم بن ناصر الرواحي ولو إشتغل هؤلاء الشعراء على نصوصهم أكثر وأنفقوا جهدا أكبر لأنتجوا نصوصا أكثر إبداعا مما ظهرت عليه وأنا واثق من قدرتهم على بلوغ ذلك في الملتقيات والتجارب القادمة .

مسقط/ 
* نشرت ايضاً في صحيفة الزمان