الرئيسية » بيستون » نظرات لازالت مزروعة في عيني

نظرات لازالت مزروعة في عيني

خرجت من باب العمارة ، متدثرة بكل ما قد يعينني على تحمل ذلك اليوم الشتوي القارص البرد ، كنت حذرة جدا في موازنة خطوات اقدامي على رصيف شارعنا العريض الواقع في إحدى ضواحي العاصمة المشيدة منذ مئات السنين في وادي تحيط بها جبال شاهقة خضراء مغطاة بطبقات كثيفة من الثلوج الناصعة البياض . كنت أعتمد في مسيري على قدرة يدي اليمنى التي تستند على جدران البيوت والعمارات المتلاصقة ببعضها الآخر لكثرة الطبقات الثلجية التي تراكمت خلال ثلاثة أيام متواصلة وحتى تلك اللحظة . الندف الثلجية تتراقص في جو ضبابي كثيف امام عيني وهي في طريق استقرارها على الأرض ، تشخيص الطريق خاصة على الرصيف كان صعب للغاية ، لذلك كان علي أن اختار موقع خطواتي بحذر شديد حتى لا أقع في حفرة ما وأنا في طريقي نحو الشارع الرئيسي لمنطقتنا.
أخيراً ، وصلت الى محطة الباص في الساعة السادسة والنصف صباحاً … نصف ساعة كاملة وأنا اكافح مقابل احدى الظواهر الطبيعية التي تتمسخر بالقدرة البشرية امام قوة وإرادة الطبيعة .
طال انتظاري … بدأت اشعر بالضيق . كان الضباب الثلجي الكثيف يحتضن المكان كله . السيارات لا يمكن تشخيصها ، الا عندما تقترب بضعة امتار من محطة الباص وذلك من خلال انوارها المضائة لكي يتمكن سائقوها من تشخيص طريقهم … اصوات السلاسل الحديدية التي تلف عجلاتها الأمامية تصدر اصواتاً رتيبة تخرش طبلة الأذن وهي تسير ببطيء شديد ، خوفاً من الاصطدام او التزحلق و انقلاب السيارة …
بقيت اكثر من نصف ساعة واقفة هناك دون ان يهل علي الباص … لم اقوى على الجلوس على مصطبة المحطة لشدة رطوبتها وبرودتها … شعرت برغبة عارمة للسير تحت ندف الثلج … عدت وقلت لا ، ليس في هذا الوقت ، فلا يمكن ان ابتعد عن المحطة فيفوتني الباص، لذلك بدأت اتحرك جيئة وذهاباً امام المحطة حتى ادفئ جسمي واقلل من خدر اصابع قدمي … لسعات البرد مؤلمة لا تطاق … قررت أن أجلس ولو لدقائق حتى اريح اقدامي ، لكني سرعان ماقفزت من مكاني واقفة … فضلت ان اواصل تحركي الرتيب بدلا من الجلوس هناك والإنجماد حتى الموت ، ضحكت في سري من هذه الفكرة السخيفة ، فهل أنا في القطب حتى لا يلحظ احد انجمادي…
مرت ساعة اخرى ، ولم يشرف الباص ، ازداد عدد الناس حولي في المحطة الكل ينظر صوب الجهة التي يأتي منها … الكل مل الأنتظار … أصوات التأفف بدأت تتعالى حولي … قالت امرأة والبخار يخرج من ثنايا الشال الصوفي الأسود الطويل الذي يغطي رأسها ونصف وجهها وعنقها : مابال الحكومة لا تفكر بحال الموظفين من أمثالنا فإما أن تعلنها عطلة رسمية او توفر لنا باصات إذا تريد ان لا تتعطل أعمال الدولة… بالله عليكم كيف يتمكنون من توفير الباصات المجانية لمن يريدون في المناسبات التي تهمهم ولا يفكرون بتوفيرها في مثل هذه الأيام والله انها لمهزلة .
كانت تتكلم وهي تنظر لي ، قد يكون لأنني كنت المرأة الوحيدة هناك . أكتفيت بهز رأسي دلالة قبولي باعتراضها ولم افتح فمي من شدة البرد أولاً وثانياً لأني خفت ان تكتشف اني أجنبية من لهجتي ومن يدري قد تبدأ بصب غضبها على المهجرين والمهاجرين واللاجئين الذين ضيقوا العيش عليهم منذ أن وطأت أقدامهم ارض بلادها .
أجابها رجل في مقتبل العمر غطى الثلج شعر رأسه واحمرت مقدمة انفه بشكل غير طبيعي بحيث تخالها ستتقيح بعد ثواني وتنفصل عن سائر الأنف وتسقط على الأرض.. : هذا هو الشئ الوحيد الذي هم فالحين فيه ، كان الأجدر بهم اعلانها عطلة رسمية للجميع ماداموا لا يسيطرون على تراكم الثلج في الطرقات والشوارع …
اكتفيت بحركتي المكوكية … كحركة بندول الساعة أذهب نحو نقطة نهاية المحطة وأستدير واعود الى نهايتها الأخرى واعيد الكرة مرة ثانية ، يدي اليمنى في جيب البالطو وحقيبتي تتدلى من يدي الأخرى التي استقرت في أبعد نقطة من الجيب الثاني ، كانت الحقيبة تضرب فخذي بشكل رتيب ومنسجم مع تحرك خطواتي على الرصيف الثلجي … فكرت ان أنسى الباص وأبحث عن تاكسي لكي لا اتأخر عن الدوام ولتذهب الميزانية الشهرية الى الجحيم …لكن محاولاتي كلها ذهبت سدى ، فلم تقف لي أية سيارة .
بدأت أفقد الأمل من مجئ الباص ، فكرت ان اعود الى البيت وليحدث ما يحدث ، وسأخبر المسؤولين في مكان عملي بما عانيت منه اليوم من صعاب وعدم استطاعتي الحصول على وسيلة نقلية تنقلني الى هناك … كانت فكرة مرفوضة من أساسها …فهذا البلد هذا حاله في فصل الشتاء وعدم الوصول المبكر لمكان العمل لا يشكل مشكلة مادام الواحد منا يصل الى هناك ولو قبل ساعة من انتهاء الدوام الرسمي ، ثم كيف ان غضبوا ؟ والغوا عقد العمل عندها ماذا سأفعل في هذا البلد الغريب دون عمل ومن اين سأدفع إيجار البيت والكهرباء والماء والغاز وقائمة لا تنتهي من المدفوعات التي تبتلع ثلث الراتب ؟ ثم كيف سأحصل على عمل آخر في مثل هذه الاوقات العصيبة حيث نسبة البطالة في تزايد مستمر مع استمرار الحرب الدائرة ، فكيف بي أنا التي لم اكن احمل حتى اجازة الإقامة الرسمية ، إنما كارت أخضر كتب خلفه ليس لهذا الكارت أي اعتبار سوى تعريف حامله ؟! . لا …. لم يكن امامي اي خيار آخر الا التحمل والصبر لحين حصول الفرج ومجئ الباص الذي هو الأمل الوحيد الذي تمنيت ان يحققه لي الله في تلك اللحظة.
أخيراً ، طل علينا صاحبنا متبختراً ، يميل يمينا ويسار وكأنه طفل يخطو خطواته الأولى … رميت نفسي على اقرب مقعد فيه ، قرب النافذة كعادتي ، رفعت الشال الصوفي الذي اصبح مبللا تقريبا من الثلج المتراكم عليه ،ونفضته من الثلج ثم اعدت وضعه على ربطة رأسي مرة أخرى وجلست شبه متكورة على نفسي ، جسمي كله يرتجف واسناني تصطك ببعضها البعض.
جلست المرأة التي كانت معي في المحطة جنبي على المقعد ، وهي تواصل شكواها وتلعن السماء والأرض والحكومة وحتى سائق الباص الذي تعطل كل هذا الوقت وكأنه يتحمل وزر تواصل سقوط الثلج خلال الايام القليلة الماضية .
كانت تتكلم بصوت شبه مسموع ، لعلها تريدني ان ارد عليها ، ولكني اكتفيت بالتفضل عليها بابتساماتي وتارة بقولي نعم ، ماذا نستطيع ان نفعل الا الرضوخ للأمر الواقع ..
بالنهاية يأست المرأة من جري الى الحديث معها … والذي على الاغلب كان سينتهي بها الى توجيه اسئلة تتوالى كتوالي الرصاص من فوهة الرشاش عن اصلي وفصلي ولماذا انا هنا لكي اشغل مقعدا من مقاعد باص خصص لهم وراحتهم وليس للأجانب ….
كان الطريق عادة الى عملي طويل جدا ، يمتد وينحني كنحناءات جسم افعى طويل ليجتاز شوارع ومنعطفات ذات مناظر طبيعية خلابة من التلال والسهول والمزارع والأشجار الوحشية المختلفة الألوان والورود والمباني المتناثرة على جانبي الطريق تريح ناظري الى ان يدخل بي الباص الى المدينة التي يقع فيها محل عملي . لكن في ذلك اليوم ، الطريق كان نفسه ، ولكنه مغطى تماما بلحاف ثلجي مرطوب ، بحيث لم يكن يبدو من خلالها اي من زوايا مفاتن تلك الطبيعة الخلابة الجميلة .
كان الباص ، يسير الهوينى ولا يسرع في خطاه ، لذلك كان لابد ان اشغل فكري بشيء آخر … وبدون ان ادري ، مددت يدي مرة اخرى لكي ازيح الستار عن النافذة الخلفية لوجودي الانساني . وأطل على الطريق الذي يؤدي بي الى ماوراء ميادين الحرب الضارية والحدود الملغومة وتصل بي الى الأرض التي اختارها لي الله تعالى لكي اولد عليها وتصبح قطعة من قلبي وكياني … أرض ، ودار وذكريات اركنتها منذ امد بعيد في اعمق زاوية من ثنايا ذاكرتي، لا ينطق بذكرها لساني ولكن اعود اليها بعيدا عن العالم الخارجي كله يوميا مرات ومرات لكي امر في شوارعها وبين روابيها وسهولها وجبالها ، اسعى لكي لا انسى خطوط معالمها المرسومة في بالي … وما احوجني اليها في تلك اللحظة لكي تدفئ القلب وتسري حرارة نبضاته في ذرات كياني الذي كاد ان يتجمد من الصقيع القاسي ، شبه ابتسامة ارتسمت على شفتي عندما تذكرت الفرق المناخي بين بلادي وبين هذا المنفى اللاطوعي وخاصة في مثل ذلك اليوم … فهناك الجو بارد نعم ولكن السماء تبخل على الأرض بالمطر فكيف الثلج إلا في كردستانها الخضراء . فما ادفئ الشمس هناك وما احلى القمر في ليالي الصيف وهو ينثر انواره على الكون وحوله النجوم الوضاءة بالملايين ، بحيث من الصعب على النائم على سطح الدار الناظر الى السماء ان يعدها كعهدي وانا هناك ، عندما كنت اتمدد على سريري القابع جنب سرير اخي أيام كنا صغار لا نفهم معنى قوة الجاذبية والقوانين الطبيعية التي تحكم الكون ، ففي احدى المرات سألني اخي ( عجيب كيف تقف هذه النجوم في السماء دون ان تسقط ، هل تتصورين هناك اعمدة غير مرئية خلقها الله لكي تبقى ثابتة في مكانها هكذا ؟ ) قلت له لا ادري لو فرضنا ان الله اوقفها في السماء على هذه الشاكلة فأين تذهب هذه الاعمدة عند طلوع الشمس في النهار ؟ كنت ابقى احسب النجوم إلى ان اغط في نوم عميق قبل ان اقدر على حساب عدد نجوم مساحة صغيرة من السماء المنيرة بتلك النجوم ، وما احلى صفاء وشدة زرقة سماء بلادي في الشتاء ، قطعة زرقاء واحدة تتخللها قطع قليلة من الغيوم السوداء التي تأبى ان تتجمع لكي تفرغ ما في جوفها وتمطر به على أرضها .
شعرت ببعض الدفئ والخدروانا اسير في شارع الذكريات . الا ان اسناني كانت تأبى ان تتوقف عن الاصطكاك ببعضها الآخر وأصدار اصوات اخجل ان تشعر به المرأة التي كانت تشاركني المقعد فكلما حاولت ان اطبق على اسناني بقوة يوخز البرد القاسي قلبي فيوجعني . كل هذا والطريق يأبى ان ينتهي لبطئ حركة الباص وشدة الازدحام على الطريق ، كان موكب السيارات يزحف ولا يسير والبرد قارص والرؤية صعبة وشق الطريق في هذا الازدحام عسير …
توقف الباص قرب إحدى التقاطعات الرئيسية …مسحت بالقفاز الصوفي ليدي اليمنى الضباب الكثيف المتراكم على النافذة … لفت نظري ، منظر غريب في الفسحة العريضة للرصيف الأيمن للشارعين الممتدين عرضياً … في البداية ، لم اتمكن من تشخيص ماهيته بسبب الضباب ، ولكن مع اقتراب الباص الى النقطة المواجهة له رأيت أمامي مجموعة من الخرق المتصلة ببعضها الآخر ، مجموعة من الأقمشة أو الشراشف المتهرئة، الغريبة الألوان والنقوش التي جعلوا منها ما يشبه الخيمة ، وكانت أطراف الخيمة العجيبة الشكل مربوطة بأعمدة قصيرة مثبتة على الجزء الترابي من الرصيف ، الذي يزرع عادة في الربيع بالورود والشجيرات النضرة الجميلة . لم أرى أي بشر تحت تلك الخيمة او حواليها … لابد أنهم يرتجفون من البرد تحتها وتكوروا حول انفسهم يدفئ بعضهم الآخر كما فعلنا نحن في الليلة الأولى لنا في المخيم عند تهجيرنا قسراً وبكينا للصباح من شدة البرد والخوف من الغد المجهول ، لعنة الله على الحروب ومن يثيرها … لابد انهم من الوافدين الجدد من المدن الحدودية التي أصبحت ميادين للحرب وليس سكن آمن لأهاليها … أحكمت طرفي البالطو الصوفي حول جسمي الذي بدأ يرتعش من وخز البرد والإنزعاج لتذكري هذه الحقيقة المؤلمة …
في اللحظة التي شرع فيها الباص بالحركة لمواصلة الطريق … رأيت فتاة صغيرة في الثامنة من العمر تقريباً تخرج من تحت الخيمة وتنطلق راكضة نحو السيارات الواقفة ، كانت ترتدي ثوباً قطنياً مشجراً بورود وردية باهتة او في الحقيقة اعتقد انها كانت وردية فلون الورود لم يكن مشخصاً في ذلك الضباب ، وجاكيت صوفي بالي ، سمراء ، ذات ملامح دقيقة متناسقة وجميلة ، شعرها اسود قصير تتدلى خصل منها على جبينها ، بدأت تمد يدها الى النوافذ المقفلة لعل احدهم يترحم عليها ويعطيها قطعة نقدية . لم يفتح لها اي شخص نافذته ، ومن يفعل في مثل ذلك الصقيع ؟! ولكنها لم تبطل الركض بين السيارات غير مبالية بخطورة ما تفعله ، لمحتها تركض نحو الباص بشكل غير طبيعي وللحظة تصورت انها ذهبت تحت عجلة الباص ، لكن السائق تمكن من الوقوف في اللحظة المناسبة ، وأشار لها بيده غاضباً بأن تبتعد عن الشارع لكي يواصل طريقه … بدأت الفتاة تتراجع نحو الرصيف … وفي لحظة ما … رفعت الفتاة المذهولة من هول الصدمة رأسها ، والتقت عيناها بعيني … فزرعت نظرات عيونها السوداء الواسعة الجميلة الحزينة الى الأبد في عيني … كانت نظراتها حزمة من المشاعر الإنسانية الموجعة ، الحزن ، الحاجة ، الكبرياء المجروح ، الخوف،الألم والبرد ، كان جسمها الفتي النحيل يرتجف من البرد لم استطع ان اقلع نظراتي العالقة بنظراتها حتى عندما تحرك الباص وبدأ يبتعد عنها ، بقيت ملتفتة نحوها انظر إليها وتنظر لي حتى بدأ جسمها المسمر قرب الرصيف يبتعد بينما الباص يتقدم نحو الأمام ، ظلت واقفة هناك كتمثال يعبر عن واقع مؤلم مرفوض بشعرها المبلل وجسمها النحيل ، وجهها الاصفر من سؤ التغذية ورجليها العاريتين وحذائها البلاستيكي المتهرء الذي لم يكن يقيها من لسعات البرد القارص القاسي كقسوة قلوب رجال يثيرون الحروب ليدفع ثمن حماقتهم وجشعهم للبطولات المزيفة الفانية اطفال صغار كهذه الملاك الفقير ، اشعل مظهرتلك الصغيرة البائس النار في كياني كله وملئت جسمي بحرارة حارقة ، حولتني نظراتها وبؤسها الى كومة من الحطب الذي يحترق ويحرقني بلهيبه المشتعل فقلت لها في سري متضرعة ، ليعيننا الله فكلينا لم نشعل نيران هذه الحرب .

14/7/2007