الرئيسية » مقالات » الخــــــلافـة و الولاية الفقهية.. نقاط مهمة (ح 2)

الخــــــلافـة و الولاية الفقهية.. نقاط مهمة (ح 2)

هذا البحث هو جزء من سلسلة بحوث متصلة فيرجى الانتباه.

طوال التاريخ الإسلامي كان السنة على الدوام يقفون مع الحكومة أو السلطة بينما كان الشيعة الجعفرية الإمامية و الإسماعيلية ـ باستثناء قيام الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا ـ في صف المعارضة، بالتالي لم يحصل إجماع المذاهب على الخلافة كما أن أرباب الفقه السني إنما أعطوا الشرعية للحاكم مجاملة و لأهداف مصلحية، يقول الشيخ على عبد الرزاق:

“زعموا و قد فاتهم كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم “أنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول، بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم، على امتناع خلو الوقت من إمام، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته المشهورة، حين وفاته عليه السلام، ألا إن محمدا قد مات، و لا بد لهذا الدين ممن يقوم به، فبادر الكل إلى قبوله، و تركوا له أهم الأشياء، و هو دفن رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لم يزل الناس على ذلك، في كل عصر إلى زماننا هذا، من نصب إمام متبع في كل عصر” (الإسلام و أصول الحكم ص 126 نقلا عن المواقف و شرحه).

فهذا الموقف الذي ينطلق من عمق المذهب السني يوضح بما لا لبس فيه أن الحكم شأن علماني لا علاقة له بالفرائض و الأصول الدينية، فالسنة هنا أمام خيارين، إما أن خلافة أبى بكر كانت فلتة ـ و هو ما قاله عمر ـ و بالتالي لا يوجد نص شرعي يوجب تنصيب الخليفة أو أننا نعود إلى نظرية النص (الشيعية) و هو ما يرفضه السنة بالتأكيد، من هنا كان من الممكن عزل الدين عن الاستغلال السياسي شيعيا و سنيا، و لكن بسبب التراث المتراكم من التدين السياسي و تحول الدين إلى وسيلة لقمع الآخرين، نجد أن الحكومات الدكتاتورية تنفخ و تذكي نار التطرف الديني لكي يسهل عليها أن تقوم بإنشاء قوائم طويلة للممنوعات و المحظورات و بالتالي قمع المجتمع عبر خلط الديني بالسياسي و هو ما نشاهده بوضوح في النموذجين السعودي و الإيراني الذي يقوم بقمع الشعب تارة بدعوى الدين و تارة بحجة الإخلال بالنظام السياسي، و هنا من المهم مرة أخرى أن نلاحظ أن العلوم السياسية لم يكن لها حظ كبير في العالم الإسلامي و بالتالي بقيت السياسة و نظم الحكم مدار احتكار فئة من الناس، يقول الشيخ علي عبد الرزاق:

من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، و أن وجودها كان أضعف وجود، فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة و لا مترجما، و لا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم و لا أصول السياسة، اللهم إلا قليلا لا يقام له وزن أزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون.” (المصدر السابق: ص 127 ).

و الجدير بالملاحظة و هو ما لم يطرحه الشيخ هو أن المسلمين رغم اهتمامهم بالعلوم اليونانية من فلسفة و منطق غير أننا لا نستبعد أن الحكومة أو السلطة هي التي أوعزت إلى العلماء و المترجمين، هؤلاء غالبا ما كانوا موظفين لدى الحكومة، بأن يتجاهلوا البحث في الشأن السياسي، كما أن الاهتمام بعلوم اليونان ضعف مع هيمنة العقل السلفي و بداية قيام الهجمة السلفية على المنطقة في عهد صلاح الدين الأيوبي الكردي ـ ذبّـاح الشيعة ـ و أصبحت الفلسفة ما بعد الغزالي “عدو العقل” زندقة و كفرا يجب اجتنابه و القضاء عليه، فالمسألة هنا ليست ضعفا للمسلمين في جانب من جوانب العلوم بقدر ما هو ضعف عام يتجاوز موضوعة السياسة و أنظمة الحكم، و كلما ضعفت الفلسفة في أي أمة اضمحلت سائر العلوم العقلية و هيمن منطق “الغيب”لتفسير كل الحقائق تفسيرا سمجا سطحيا لا يحتاج كبير عناء.

إن كتاب الإسلام و أصول الحكم الذي يبدو بوضوح كتابا سنيا بحتا ـ فهو ينعت الشيعة بالروافض و ينعت الفرق الأخرى بالضلال ـ إلا أنه هز العالم السني لرفضه ارتباط الدين بالسياسة و بالتالي كان من الممكن أن يتجاوز الجميع في المنطقة، الشيعة و السنة و الأديان و المذاهب الأخرى، مشاكلهم و خلافاتهم عبر إقامة نظام علماني يعطي لكل مواطن حقوقه، و هو ما تحقق بالفعل على الأرض التركية، و لكن أنظمة الحكم الفاسدة في المنطقة أرادت الاستفادة من المشكلة الطائفية و بالتالي خلقوا صراعا داخليا أوقف مسيرة التطور و أصبحت هنالك مشكلة طائفية في كل بلد إسلامي أو شرقي مسلم بالتعبير الأوضح، فالعلمانية غالبا ما تصور من قبل الإسلاميين على أنها عدوة للدين و أنها ستعني منع الناس من التدين، و هذه كذبة أثبت الواقع بطلانها فالمسلمون في كل بلدان العالم العلمانية يملكون حرية التعبد و ممارسة الطقوس الدينية بينما في بلداننا يعتبر كل خارج من المذهب أو الدين مواطنا من الدرجات الدنيا و عليه أيضا أداء واجبات أكثر من غيره.

إن الخلافة لم تقدم للعالم الإسلامي شيئا مفيدا أو إبداعا حقيقيا تستفيد منه البشرية و لم ير المسلمون من الخلافة إلا أوامر توجب الطاعة و ضرائب واجبة الجباية و تبعية حتى في الفكر و الإيمان و العقيدة، يقول الشيخ علي عبد الرزاق:

لا نشك مطلقا في أن الغلبة كانت دائما عماد الخلافة، و لا يذكر لنا التاريخ خليفة إلا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه، و القوة القاهرة التي تظله، و السيوف المسلطة التي تذود عنه” المصدر نفسه ص 129

الصراع كان صفة ملازمة للخلافة و كان يؤدي إلى صراعات داخلية أيضا، كما في صراع الأمين و المأمون و سلاطين آل عثمان الذين كانوا يقتلون إخوتهم بحجة الحفاظ على وحدة الكلمة، و كان من جملة ذلك أن قتل السلطـان محمد الثاني الفاتح 19 من إخوته في يوم واحد، ففي ظل هذه الجرائم المشينة أصبح واضحا للمسلمين حتى في تلك العصور أن نظام الخلافة نظام فاسد و لا شرعية له.

Email: sohel_writer72@yahoo.com  

Web: www.sohel-writer.i8.com