الرئيسية » مقالات » ما هو إلا خطأ طبي!

ما هو إلا خطأ طبي!

عرف الطب بأنه المهنة التي تداوي الإنسان من كل آلامه وأمراضه وعلله، ولكن لم يبدع الإنسان في مسيرته ما لم يخطئ في تطبيقه أبداً، حتى وإن كانت هذه المهنة هي من أدق وأصعب ما تجب الدقة فيه، لأنها المهنة التي لا تحتمل الخطأ أبدا فأي خطأ تكون ضريبته حياة إنسان أو جزء من جسد هذا الإنسان وجزء أكبر من آماله وأحلامه التي سيفقدها بفقدان هذه الصحة التي هي الأساس للبداية دائماً.

ضحية خطأ
لم يكن إبراهيم إلا طفلا كغيره من الأطفال الذين يتمتعون بكامل طاقاتهم وكامل الصحة إلى أن تعرض مع أقرانه في سن الخامسة، نهاية حياته الطبيعية، لحملة تلقيح في القحطانية كانت حملة على سعادته، حيث أخطأ الطبيب الذي قام بتلقيحه في ضرب الإبرة مما أدى به إلى الشلل وبذلك أضطر ولمرات عديدة لمراجعة الأطباء للشفاء ومعالجة هذا الشلل الذي أصابه، فما كان منهم إلا أن أزادوه بدل الدواء داء، حيث استمر مسلسل الأخطاء الطبية وكأنها ولدت فقط لأجل إبراهيم هذا الطفل البائس حيث أدت هذه المراجعات والأدوية التي وصفت له خطأ إلى فقدانه للمناعة التي كانت ضعيفة أصلا وأثرت تلك الأدوية على الدماغ الذي فقد توازنه وأصبح إبراهيم من بعدها عضواً جديداً من بين ذوي الاحتياجات الخاصة لأن القدر شاء ذلك وأخطاء الأطباء نفذت تلك المشيئة.
إبراهيم الآن
يبلغ إبراهيم الطفل الذي تعرض لظلم القدر الآن أربعين عاما، يجول في الأزقة والحواري والشوارع باحثا عن من يتحدث له ساخرا في أغلب الأحيان لأنه وكما يسمونه ( مجنون ) ولكن ما زال ينطق بكلمات تدر العطف عليه وتسيل دمعة كل من يحس بالحالات الإنسانية البائسة، فما أن تسأله: هل تريد الزواج يا إبراهيم حتى يجيبك: طبعا ولكن لا أحد يقبل بي، وما أن تطيل الحديث معه حتى تصل لعمق رغبته في العمل، وهو الآن يعاني من آثار الماضي أكثر فأكثر فها هي عيونه يخفت نورها شيئا فشيئا، ولكنه يبقى صامدا ومع أن الأطباء حينها أجمعوا على أنه سوف يموت ولكنه صارع الموت وما زال يحيا بيننا، شاهداً على إهمال الصانع لصنعته مهما كانت تلك الصنعة.
عائلة بائسة
ولن نستطيع إلقاء اللوم على الأهل في هذه الحالة، لأن الفقر هو من منعهم عن متابعة وضع إبراهيم الصحي والذي يتدهور مع مرور الزمن، فكيف لهم بمتابعة العلاج وهم لا يملكون ثمنه، نعم إنها عائلة فقيرة، ولطالما وجدنا مرضى يعانون من المرض الشديد دون أن نجد لهم حلا لأن المال يكون في الغالب هو الحل وهو الوسيلة القادرة على تخليص هؤلاء المرضى من آلامهم، ذلك المال غير المتوفر بين يدي أقرباء هؤلاء، وما أن تبحث عن متبرع أو متبرعين حتى تجد الصمت هو الوحيد سيد الموقف.
في حين أن الدولة والتي يجب أن ترعى أمثال هؤلاء القابعين في خانة ذوي الاحتياجات الخاصة تنضم بكل ثقلها للصامتين دون أية معونات أو مساعدات طبية.
ماذا عنه في الشارع
وإذا ما كان القادرون على التبرع والدولة يلتزمون الصمت، فإن هناك من تخلى عن صمته حين يلتقي بإبراهيم في الشارع ولكن لصالح السخرية منه وليس للمساعدة وهذا ما يزيد الطين بلة لأننا ونحن نمتنع عن مساعدة هذا البائس نزيده ألما وندفعه باتجاه الصحة الأكثر تدهورا والعقدة النفسية وعدم الراحة التي تمنعه من محاولة البحث عن شفاءه.
إن عادة التجاهل أو السخرية من هؤلاء الناس يجب أن تنتفي، وأن نبحث عن البدائل السليمة لهذا التصرف فنتحدث إليهم ونشعرهم بأنهم أصحاء وليسوا بأقل من أي شخص عادي في جميع ملكاتهم علنا ندفع بهم على الأقل نحو الابتعاد عن العدوانية التي نزرعها في طبيعة الكثير من هؤلاء عبر تصرفاتنا الخاطئة وتعاملنا غير السليم معهم.
إن علاج إبراهيم لو كان دقيقاً وصحيحاً في البداية ومن قبل الأطباء الذين أهملوه لكان من الممكن أن تمنع عنه كل هذه الأعراض التي يعاني منها الآن، ولكن عدم الدقة والتأخر في العلاج وغيرها من العوامل التي تسمح للمرض بالتطور بعيدا عن الرقابة هي الكفيلة بهذا التدهور في صحته، فما هي الروادع التي يجب الاحتكام لها في مثل هذه الحالات طالما أن الرادع الأخلاقي والقسم قبل ممارسة المهنة لم يعودا مجديين في هذه العملية؟ هل يجب البحث إذا عن بدائل أخرى أقوى في ردعها وأكثر فاعلية في تأثيرها على الضمير الإنساني؟
تلك هي بعض الأسئلة التي لم تستطع الدعاوى القضائية ضد البعض أن تفي بغرض الإجابة عنها ولذلك بقيت مطروحة إلى الآن وإلى زمن قادم لم يكن لنا أن ندرك مداه.

مجلة ثرى – العدد 191 تاريخ 197 2009 – السنة الخامسة