الرئيسية » مقالات » الكرباسي يسفر عن الوجه العربي للأدب الأردوي

الكرباسي يسفر عن الوجه العربي للأدب الأردوي

من أفضل ما أفرزته الحياة البشرية على طول تاريخها هي اللغات واللهجات، بحيث صار لكل مجتمع وأمة لغته التي يتخاطب بها، وهي في الوقت نفسه علامة فارقة على التنوع والتعدد في المجتمعات الإنسانية، وبصمة ثابتة لكل أمة بها تُعرف، وبها تعرّف نفسها للأمم الأخرى، أي أن اللغة ثقافة الأمة بها يُستدل عليها، وبها يُقدر مستواها بين ثقافات الأمم، وإنما الأمم ثقافات ما بقيت فإن هُمُ ذهبت ثقافتهم ذهبوا.
وفي الوضع الطبيعي دون أن أي تدخل خارجي من إحتلال عسكري أو غزو ثقافي مقصود، تعتبر الثقافة الحضارية رهينة اللغة الراقية، وكلما كانت اللغة رصينة وعلومها غزيرة كان تأثيرها على بقية اللغات والأمم أكثر وانتشارها أوسع، وعملية التأثير خاضعة للطريقة التي تعرض فيها الأمة ثقافتها ولغتها، وبخاصة سلمية الطرق والحضور الفاعل في ساحات العلوم والآداب المختلفة، فبعض اللغات تدخل ثقافة الأمم الأخرى مدعومة بعجلة الإحتلال العسكري، وبعضها تدخل عبر سيطرة الإفرازات العلمية لهذه الأمة أو تلك، وبعضها عبر النتاجات الأدبية والثقافية.
ولا يخفى أن العامل الثقافي والأدبي والعلمي يقع في صدارة التأثير المباشر على اللغات والثقافات الأخرى، وهو أكثر وقعا وأصلب عودا وأركز وتداً، إذ يدخل في صميم الإنسان وكينونته الثقافية وصيرورته العلمية، إلى درجة لا يجد مناصاً من قراءة الآخر بلغة الآخر، وبخاصة إذا كانت النصوص غنية المعاني يصعب ترجمتها ونقل المعنى بكل حذافيره إلى اللغة الثانية، ولذلك انفرد القرآن الكريم أنه لا يمكن أن يُقرأ بكامل مقاصده من حيث اللغة والمعنى والمراد إلا بلغته التي أُنزل بها، والقرآن المترجم هو تفسير وشرح للكلمات، ولذلك فكل صاحب فتيا ومن أية جنسية أو لغة لابد أن تأتي ثقافته الفقهية وفتياه عن استيعاب كامل للنصوص القرآنية والحديثية باللغة العربية الأم، وإلا فلا يعد من الفقهاء مهما طال به الزمن أو ارتفع سلّم عمامته!
وتعتبر اللغة الأردوية من اللغات الحية في شبه القارة الهندية، وهي صاحبة أدب غزير، يتابع البحاثة الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي، ولأول مرة في التاريخ نشأة اللغة الأردوية وتأثير اللغة العربية واللغات الأخرى عليها، وموقع الأدب الحسيني من صدارة هذه اللغة، وهو بذلك يقدم في بادرة الأولى من نوعها في ساحة الثقافة العربية مدخلاً إلى الشعر الأردوي عبر بوابة الأدب الحسيني المنظوم، من خلال كتابه الجديد المعنون (المدخل إلى الشعر الأردوي) الصادر حديثا (1430هـ- 2009م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 530 صفحة من القطع الوزيري.

متابعة فريدة
ليس من العسير الحديث عن اللغة وثقافتها وآدابها وعلومها باللغة نفسها، فالعالم والمثقف الناطق بالعربية له مقدرة على الحديث عن ثقافة لغته وعلومها، وكذا المثقف الفرنسي أو الانكليزي أو الياباني، وما أكثر هؤلاء العلماء والمثقفين، ولكن القليل من هؤلاء من يجيد الحديث عن لغة الغير وثقافته وآدابه وعلومه، وهنا ينفرد المحقق الكرباسي من بين المؤلفين الناطقين باللغة العربية بالحديث عن جذور اللغة الأردوية كمقدمة للحديث عن النهضة الحسينية في الشعر الأردوي، فاستقلت المقدمة بمدخل متكامل إلى الشعر الأردوي.
ولا يخفى أن المسلمين أينما حلوا حلت معهم الثقافة الإسلامية وعلوم العربية، وبخاصة في الشرق من الكرة الأرضية وأقصاها، حيث تأصل فيها الإسلام و تقبله أهلها بطيب خاطر لما وجدوا فيه من تطابق مع الفطرة الإنسانية ومخاطبته للإنسان كإنسان حر، وفي الهند حيث منشأ اللغة الأردوية من بين 225 لغة قائمة يتحدث بها أهلها، فإن الإمارات والممالك الإسلامية كانت هي الشاخصة، وكانت خطب الجمعة والأعياد تقرأ باللغة العربية، مما تركت العربية أثراً كبيرا على بقية اللغات واللهجات التي تعج بها شبه القارة الهندية، ومنها اللغة الأردوية التي تعتبر حديثة التكوين تأسست من مجموع لغات متداخلة منها العربية، كانت سماعية ثم أصبحت مكتوبة في فترة متأخرة، وهي متكونة من 36 حرفاً، تأثرت بشكل مباشرة باللغتين العربية والفارسية باعتبار العربية لغة القرآن والحديث، والفارسية لغة الثقافة والآداب التي هي الأخرى متأثرة بشكل كبير باللغة العربية.
ومن خلال تتبعه للآداب الأردوية، خلص المحقق الكرباسي: “أن اللغة الأردوية أُنشئت جراء اختلاط شعوب مختلفة في عصور متفاوتة عبر معسكرات متعددة للجيش الإسلامي على أرض الهند، وبجهود إسلامية بشكل عام ودعم أتباع مدرسة أهل البيت (ع) بشكل خاص من علماء وأدباء وشعراء وسلاطين وأمراء وتجار، وكان السبب الأول في تنشيط هذه الحركة هو نهضة الإمام الحسين (ع) وقصته ومأساته ورثاؤه”.
ومن حيث التقسيم اللغوي فان اللغة الأردوية تصنف على اللغات الهندية الإيرانية (الآرية) ذات الأصول الهندية الأوروبية، في مراحلها المختلفة كتبت بالحروف العربية والفارسية ثم استقرت على شكلها الهندسي الحالي الذي لا يبتعد كثيرا عن العربية والفارسية، وفي ذلك يقول الكرباسي من بحر المتقارب الأبتر المقبوض:
كلامٌ مزيجٌ من لغات *** بِأُردو آشْتَهَر يعني الخيام
ولبيان حقيقة هذه المقولة، ضم معجم “فرهنگ آصفية” 54009 مفردة أردوية، ضمت مفردات من سبعة عشر لغة شرقية وغربية استأثرت العربية بالدرجة الثالثة بأكثر من 14% من عددها أي (7584) مفردة، فيما جاءت في الصدارة اللغة الپنجابية أو الپوربية التي استأثرت بأكثر من 40% ثم الهندية بأكثر من 32% وفي المرتبة الرابعة اللغة الفارسية بأكثر من 11%، وهكذا.

في أحضان الإسلام
تعود اللغة الأردوية بعهد الكتابة إلى القرن السابع الهجري، ومرت تسميتها بمراحل: من اللغة الهندية إلى اللغة الدكنية مرورا باللغة الريختية والهندوستانية حتى استقرت على تسميتها الحالية اللغة الأردوية، وكان الأمير الشاعر أبو الحسن خسرو الدهلوي (653- 725هـ) هو أول من كتب اللغة الأردوية بالحروف الفارسية وكان هذا أول عهدها بالكتابة، لكن المؤرخ والمعجمي الإيراني علي أكبر بن خان بابا دهخدا 1297- 1375هـ) صاحب موسوعة “لغت نامه دهخدا” يرى أن البداية الحقيقية للغة الأردوية كانت حين اختير لكتابتها الحروف الفارسية العربية على يد الشاعر ملك محمد الجائسي المتوفى عام 947هـ.
ويعتقد المؤلف أن اللغة الأردوية تطورت في حضن البلاطات الحاكمة في الهند: “وكان لدول الشيعة التي تعاقبت على حكم الهند دور كبير في ترسيخ دعائم هذه اللغة وتطويرها” ومن تلك الدول: الدول العادلشاهية (895- 1097هـ)، الدولة النظامشاهية (895- 1016هـ)، الدولة القطبشاهية (918- 1099هـ)، مملكة أوده (1134- 1272هـ) التي انتهت بسيطرة الإحتلال البريطاني الذي خلع آخر ملوكها السلطان واجد علي الذي حكم من عام 1263هـ حتى خلعه، وفي عهدها ازدهرت اللغة الأردوية بشكل كبير وبلغت آدابها المتماهية مع الآداب العربية والإسلامية أوجها بخاصة على يد شعراء حاضرة لكهنو شمال الهند.
فعلى مستوى الأدب المنظوم يعتبر ديوان الملك محمد علي بن إبراهيم قلي القطبشاهي الذي حكم في الفترة (988- 1020هـ)، هو أول ديوان باللغة الأردوية، ومن تأثيره أنه: “أخذ ينظم الشعر في مدائح أهل البيت (ع) ومراثيهم، ويتفنن في الحديث عن بطولة الحسين (ع) وواقعة كربلاء، وأخذ الشعراء يتبعون أثره”، ويعتبر مطلع القرن الثاني عشر الهجري بداية ثورة الأدب المنظوم التي قادها المئات من الشعراء.
وعلى مستوى الأدب المنثور، يعتبر الملا وجيه الدين الصوفي المتوفى عام 1045هـ أول من وضع كتابا نثريا باللغة الدكنية (الأردوية) بخلفية إسلامية وكان في التصوف والأخلاق، وحينما تطورت اللغة أكثر فأكثر راح يكتب القصة والرواية بها، وتعتبر البداية في هذا المجال في عصر الروائي رتن نامة سرشار (1263- 1320هـ).
وبشكل عام فإن اللغة الأردوية نشأت في أحضان الإسلام، وترعرعت ونمت على صدر النهضة الحسينية، ولذلك كما يصح القول أن القرآن حفظ للغة العربية قواعدها وأصولها، يصح بمثله أن الإسلام ساهم بشكل كبير في نشأة اللغة الأردوية وحفظت النهضة الحسينية لها شكلها وأعطتها قواعدها وآدابها، وحسب المحقق اللكهنوي مرتضى حسين بن سردار حسين النقوي (1341- 1407هـ): “إن اللغة الأردوية لغة غنية بألفاظها زاخرة بمعانيها شيقة بأساليبها، وقد استمدت غناها مما دخلها من الألفاظ العربية والفارسية والتركية، وبالرغم من أنها تحتوي على ألفاظ هندية فإن الطابع الفارسي واضح فيها، ولقد نشأت في ظلال التشيع وربيت في أحضانه، وترعرعت في كنفه وبلغت إلى قممها الشامخة بالشيعة، وتأصلت واتسعت بشعرائهم وحكامهم وكتابهم وناقديهم وأساتذتهم وتألقت بشعائرهم وعقائدهم، فالشيعة هم الذين أقاموا بناءها وشادوها بلا ريب”.

عصور وأدب
ولما كانت اللغة الأردوية فتية نسبة إلى اللغات الأخرى كالعربية والفارسية، فإن الوقوف عليها يعني التأصيل لنشأتها وقواعدها، وقد عمد المحقق الكرباسي الذي يتناول جانب الأدب الحسيني في اللغة الأردوية إلى تلمس العصور السياسية التي ساهمت في رسم الخارطة الأدبية الأردوية، وأهم رجالات الأدب فيها ممن صالوا وجالوا في مضماره وغرزت حوافر أقلامهم في ميدانه.
والعصور هي حسب التقسيم الزمني: عصر القطبشاهية، وعصر العادلشاهية، وعصر المغول، وعصر ملوك أوده، والعصر الأجنبي وهو عصر الإحتلال البريطاني، والعصر الحديث، حيث شهد العصر الأجنبي استلابا ثقافيا، فيما مثل العصر الحديث ردة فعل حيث: “قام عدد من الشعراء والأدباء بالوقوف أمام هذا المد الغربي، ونادوا بإعادة الأدب الأردوي إلى الثقافة الشرقية والإسلامية”، وأخيراً العصر الحاضر.
وكلما ذكر الأدب الملتزم في شبه القارة الهندية ذكر معه أهم شخصيتين في تاريخ الأدب الأردوي، وهما: الأديب والقاضي أكبر حسين إله آبادي الرضوي (1262- 1339هـ)، الذي يقول في أحد مقطوعاته المترجمة:
يا أكبر مادام لا مفر من الموت *** فيحسن بك أن تتعلم الموت وأنت جذلان
والشخصية الثاني هي المحامي والفيلسوف والأديب محمد إقبال اللاهوري (1293- 1357هـ)، الذي يقول في بعض أشعاره المترجمة:
سر الخلود جرى مع الدم في العروق *** وخالط الأرواح والأحياء
لم يحينا الرحمان في الدنيا سدى *** وهو الحكيم مشيئة وقضاء
لما رأيت الموت يشملنا *** علمت بأنه لن يستحيل فناء
الموت مثل القوم يبدأ سكرة *** ويعود صحواً دائماًَ وبقاء
وعند المؤلف: “يعد إقبال في طليعة القائمين بالنهضة الجديدة في الأدب الأردوي، وقد حمل نظمه الفكر السياسي، وهو وإن لم يكن من أتباع مدرسة أهل البيت (ع) إلا أنه في قمة الموالين لأهل البيت (ع) حيث ملاحظ ذلك في قصائده التي مدح فيها الإمام أمير المؤمنين (ع) والسيدة فاطمة الزهراء (ع) ورثاء الإمام الحسين (ع)، وقد نظم في ذكرى كربلاء الأليمة حتى عُدَّ شعره في طليعة الأدب العلوي والحسيني إن صح التعبير”.
وما يلاحظ على الأدب الأردوي في العصر الحاضر كثرة الشعراء حيث تجاوز عددهم في باكستان وحدها مائة وعشرين شاعرا، وقد وجد المحقق الكرباسي أن: “جلهم بل كلهم نظموا في الإمام الحسين (ع) حتى من غير المسلمين، وقد كثر النظم في الإمام الحسين (ع) لاعتراف الجميع بشخصيته الفذة من جهة، ولأن الشعب الهندي بشكل عام، والباكستاني بشكل خاص رُبي على حب الحسين والمشاركة في مجالس عزائه بغض النظر عن مذهبه وعقيدته، ولازالت المجالس الحسينية تقام في جميع أنحاء البلاد من قبل السنة قبل الشيعة وبكثافة وحرارة”.

ألوان وبحور
ومن خلال البحث والتقصي في الأدب الأردوي المنظوم، يكتشف البحاثة الكرباسي أن الشعر الأردوي يتلون بخمسة عشر لونا من ألوان الشعر، وهي:
حمد: الشعر الذي اختص بالله جل وعلا.
نعت: نابع من الغرض المنظوم لأجله، وهو يختص بالرسول الأكرم (ص).
منقبة: هو المدح بعينه واختص بمدح أئمة أهل البيت (ع) والأصحاب.
مرثية: نظم الشعر عن الميت وتعداد محاسنه، وفي الأدب الأردوي اختص بالإمام الحسين (ع) وأهل بيته الأطهار وأنصاره الكرام، وتعتبر المرثية من أرقى ألوان الشعر الأردوي حتى شاع أن من لم ينظم عليها فليس من فحول الشعراء، لكن المحقق الكرباسي لا يؤيد هذا المذهب فهناك من شعراء الطبقة الأولى من لم ينظموا عليها.
سلام: أي إلقاء التحية على الذي ينظم القصيدة لأجله وفيه، وابتدع هذا الصنف من الشعر للنظم في الإمام الحسين (ع) ثم شمل غيره من أهل البيت (ع)، ونحو 90 في المائة منه مختص بسيد الشهداء.
نوحة: من البكاء على الميت، واختص في المصطلح العروضي بالشعر الذي فيه مصائب الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه.
غزل: وهو لا يختلف في الأدب الأردوي من حيث المصطلح عن الأدب العربي، فهو ما يخص النظم بين الحبيبين، ولكن المتعلق يختلف من مدرسة إلى أخرى، فعند عموم الشعراء متعلق الغزل هو الجنس اللطيف، ويأتي في الدرجة الثانية عموم المحبوب ذكرا أو أنثى، وعند أهل العرفان فالمحبوب هو الذات الإلهية، وتتسع دائرة المحبوب عند الموالين ليشمل النبي محمد (ص) وأهل بيته، فيما يستخدم المتصوفة: “المصطلحات الغزلية ليرمزوا بها عن مدى حبهم لله مصدر الوجود كله، بل إن المتصوفة يذهبون إلى إظهار العشق للأولياء بمنظار الطريقية”.
قصيدة: ما تعدت العشر أبيات واختص بالمدح مطلقا.
مثنوي: مصطلح عربي الاشتقاق فارسي الاستخدام ويعني الثنائي، وهو ما اتحد كل شطرين (مصرعين) منهما في القافية.
رباعي: مصطلح عربي الاشتقاق فارسي الاستخدام ويتركب البيت فيه من أربعة أشطر تتحد فيها القوافي ما عدى الثالث.
قطعة: أي الجزء المقتطع وفيه البيت من أربعة أشطر تتحد فيه قافية الأول مع الثالث والثاني مع الرابع.
مسدس: هو البيت السداسي الأشطر تتحد فيه قوافي الأشطر الأربعة فيما بينها، بينما تتحد قافية الشطر الخامس والسادس فيما بينهما من جهة.
مخمس: وهو كالمخمس في الأدب العربي يتكون فيه البيت من خمسة أشطر.
هجو: وهو من الهجاء، وراج في فترة الإستلاب الفكري وضعف في فترة النهوض الحضاري.
نظم: وشمل في الأدب الأردوي جميع الألوان والأغراض، وشاع في الأغراض الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، ولا يشترط فيه وزن أو بحر أو قافية أو تركيبة معينة.
وأكثر هذه الألوان ارتباطا بالقضية الحسينية هي: سلام، نوحة، مرثية، ومسدس.
وحتى يخرجها من رتابتها وضع المؤلف لكل لون أمثلة من سنخها لشعراء مختلفين مع ترجمة أدبية عربية، كما عدّ 50 بحراً من بحور الأدب الأردوي مع بيان تفعيلة كل بحر، وهي بادرة الأولى والأشمل من نوعها، وما زيّن هذا الباب هو الأمثلة الشعرية التي ساقها المؤلف مع ترجمتها العربية، ولكنها استقلت لشاعر واحد هو الفقيه والأديب المعاصر الشيخ حسن رضا بن مزمل حسين الغديري.

محاولة رائدة
ولا يكتمل المصنف عند البحاثة الكرباسي إلا بسلسلة فهارس متنوعة الأغراض تسهل للقارئ والباحث عملية الوصول إلى المعلومة، اختصارا للزمن وانتقاءاً للمعلومة وتوثيقا لها، كما ولا يكتمل الكتاب إلا بقراءة مختلفة الأغراض والتوجهات لعلم من الأعلام يلاحظ فيها معالم النهضة الحسينية ويسبر مادة الكتاب ويعاين الموسوعة الحسينية، وقام بهذه المهمة هذه المرة وباللغة الپنجابية وبأبجدية سنسكريتية الدكتور جك جيث سنكهو تونك أستاذ قسم الآداب في برمنجهام بالمملكة المتحدة، وهو من الديانة السيخية، حيث رأى في الإمام الحسين ذلك: “الذي قام في مواجهة الحكم الظالم المتجبر، ورفع راية الجهاد بالضد من طاغوت عصره واختتم جهاده العظيم بالشهادة التي تعتبر قيمة إنسانية عظيمة”، ووجد أن: “دائرة المعارف الحسينية تعد من أرقى الدوائر المعرفية معنى وموضوعا”، طالبا أن يصار إلى: “ترجمة مجلدات الموسوعة الحسينية بكل اللغات الحية في الأرض، ليعرف العالم كل العالم أهداف النهضة الحسينية الساعية إلى إنقاذ الأمة من براثن الظلم والجهل والتخلف ويطلعوا على الجهاد الحسيني العظيم وتصديه البطولي للحاكم الطاغوت”، وأبدى كبير إعجابه، لكون: “الموسوعة وإن كانت اللغة العربية هي لغتها الأصلية، لكن المؤلف المحترم بسعة صدره المعرفي في التحقيق وتميزه في العمل الموسوعي قد صيّرني متحيراً، ولكن مع ذلك يجعلني فرحا لالتفاتته إلى الشعر المنضود باللغة الأردوية حيث أعطانا الدرر الثمينة من عيون الشعر الأردوي”.
في الواقع أن هذا الجزء الذي يمثل مقدمة في بيان خطوط النهضة الحسينية في الشعر الأردوي، كشف ولأول مرة أمام ناظري المثقف الناطق باللغة العربية أوراق شجرة اللغة الأردوية وجذورها النابتة في أرض الثقافة الإسلامية، وأبان عما تحمله من ثمار أدبية نثرية وشعرية، ولذلك فإن البحاثة الكرباسي بهذه الغوص العميق في بحر اللغة والأدب الأردوي المنظوم يؤسس لمحطة عربية تنفتح أمواجها على الأدب الأردوي، تتيح للأدباء العرب والناطقين باللغة العربية السباحة في أثيرها، وهي من المحاولات القليلة النادرة للتواصل بين الأدبين العربي والأردوي، وخطوة ثمينة لعودة الثقافة الأردوية الى الحاضنة الأولى، حيث دفء الثقافة العربية والإسلامية، ومتانة أريكة النهضة الحسينية.
• إعلامي وباحث عراقي
• الرأي الآخر للدراسات – لندن