الرئيسية » شؤون كوردستانية » انتخابات كردستان العراق ومأسسة تجربتها الديموقراطية

انتخابات كردستان العراق ومأسسة تجربتها الديموقراطية

تشهد كردستان العراق كرنفالا انتخابيا عارما وحاميا كحرارة شهر يوليو (تموز) الجاري الذي ستجري الانتخابات في الخامس والعشرين منه فالحملات والدعايات الانتخابية على أشدها رغم أن “القائمة الكردستانية” هي المرشح الأوفر حظا وفق كافة المعطيات والدلائل للفوز والاستحواذ على غالبية أصوات الناخبين نظرا إلى كونها تمثل تحالفا انتخابيا عريضا بين أكبر حزبين في الإقليم اللذين لطالما اقترنت شرعيتهما النضالية التاريخية بشرعيتهما الديموقراطية وتكاملت معها كما أثبتت التجربة خلال مختلف المحطات والمناسبات الانتخابية في إقليم كردستان أضف إلى ذلك أن مرشح “القائمة الكردستانية” الرئيس مسعود البارزاني تبدو حظوظ منافسيه على منصب رئاسة الإقليم معدومة تماما بالنظر إلى الهالة والمكانة والمصداقية التي يحظى بها في صفوف الشعب الكردي في مختلف أجزاء كردستان ( لاحظ مثلا إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني مراد قره يلان تفضيل البارزاني رئيسا للإقليم لولاية ثانية) . بيد أن ما يميز هذه الانتخابات هو كثرة عدد القوائم المتنافسة وتعدد المرشحين لرئاسة الإقليم ورغم أن هذه الكثرة لا تعني وجود منافسة ندية لقائمة الحزبين الكبيرين ولا لرئيس الإقليم كما أسلفنا إلا أنها بالطبع ظاهرة صحية إن دلت على شئ فإنما تدل على تكريس المناخ الديموقراطي التعددي في كردستان العراق وحسبنا هنا إلقاء نظرة خاطفة على شعارات وطروحات بعض هذه القوائم الصغيرة التي تتجاوز في غالب الأحيان حدود النقد الموضوعي والتنافس النزيه عبر اعتمادها خطابا شعبويا يلامس الغوغائية إن مع قائمة “التغيير” ذات الطروحات اليساروية أو قائمة “الإصلاح والخدمات” بطروحاتها الاسلاموية فهذا الخطاب يحاول تشويه ونسف كم الإنجازات والمكتسبات الهائل الذي حققته وراكمته التجربة الديموقراطية في الإقليم الكردي العراقي على مدى سنوات عبر نفي الايجابيات ونفخ السلبيات بصورة اعتباطية واضحة لا ترنو إلى الإصلاح والتقويم والتجديد بل يخيل لها أنها بمجرد ترديد بضعة شعارات فضفاضة تلعب على وتر توق الناس البديهي للتغيير والتطوير وتطعن في التجربة الكردية في العراق بقضها وقضيضها ستحصد أصوات الناخبين حتى أن زعيم إحدى القوائم وصلت به أحلام العظمة والزعامة الوهمية إلى حد اعتماد التغيير اسما وشعارا لقائمته وحملته الانتخابيتين تيمنا ربما بالرئيس الاميركي باراك أوباما إبان ترشحه منافسا لجون ماكين على البيت الأبيض . لكن الناخب الكردي التواق طبعا إلى التطوير وتحقيق المزيد من الازدهار والتنمية والرفاهية والخدمات في كردستان يدرك أن العبرة ليست في إطلاق الشعارات الكبرى من قبل قوى وأحزاب صغيرة وهامشية تحاول تعويض ضعف وهزال قاعدتها الشعبية عبر حمل تلك الشعارات وان أداء الحزبين الحاكمين كان بصورة إجمالية عقلانيا مسؤولا وخلاقا رغم كل الظروف الموضوعية والذاتية الصعبة والقاسية التي مر ويمر بها الإقليم الذي تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى كونه محاطا بثلاث دول مقتسمة لكردستان ومعادية على طول الخط للقضية الكردية هذا فضلا عن أن في بغداد نفسها ثمة انتعاشا جليا للتوجهات التحريضية الشوفينية في الوسط السياسي الحاكم على الأكراد في العراق لكن مع كل هذا فقد تمكنت القيادة الكردية من تحقيق جملة منجزات ملموسة وواعدة على صعيد تكريس البنية التحتية للكيان القومي الكردي في العراق على أسس ديموقراطية وتعددية صلبة وترسيخ قيم الحرية والمدنية والتنوير كما الحال مثلا مع قانون تقييد تعدد الزوجات الصادر عن برلمان الإقليم الذي أقر مؤخرا رفع نسبة تمثيل النساء في البرلمان من 25 في المئة إلى 30 في المئة فليس سرا أن تطور واقع المرأة وتحررها يشكلان المقياس الأصدق لمدى تحضر وتقدم ودمقرطة المجتمع ككل فضلا عن عشرات المشاريع والخطط الطموحة الهادفة إلى تعزيز التنمية البشرية والمادية في كردستان العراق وتمتين قاعدتها الاقتصادية (آخرها بدء ضخ نفط الإقليم إلى الأسواق العالمية) الأمر الذي من شانه مأسسة الديموقراطية قيما وممارسة في المجتمع الكردستاني . وكم تبدو معبرة ممتعة وجميلة هذه المعركة الديموقراطية الدائرة رحاها في كردستان هذه الأيام فرئيس الإقليم ما فتئ يعقد الندوات والاجتماعات المتتابعة مع شتى شرائح وفئات المجتمع يناقشهم ويناقشونه ويتبادل وإياهم الأفكار والرؤى للارتقاء بمختلف القطاعات المجتمعية والمناحي الحياتية والتغلب على العقبات والنواقص والأخطاء التي لا ريب أنها تشوب التجربة الكردية العراقية شأنها شأن أي تجربة ديموقراطية وتنموية ناشئة والرئيس العراقي جلال الطالباني يعود من بغداد إلى السليمانية ليسهم بدوره في رفد جهود “القائمة الكردستانية” فقد زار مثلا قبل أيام قلائل مدينة حلبجة التي لها رمزية خاصة في الوعي الجمعي الكردي باعتبارها تمثل ذروة الألم والمعاناة الكرديين والتي زارها الرئيس البارزاني أيضا ضمن جولته في محافظة السليمانية أما رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان البارزاني فقد توجه بدوره إلى محافظة دهوك ليدشن سلسلة مشاريع خدمية ضخمة في مجال تطوير البنية التحتية وتحديثها وليعود ويفتتح جملة مشاريع استراتيجية مشابهة في محافظتي أربيل والسليمانية لعل أبرزها افتتاح مصفاة أربيل النفطية كأول مصفاة في كردستان فهل ثمة ما هو أفضل وأرقى من هذا المشهد حين يصول ويجول كبار المسؤولين الأكراد بين مدن ومحافظات كردستان للإطلاع على أوضاع إقليمهم عن كثب والاستماع إلى آراء الناس ومقترحاتهم وشكاواهم وها هنا تكمن عظمة الديموقراطية وروعتها كونها تحفز النخب السياسية الحاكمة منها والمعارضة على المواظبة على الإنجاز والتجدد والتطوير والابتكار والاحتكام إلى صوت الناس ورأي الشعب باعتباره المحك الذي يتحكم في المحصلة بنتائج العملية الديموقراطية لجهة اختيار الناخبين لمن هو أقرب إلى واقعهم ونبضهم وهمومهم وأقدر على تلبية طموحاتهم وحماية مصالحهم وتأمين حقوقهم . ولعل أكثر ما يميز انتخابات كردستان البرلمانية والرئاسية هذه هي روح التوافق والانسجام الكاملين السائدة بين الحزبين الرئيسيين بصورة غير مسبوقة كما يظهر مثلا في المهرجانات الجماهيرية الحاشدة التي ينظمانها سوية مع ما يعكسه ذلك من تقوية للدور الكردي في المعادلة العراقية المعروفة بتقلباتها وتحولاتها فضلا عن أن تكريس التحالف الاستراتيجي بين الطرفين سيقود بطبيعة الحال إلى تفعيل عجلة البناء والاعمار والتقدم والمأسسة للتجربة الديموقراطية في كردستان العراق ولعل تولي الدكتور برهم صالح رئاسة القائمة الموحدة للحزبين وتوليه المزمع بعد الانتخابات لرئاسة حكومة الإقليم الجديدة خلفا للسيد نيجيرفان البارزاني خير علامة على مدى عمق ومتانة التفاهمات الاستراتيجية الوطنية التي توصل إليها الحزبان الحاكمان وهذا ما يبدو جليا للمراقب لوسائل إعلامهما الذي لا يكاد يفرق بينها فلا يعود يعرف لوهلة إن كانت تابعة للديموقراطي أو للاتحاد نظرا إلى الرؤية المشتركة والخطاب الموحد اللذين يجمعان الحزبين الأمر الذي ستكون له انعكاسات ايجابية ملموسة لجهة تكريس كل الطاقات والقدرات لترتيب البيت الكردي وتحصينه وتجميله عبر إطلاق ورشة عمل وتطوير كبرى على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد الانتخابات بما يؤهل الإقليم للتعامل مع كل التحديات والاستحقاقات خلال الأعوام القادمة التي ليس أقلها الانسحاب الاميركي المزمع والوضع الإيراني المضطرب باحتمالاته التغييرية المفتوحة . فتجديد ناخبي كردستان لثقتهم وبنسبة عالية في انتخابات الخامس والعشرين من الشهر الجاري للقيادة الكردية سيشكل رسالة واضحة لكل الأطراف المعنية في العراق وفي الدول المقتسمة لكردستان وللعالم مفادها أن مسيرة كردستان في الديموقراطية والحرية مستمرة وأن الشعب الكردي يؤكد مرة أخرى عبر كل هذا الحراك الانتخابي الصاخب والحيوي أنه يستحق مكانا تحت الشمس .
كاتب كردي