الرئيسية » مقالات » الخندقة.. فقه وفقهاء

الخندقة.. فقه وفقهاء

الاصرار على الراي لدينا والتمترس فيه لم يعد ترفا من النوع الذي كان مارسه البيزنطيون، الفرق اننا ننزل في الراي منزلة الخنادق، لن نتنازل عنه قبل ان نشبعه بالعصبية والحروب والضغائن ونصبغه بلون الدم والحروق، فيما هم كانوا يلقون به الى سلال القمامة بعد كل جولة حوار، ويتعانقون غداة كل خلاف.
لننظر الى هؤلاء الذين قاتلوا عبدالكريم قاسم من شارع لشارع واغرقوا العراق ببركة دماء، ثم عادوا بعد خمسة عقود من الزمن يتحدثون بكل (آخ من لساني) عن زهده وسيرته الوطنية، وكان شيئا لم يكن.
والآن يحدث هذا التمترس والاصرار حيال كل قضية او فاصلة، يدخلون في خندق، ويخرجون بنا الى خندق آخر، يختلقون ما يشاءون من الازمات ويزيدون تعقيدها، حتى وإن سهل حلها واتيح نزع فتيلها وبان سبيل الوصول الى حقيقتها:
يحكى، بهذا الصدد -والكلام لعلي الوردي- ان فارسين من فرسان القرون الوسطى التقيا في طريق عند نصب قديم فاختلفا في لون: احدهما يرى انه اصفر، والاخر يرى انه ازرق، والواقع ان النصب كان اصفر وازرق في آن واحد حيث كان مصبوغا في احد وجهيه بلون يخالف لون الوجه الاخر. واخذ الفارسان يتنازعان قبل ان يتحققا من حقيقة النصب، وكان كل منهما يتعجب من مخالفة الآخر لرايه ويعتقد انه مغالط ومعاند. ان النزاع بينهما-ولا يزال الكلام للوردي- اذهلهما عن اكتشاف الحقيقة، وكلما اشتد النزاع بينهما ازداد كل منهما في تعصبه لرأيه وفي عدائه لرأي خصمه.
المشكلة لا تتوقف عند فقه الخندقة، الذي هو ثقافة بدوية منغلقةن بل وايضا في فقهاء الخندقة الذي يتولون المعارك والتأويل وانتاج البطلان لصالح اصحاب النعمة والجاه والقرار:
في اغاني الاصفهاني، ان رجلا عابرا سأل واحدا من فقهاء السلطان: ان كلبا دنس حائطا هناك، فما الحكم في هذا؟ فقال الفقيه: يهدم الحائط فورا ويبنى سبع مرات، فلما قال له الرجل ان الحائط المدنس يتبع احد قصور السلطان، رد الفقيه: قليل من الماء يطهره.
وتظهر براعة فقهاء الخندقة والكراهية في ما يسمى بالحرب بالنيابة إذ يقاتلون باسم سيدهم، ويعمقون الخنادق والمكاره ضد خصوم السيد بالاسم او بالاشارة، وقد لفت ابو حيان التوحيدي نظرنا الى واحد من اولئك الفقهاء حيث كان “يدعو ويقول: اللهم اهلك ابا حسان الدقاق، فانه فعل السوء بالمسلمين، ومنزله اول باب في الدرب على يسارك”
ـــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“العبقرية واتيان الشر لا يلتقيان”.
موتسارت