الرئيسية » مقالات » العراق و مؤتمر حركة عدم الانحياز الأخير

العراق و مؤتمر حركة عدم الانحياز الأخير

يعلم الجميع ان العراق يعد من مؤسسي حركة دول عدم الانحياز وكان له الدور الأبرز في نشوئها وتنميتها وجعلها تتسع لتضم عشرات الدول لتصبح فيما بعد واحدة من المنظمات والحركات ذات الثقل على الساحة الدولية.
وعلى مدى السنوات العديدة التي مضت على عمر الحركة كان للعراق الاسهامات المتعددة في تقويم وتطوير مسار الحركة ورسم سياساتها بما يعزز الاهداف و المعطيات التي انبثقت من اجلها وناضل زعمائها المؤسسون الاوائل من امثال غاندي وعبد الناصر وكاسترو كي تكون منظمتهم الجدار الآمن لشعوبهم بوجه هجمات الاحلاف التي كانت تسود الساحة انذاك مثل حلف شمال الاطلسي وحلف وارشو وغيرها، ويعطي لهذه الشعوب المنضوية تحت خيمة المنظمة صفة الابتعاد عن التكتلات السائدة ابان الحرب الباردة.
ومنذ ان تسنم الرئيس العراقي السابق صدام حسين الحكم في حقبة الثمانينات، بدأت هذه المنظمة تشهد حقبة جديدة من الانشقاقات والتفكك نتيجة دخول النظام العراقي بقيادة صدام الحرب تلو الآخر فبعد أن كان مقررا انعقاد مؤتمر الحركة في بغداد، شن صدام حربه على جارته ايران وجعل المنظمة بين نارين مؤيد له ومعارض مما شلّ دورها واضعف مكانتها لتكون رقماً مكملاً في اعداد المنظمات المنتشرة على الساحة الدولية لا قرار مؤثر ولا دور يمكن ان تلعبه.
ثم جاءت المغامرة الثانية التي جعلت من المنظمة هيكلا عظمياً ليس الا، وهي غزو دولة الكويت وانقسام اعضاء المنظمة مع وضد صدام، داعماً له ومستنكراً فعلته، البعض يجد له مبررات الغزو وآخرين يلعنون يوم وجوده في حكم دولة مثل العراق لها مكانتها التارخية والجغرافية والسياسية المؤثرة في الحركة.
وتمر السنين والسنين و عجلة الحركة تسير مرة بانسيابية ومرات عرجاء متكئة على تاريخها.. حتى يطل الغزو الامريكي للعراق و اسقاط صدام والمنظمة كالعادة لا تدري ماذا تفعل؟
سنوات ست مرت والارهاب يضرب كل شيء في بلد مؤسس للمنظمة ولاعب مؤثر فيها لكنها تقف عاجزة عن بذل جهداً اكبر لايقاف النزيف العراقي ولعب دور المنقذ والمداوي لجرح عضو فاعل فيها بل انها اكتفت بالبيانات والتصريحات رغم عودة القادة العراقيين للمشاركة في انشطتها و دعواهم لها بأن تلعب دوراً مؤثراً في سير الأحداث في العراق.
وقبل ايام اختتمت في شرم الشيخ بمصر قمة اخرى لدول حركة عدم الانحياز وكان للعراق هذه المرة مشاركة فاعلة فيها متمثلة بحضور نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، الذي سجل حضوراً فاعلاً من خلال كلمته او من خلال سلسلة اللقاءات التي عقدها مع جمع من رؤساء الوفود المشاركة في القمة.
لقد اشار الهاشمي خلال تواجده في القمة الى جملة نقاط مهمة تتعلق بوضع المنظمة في العراق، منها ان عدد دول حركة عدم الانحياز وصل الى 118 دولة لكن عشرة منها تمتلك التمثيل الدبلوماسي مع العراق( الدولة المؤسسة للحركة) ولك عزيزي القارئ ان ترى المفارقة و تبحث عن اجابة لدور هذه المنظمة في العراق؟؟؟
لقد دعا ممثل العراق طارق الهاشمي المنظمة الى أن “ْ تُبادِرَ في إعادةِ تنشيطِ عَلاقاتِها الدبلوماسيةِ معَ العراقِ وتُشّجِّعَ على إرسالِ وفودِها الرسميةِ والشعبيةِ ورجالِ الأعمالِ مِنْ أجلِ تَقَصِّي الحقائقِ والاطلاعِ على الأوضاعِ الراهنةِ في العراقِ على حقيقتِها على أملِ أنْ تُفضي مِثْلُ هذهِ الزياراتِ إلى تعزيزِ العَلاقاتِ الدبلوماسيةِ والاقتصاديةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ في ميادينِها ومضامينِها المختلفةِ، سيما وأنَّ لِلعراقِ دورٌ وتأريخٌ حافِلٌ في دعمِ دولِ المنظمةِ وتعزيزِ حركةِ عدمِ الانحياز. وربما تجدُرُ الإشارةُ في هذا الصددِ إلى محدوديةِ وتدنِّي مستوى التبادلِ الدبلوماسيِّ بينَ العراقِ ودولِ المنظمةِ إذْ أنَّ هناكَ سبعَ عشرةَ سفارةً معتمَدةً في العراقِ خمسٌ منها غيرُ مُقيمةٍ مُقارنةً بعددِ دولِ المنظمةِ البالغةِ مِئةً وثمانيَ عشرةَ دولة ، وهوَ أمرٌ مُؤْسِفٌ وبحاجةٍ إلى مراجعةٍ عاجلةٍ خصوصاً بعدَ أنْ زالتِ الموانعُ وتحسَّنَ الوضعُ الأمنيُّ بشكلٍ ملحوظٍ على مدى السنةِ الماضية” .
ان لقاءات الهاشمي مع الوفود المشاركة في المؤتمر جعله يقرب وجهات النظر العراقية وتوضيح الاوضاع في البلاد كما هي بمنتهى الدقة والوضوح لا كما تتناقلها وسائل الاعلام الامر الذي يعني تبديد الضبابية التي تبدو عليها الصورة لدى معظم اعضاء حركة عدم الانحياز وتجعلهم وسط الاحداث مما يسقطط حجج البعض المتمثلة بأن اوضاع العراق لا تساعد على العودة اليه والعمل معه و تنمية العلاقات التجارية والاقتصادية فيه.
لقد دعا الوفد العراقي ومن خلال نقله للحقائق الموجودة على ارض الواقع الجميع الى التعامل مع العراق الجديد و تعزيز علاقاته بصورة اكبر واقوى لان العراق كان ولازال وسيبقى ذاك العضو الاكثر تأثيراً و حضوراً على الساحات كافة جتى وان مرّ بظروف صعبة و شاقة.. و غنى تاريخه و امكانياته البشرية و الطبيعية و موقعه الستراتيجي كفيلة جميعاً بأن يكون في مقدمة الصفوف و القائد للركب طال الزمن أم قصر.

محمد الياسري