الرئيسية » شخصيات كوردية » عبدالرزاق بدرخان(1864ـ 1918) حياته، وعلاقاته السياسية، ونشاطه الثقافي الحلقة الخامسة

عبدالرزاق بدرخان(1864ـ 1918) حياته، وعلاقاته السياسية، ونشاطه الثقافي الحلقة الخامسة

نشاط عبدالرزاق بدرخان الثقافي
عبدالرزاق بدرخان الشخصية الكردية السياسية الثقافية المرموقة كان يؤمن بإن للثقافة الكردية في كردستان دور مهم ومؤثر في تحريرها، ومن اجل هذا الهدف وضع امام عينيه مشروعين ثقافيين مهمين وهما:ـ
اولاً: تأسيس جمعية ثقافية بعنوان”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” سنة1913كجمعية ثقافية كردية. وكان هو رئيسها وساعده سمكو الشكاك. وقد انضم إلى صفوفها بعض الشخصيات الكردية منهم طه النهري، وسعيد بك، وموسى بك، رئيس عشيرة”كزرجيكان”، وشكر آغا گرافي. وكشف بعض الشخصيات كردية تأييدهم لهذه الجمعية مثل كل من الشيخ عبدالسلام بارزاني، ومرتضى قولي خان، وسرداري ماكويي، وان تأييد هذه الشخصيات للجمعية “جيهانزاني” أعطت دعماً معنوياً قوياً للجمعية وتقدمها.
ثانياً: قام بفتح مدرسة لتدريس اللغة الكردية في مدينة”خوي” بكردستان ايران وساعده في ذلك كل من سمكو شكاك والقنصل الروسي بمدينة”خوي” “جريكوف” لنشر الثقافة الكردية بين الكرد.
وهناك بعض المصادر تؤكد على قيام عبدالرزاق بدرخان بإصدار مجلة تحت اسم”كردستان”عام 1912 وان نفس المصدر يؤكد على ان سمكو شكاك والقنصل الروسي”جريكوف” في مدينة”خوي” قدموا يد المساعدة له وان المصدر يشير إلى ان هذه المجلة استمرت بالصدور إلى عام 1914بداية الحرب العالمية الاولى ثم توقفت عن الصدور بسبب قيام الحرب الكونية.
قام عبدالرزاق بدرخان وعن طريق القنصل الروسي في مدينة”خوي””جريكوف”بكتابة رسالة موجه إلى السلطات الروسية طلب فيها بقيام روسيا بتقديم الحماية الكافية للجمعية، وكذلك تكوين علاقات متينة مع الكرد. لان الكرد الآن يعيشون تحت ظلم واضطهاد الاتراك والايرانيين وإلى الآن لم تفسح لهم فرصة لبناء العلاقات مع الحضارة الاوربية(أي الدول الاوربية). لان الاتراك والايرانيين لم يهتموا بنشر الثقافة والتعليم في كردستان، ولهذا السبب فان الثقافة مهملة في كردستان. كما وطلب رسمياً من القنصل الروسي”جريكوف” السماح بإرسال العالم الروسي”اوربيلي” إلى كردستان، من أجل تحقيق اهداف ومقاصد جمعية”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” التي تأسست من اجلها، لوضع”الف باء”اللغة الكردية حسب حروف أبجدية اللغة الروسية، وكذلك لوضع معجم كردي روسي فضلاً عن ترجمة نتاجات الأدباء الروس إلى اللغة الكردية. وان القنصل الروسي في مدينة”خوي”(جريكوف) اهتم برسالته، ورفعها إلى الحكومة الروسية.
ومن هنا يوضح لنا بإن مشروع جمعية”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” لم يكن لنشر الثقافة فقط بل كان المراد منها وعن طريقها تقوية العلاقات الثقافية والسياسية بين الكرد والروس. أما بخصوص وضع”الف باء” اللغة الكردية بحروف”السلافية” التي يكتب بها اللغة الروسية فكان لـ(عبدالرزاق بدرخان) هدفين يريد تحقيق من خلالها وهما:
اولاً: ان كتابة اللغة الكردية بالحروف العربية تؤدي إلى اخفاء بعض اصوات اللغة الكردية(أي حروف) لم تكتب بها.
ثانيا: ان الكتابة باللغة الكردية بالحروف”السلافية” الروسية تساعد الشباب الكرد بتعلم اللغة الروسية والدراسة بها في روسيا بسهولة.
كان لجمعية جيهانزاني برنامج مؤلف من النقاط الآتية:ـ
1ـ فتح مدارس عامة ثقافية في كردستان.
2ـ تأسيس مطبعة لطبع الصحف ومجلات والكتب باللغة الكردية.
3ـ إرسال الشباب الكرد للدراسة في روسيا.
وقد قام سمكو شكاك بمساعدة هذه الجمعية عن طريق جمع الزكاة من القرويين واعطائها للجمعية.
المشروع الثقافي الثاني لـ(عبدالرزاق بدرخان) وهي:
المدرسة الكردية في مدينة “خوي”
كان المشروع الثقافي الثاني لـ(عبدالرزاق بدرخان) هو فتح مدرسة كردية في مدينة”خوي”في يوم 23 تشرين الأول سنة1913، واقيمت احتفالية كبيرة بهذه المناسبة، واشتركت فيها الشخصيات والوجهاء الكرد المرموقة، وقراءة في هذه الاحتفالية كلمات كثيرة من قبل المشاركين منها كلمة لمدير المدرسة، وكلمة لـ(عبدالرزاق بدرخان)، وكلمة لـ(سمكو شكاكي).
طلب عبدالرزاق بدرخان في كلمته بتقديم يد المساعدة والعون لهذه المدرسة الفتية، وتوفير كافة المستلزمات الضرورية التي تحتاجها المدرسة. وشكر سمكو شكاكي في كلمته القنصل الروسي في مدينة “خوي” للجهود التي بذله، ولما قدمه من الدعم المعنوي لبناء هذه المدرسة.
وعندما تم فتح أبواب المدرسة للدراسة فيها تم قبول(299) طالباً، وكانت الدراسة فيها باللغة الكردية وبـ(الف باء) الكردي خاص، والتي وضعه عبدالرزاق بدرخان خصيصاً لهذه المدرسة وبالحروف الروسية.
وكانت تدرس مواضيع(تاريخ، جغرافية، رياضيات، اللغة والأدب الروسي)، كذلك الحقت بالمدرسة ورش للنجارة والحدادة والخياطة لتعليم الطلاب، إلى جانب فتح عيادة طبية لمعالجة الطلاب المرضى، وكان هناك كادر طبي روسي يجيد اللغة الكردية يشرف عليها.
وبعد ان نجح مشروع هذه المدرسة، طلب القنصل الروسي في مدينة”خوي” من السلطات الروسية لفتح مدارس اخرى في المناطق الكردية كذلك طلب القنصل الروسي بفتح معهد اعداد المعلمين في مدينة”اريفان”الروسية لقبول طلاب الكرد فيها وللاستفادة من علومها.
بالطبع ان نجاح المشروع الثقافي الذي تبناه عبدالرزاق بدرخان أصبح محل رفض السلطات العثمانية والايرانية ولهذا السبب اخذت الدولتان”العثمانية والايرانية” بالعمل من اجل تقليل من شأن هذه المدرسة وتأثيرها في الاوساط الكردية.
وقامت الدولة العثمانية بصرف مبالغ طائلة لفتح مدارس عثمانية في المناطق القريبة من الحدود الدولة العثمانية مع الروس، وكذلك القيام بحملة للدعاية ضد العمل الذي قام به عبدالرزاق بدرخان واعتبارها مخالفة للشريعة الاسلامية،
وان قيامه بفتح مثل هذه المدرسة يخدم مصالح الدين المسيحي ونشره في اوساط الكردية. بعبارة اخرى((انها مخطط تبشيري)) يريد منه الروس القيام بها في الأوساط الأكراد المسلمين،
وقامت السلطات العثمانية بهذا العمل والدعاية بالتعاون مع بعض الشخصيات الدينية ونشروا في الصحف العثمانية، وهم يفسرون اعمال عبدالرزاق تفسيراً مغايراً للحقيقة والواقع. وقد ركزوا على جانب الانحراف الديني لـ(عبدالرزاق بدرخان) عن الدين الأسلامي.
بدون الشك هناك بعض الدول الاوربية كالمانيا وبلجيكا ساعدت الدولة العثمانية للعمل ضد مشروع عبدالرزاق بدرخان الثقافي، وكانت للقنصل الالماني في الموصل يد في فتح مدارس عثمانية في المناطق الكردية، كذلك قام القنصل الالماني بزيارة للمناطق الكردية واجتمع مع بعض الوجهاء الكرد منهم(حسين كنعان بدرخان) عم عبدالرزاق بدرخان وتباحث معه حول ارسال الشباب الكرد إلى المانيا للدراسة في مدارسها وعلى نفقة المانيا.
كذلك اكد القنصل الالماني بعد فتح القنصلية الالمانية في مدينة”وان” بانه يحاول فتح مدرسة فيها.
وان بلجيكا هي الاخرى قامت بإرسال وفود لتبشير الدين المسيحي في المنطقة الكردية للوقوف أمام نشاط جمعية”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” والمدرسة الكردية وبعبارة أخرى للوقوف بوجه مشروع عبدالرزاق بدرخان الثقافي.
وفي النهاية ان ما قامت به السلطات العثمانية من فتح المدارس العثمانية في المناطق الكردية فشلت كذلك لم تقدم المانيا مساعدة للعثمانيين تستحق الذكر.
نهاية المشروع الثقافي
هناك عدّة عوامل ساعدت على انهاء مشروع عبدالرزاق بدرخان الثقافي الذي تبناه من خلال مشروع انشاء جمعية(جيهانزاني ـ عالم المعرفة) والمدرسة الكردية في مدينة”خوي” ومن اهمها:
1ـ الصراع الذي حدث بين عبدالرزاق بدرخان وسمكو أغا شكاك، كانت على اموال العائدة للجمعية”جيهانزاني”حيث كان عبدالرزاق بدرخان يريد ان تصرف هذه الاموال لانشاء قوة عسكرية كردية، والتي انشأها في ولاية”ارضروم” و ولاية”وان” للتهيئة للقيام بانتفاضة كردية ضد السلطات العثمانية، ولكن وقف سمكو أغا الشكاكي ضد انشاء مثل هذه القوة العسكرية، واراد ان تصرف هذه الاموال لفتح مزيد من المدارس في المناطق الكردية. مع كل ما قيل حول هذا الصراع، إلا انها لم تستمر لفترة طويلة، بل انتهت بتوقف الجمعية”جيهانزاني” عن العمل وغلق”المدرسة الكردية” في مدينة”خوي”.
2ـ بدأ الحرب العالمية الأولى.
وفي بداية الحرب العالمية الأولى ذهب عبدالرزاق بدرخان قاصداً إلى روسيا بهدف أرضاء المسؤولين الروس لتأييد مشروعه السياسي الذي خطط له والتقى في مدينة”سان بترسبورك” بالمستشرق الروسي العلامة”مار” وكذلك الخبير في الشؤون الكرديةالعلامة”اربيلي” وتم التباحث حول تطوير العلاقات الكردية الروسية لاسيما العلاقات الثقافية، وتباحثوا وتطرقوا كذلك حول مشروع إنشاء معهد كردي في مدينة “سان بترسبورك”.
يصف جليل جليلي زيارة عبدالرزاق بدرخان إلى مدينة “سان بترسبورك” قائلاً:((كان يحمل معه برنامجاً كبيراً، يريد منها حل مشكلة تحرير كردستان وتطوير الثقافة الشعب الكردي.
وفي عاصمة روسيا تباحث حول موضوع تحرير كردستان))، كما أوضحت فيما بعد أن المسؤولين الروس في عاصمة الروسية لم يقدموا وعود لـ(عبدالرزاق بدرخان). أما في حقل الثقافة، أيدوا التعاون الثقافي وكان على وشك ان يحصل عبدالرزاق بدرخان على بعض النتائج المهمة في هذا المجال)). ولكن الحرب العالمية الأولى أثرت على تحقيق مشروعه الثقافي.
بعد ان توقفت جمعية”جيهانزاني” وغلق”مدرسة الكردية” في مدينة”خوي” ولكن لم يتوقف عبدالرزاق بدرخان عن نشاطاته الثقافية والسياسية، حيث قام في يوم(25) شباط سنة 1915 برفع اقتراحين إلى الحكومة الروسية كتب الاقتراحين باللغة الروسية في مدينة”بتليس”، وطلب فيها من الروس القيام بدعم مشروعه الثقافي وتطوير اللغة والأدب الكرديين.
وسبق له ان رفع مذكرة إلى الحكومة الروسية عام 1913وكان قد اقترح فيها ما يلي:ـ
أولً: فتح قسم اللغة الكردية في المعهد الاستشراقي الموجود في مدينة”سان بترسبورك”لوضع”الف باء” اللغة الكردية بالحروف الروسية، لاعتقاده بان هذه الخطوه سوف تساعد الطلاب الكرد لتعلم اللغة الروسية والدراسة بها.
ثانياً: طلب من الحكومة الروسية القيام بإرسال العلامة”اربيلي” إلى كردستان من اجل وضع قواعد اللغة الكردية ووضع معجم كردي ـ روسي، اضافة إلى ترجمة نتاجات الأدباء والكتاب الروس إلى اللغة الكردية.
في الختام أريد أن اقول بإن عبدالرزاق بدرخان جاهد ومثله مثل السياسيين الكرد الاخرين، من اجل تطوير الثقافة الكردية.
بدون شك كان هدفه الرئيسي من النضال السياسي ونشاطاته الثقافية هو لاستيقاظ شعبه ونشر الوعي القومي في أوساط الكرد على الرغم ان عمر جمعية”جيهانزاني ـ عالم المعرفة” لم تكن طويلاً إلا انه عمل دوراً كبيراً يستحق الذكر في نشرالثقافة والمعرفة بين اوساط العشائر الكردية.
Taakhi