الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الرابعة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الرابعة عشرة بعد المئة

ولقد اثرنا ان نقتبس وصفاً انطباعياً عن قرية جوارته التي يصفها ادموندز وهي من الصنف الشائع المتسلق على سفح جبل وقد وجدنا وصف ادموندز يمثل نموذجاً جيداً للقرية الكردية اذ يذكر ان جوارته تقع على ارتفاع 4000 قدم في السفوح الجنوبية القريبة لجبل سرسير وتشرف على منظر رائع يشمل كل (كوكاسور) حتى (ازمر). ويرى ادموندز من هذه القرية موضعاً لا ابهج منه للنفس فهي تقع بين بساتين اللوز والتوت وتعشش في ظلال اشجار الاسبندار الطويلة الرشيقة واشجار الجوز ذات الاغصان المنداحة لقرون عديدة ان القرى المبنية على سفح الجبل تمتاز بميزة عظيمة إذ هي اقل تعرضاً لتقلبات درجة الحرارة العنيفة من تلك التي في السهل (98).
ان ما ذكره الكرد لادموندز لا بد ان يكون صحيحاً ولا بد ان تكون هناك تفسيرات علمية جيومناخية لظاهرة اعتدال المناخ على السفح اكثر من السهل.
ان القرب من الماء عامل مهم في تقرير موقع القرية وهو يدرس او يؤخذ بنظر الاعتبار الى جانب عامل الحصانة والدفاع، وقد لوحظ ان بعض القرى الكردية تغير مواقعها او تهاجر من موقع عال الى موقع ادنى بسبب شحة الماء وقد لا تهاجر كل القرية بل قسم منها الى منطقة ادنى من الاولى لكي يكفي الماء وبهذا نجد القرية الاولى توصف بالعليا والثانية توصف بالسفلى.
يتحدث بارث (1953) عن القرى الكردية في المناطق الجنوبية من كردستان وهو يراها موحدة الطراز، فالبيوت مشيدة من الطين او الصخور الملتحمة بالطين. والسقوف مسطحة ومرفوعة بواسطة اعمدة ممتدة افقياً وهذه تعد اثمن جزء من البناء. وبناء على الطبيعة المعمارية والحجم الصغير للاخشاب المتوفرة فان الغرف تميل لان تكون صغيرة تماماً، وان الاعمدة لا تستخدم قطعاً من اجل تعزيز العمود الرئيس في السقف.
اما الطابق الثاني للبيت فمن النادر ان نجده. وعموماً ليس هناك من باب لاقفال المدخل الرئيس للدار في القرية ولا توجد الواح زجاجية للنوافذ، والنوافذ عادة صغيرة وعالية، والغرفة الصغيرة دائماً شديدة الظلمة، ولا توجد فتحة خاصة بالدخان (مدخنة) وعادة فان الدخان المتصاعد من النار المشتعلة على الارضية يجد طريقه للخروج عبر النوافذ او الباب، والغرف خالية تماماً من الاثاث، والمحتويات الوحيدة للغرفة التي يمكن ان يراها الزائر هو (السماور) لصنع الشاي وبعض الاقداح الزجاجية الصغيرة موضوعة على رف، وبساط ملفوف والذي يفرش على الارض للجلوس عليه.
ان عدد الغرف يختلف من بيت الى آخر ولكنه ليس بالاختلاف الكبير، وطبيعي لا بد للبيت ان يمنح السكن للحيوانات ايضاً كالحمير والثيران والابقار وربما الخيل. وتوجد لكل دار ساحة صغيرة محاطة بسياج واطئ. وفي الشتاء يعطي البيت حماية جزئية من العواصف الثلجية القادمة من جبال زاكروس. وعندما يكون المناخ دافئاً فان العائلة تنتقل الى سطح الدار بعد غياب الشمس للاستفادة من النسيم البارد القادم من الجبال.
اينما وجد التل يمكن تشييد القرية الكردية من الطين المنقوع، ويكون البناء بشكل بحيث يصبح سقف الدار باحة للدار التي فوقها على سفح التل، والعوائل تميل لاستخدام سطوح الدور التي تقع دون دورهم لاغراضهم الخاصة وهكذا نزولاً من اعلى دار الى اسفل دار، وما يتضح هنا، فان بناء القرية يكون بناءً كثيفاً متراصاً، وربما الاصل في ذلك يعود الى سبب دفاعي، وبالتأكيد فان في هذا النوع من البناء تخلصاً من بعض المشكلات وذلك يجعل الجدران واقسام الدور تقوم بادوار مضاعفة في تشييد الدار. ومعظم الدور مشيدة على منحدر وتجد في الاسفل نبع ماء بارد، ولكن في المناطق الواطئة يمكن ان تعتمد القرى على الابار.
ان المنظر العام، حوض صغير يجهز بالماء مباشرة من نبع ويحمى من التلوث بواسطة صخور جدارية واطئة، وحول الحوض تجد اشجاراً باسقة ظليلة لا يجوز كسر فرع من فروعها، ويمكن ان نلاحظ اسماكاً في بعض الاحواض تغذى من قبل القرويين والتي لا يجوز التحرش بها. والحوض يستخدم كمكان للتطهر (الوضوء) ومكان ملائم للصلاة (101-2).
اما عن الدور الكردية فقد وصف الرحالة والمستشرقون هندسة الدار من الداخل كما ابدى البعض اعجابه ببساطة وجمالية هذه الدور مثلما ابدى البعض الاخر عدم ارتياحه ففي الوقت الذي دون ريج عدم ارتياحه من الدار التي حل فيها في مدينة السليمانية في (1820) (60) نجد ان لايارد الذي زار مير فيض الله زعيم منطقة البرادوست في اربعينيات القرن التاسع عشر يصف بارتياح مضيف وواجهة الدار، اذ يذكر ان الدار تتسم بحسن المظهر وان الواجهة التي تستند الى اعمدة مفتوحة من جهة واحدة وتقابل الوادي تعطي منظراً خلاباً (374).
اما ويكرام فيصف في (العقد الاول من القرن العشرين) داراً قروية كردية في احد الاصقاع الجبلية، انها دار رئيس القرية اذ يصفها بانها انموذج للكوخ الجبلي الاعتيادي فجدرانها مبنية بالحجر غير المنحوت وارضية مفروشة بتراب مدكوك دكاً، اما السقف الواطئ المستوى الكثير السخام بسبب الدخان فيقوم على جذوع غير منجورة من خشب الزان ويفرش فوقها طبقة من القش والاغصان اليابسة تليها طبقة ثخينة من الطين، والطين بطبيعة الحال يتشقق في موسم الصيف ويتسرب الماء في موسم الامطار من تلك الشقوق فيعمدون الى رأبها بعملية سهلة وهي امرار حجر اسطواني فوقها عدة مرات، وهذه العملية التي يذكرها ويكرام هنا هي العملية ذاتها التي ذكرناها في معالجة سطوح الدور في السليمانية في موسم الشتاء وتسمى باكوردان*.
ويسترسل ويكرام في وصف الكوخ فهناك الموقد او التنور وهو على شكل سلة من سلال النحل يحفر وسط ارض الكوخ ويجد الدخان منصرفاً سريعاً له من ثقب السقف، وليس في الغرفة نافذة وبابها منخفض جداً ولهذا يقوم منفذ الدخان بوظيفة الشباك اذ يسمح بدخول النور نهارا (143).
والحق ان الموقد الذي وصفه ويكرام قد استعيض عنه بعد سنوات في القرى الكردية بمدفأة خاصة لحرق الخشب فيها، وهي عبارة عن (برميل) فيه فتحة جانبية يمكن غلقها وفتحها بواسطة باب صغير ويعلو هذه المدفأة ومن قاعدتها العليا اسطوانة (بوري) من الصفيح تخترق السقف الى خارج الغرفة لاخراج الدخان وتوضع في هذه المدفأة قطع الخشب واغصان الشجر وتحرق لتدفئة الغرفة ولتسخين الماء الذي يمكن وضعه على قاعدتها العليا ايضاً.
هذه المدافىء انتشرت مع ظهور (البراميل) او العلب الصفيحية السميكة والاسطوانية التي اخذت تصل الى المنطقة والتي تترك او تهمل بعد الاستفادة من محتوياتها المختلفة ثم بدأت صناعة الصفيح في عمل مثل هذه المدافىء بعد ان دخلت طبقات الصفيح المستورد الى المنطقة.
اما توما بوا (في نهايات العشرينيات من القرن العشرين) فيصف انموذجاً من بيت قروي كردي وكما يصفه – بدائي جداً – الدار محاطة بسور وفيه جناحان او قسمان الاول مخصص لسكن اهل البيت والثاني مخصص للحيوانات وفي احد الجوانب الفسحة المسورة بين القسمين يوجد مخزن للخشب الذي يستعمل وقوداً وادوات المنزل والطبخ. اما الحبوب فتخزن داخل حفر مغطاة بالطين والتبن ويمكن مشاهدة التنور الذي يشبه شكل الجرة المطمورة في الارض (26).
ان التنور الذي يذكره توما بوا قد لا تجده في كثير من القرى لان اغلب القرى الكردية لا تخبز الخبز بالتنور بل ان الخبز الكردي المعروف هو ما يخبز على الساج وهو قرص معدني غير سميك يوضع على ثلاثة احجار وتشعل النار تحته وعندما يسخن الساج توضع عليه اقراص خفيفة جداً من العجين المشبوك بالنشاب ويكون الخبز رقيقاً وجافاً ويجري ترطيبه قبل الاكل برش الماء عليه فيعود مرناً لذيذاً ومن ابرز مميزاته انه لا يتعفن.
ويستطرد توما بوا في وصف البيت الكردي القروي فيذكر وجود مصطبتين مشيدتين من الطين على جانبي الممر من الباب الخارجي وهذه تغطى باللباد وتستخدم للجلوس.
وفضلاً عما ذكره توما بوا فان معظم ممرات مداخل الدور تؤدي هذه الوظيفة اي الجلوس حتى ان بعض الضيوف يمكن استقبالهم في هذا المكان وعلى هاتين المصطبتين المتقابلتين ويسمى في الكردية (ناف ده ركه) او كما يسمى بالانكليزية (كليدور).
توما بوا يقول، ان هذه البيوت لدى الطبقات الفقيرة تتألف من غرفة وحيدة ينام فيها الفلاح وزوجته واطفاله وثوره ودجاجاته ويختزن فيها مؤونته من خشب الوقود ومن طعامه.
ويذكر هَيْ (1918-1920) نوعاً ثانياً من البيوت القروية الكردية التي تقترب مما ذهب اليه توما بوا، وهي دور يملكها فلاحون هم في وضع اقتصادي افضل بعض الشيء ممن سبق وصف بيوتهم، فالبيت عند هؤلاء يتكون من غرفتين او ثلاث غرف فيه زريبة للحيوانات اما رئيس القرية او مختارها فنجد في داره ما يميزها عن الاخرين، غرف لنسائه ومضيف لضيوفه او للمستطرقين (66).
Taakhi