الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة عشرة بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الثالثة عشرة بعد المئة

كانت البناية مخصصة للغرباء مع جيادهم وتبلغ مساحتها 60م مربعاً. ان هذا المربع مقسم عرضياً الى قسمين القسم الاول خاص بالمسافرين بينما القسم الاخر الاكبر كان اصطبلاً. ولم يكن يفصل بين هذين القسمين سوى جدار صغير يزيد قليلاً على ياردة واحدة والتي يستفاد منها كقاعدة للاعمدة الخشبية التي يستند اليها السقف، لذا فان الرجال والحيوانات كانوا يتنفسون من نفس الهواء.ان غرفة الجلوس كانت غرفة مستطوال الشكل جميلة وفيها موقد رخامي مشيد في اقصى الغرفة بمواجهة الباب، وكذلك كانت في الغرقة منصة (دكة) وقد فرشت ببساط طويل من اجل المسافرين، اما السقف فكان مشيداً من الاعمدة الموضوعة بشكل افقي وبقدر ملحوظ من المهارة. وكانت هناك كوة فوق المدخنة وهو المكان الوحيد الذي كان يدخل منه الضوء الى الغرفة.
اما الاصطبل فقد كان فسيحاً وفيه ثلاثة مقاطع للعلف تواجه المكان المخصص للنزلاء البشر.
وكان سقف الاصطبل مشيداً من اخشاب مقطعة بشكل جيد ومصفوفة بشكل تدريجي من الحواف الى المركز مما يجعل السقف يعطي شكل قبة. وتوجد فتحة في اعلى السقف تقوم بمهمة النافذة وتساعد على تهوية الاصطبل وتزويده بالضوء.
ويعقب ميلنكن قائلاً، بشكل عام علي ان اعترف بانني لم اكره المكان ابداً واخذت اشعر بالسعادة بمنظره، واخذت افكر بان الكرد لم يكونوا مفتقرين للذوق.
ويبدو ان الفكرة المسبقة لميلنكن وكما يظهر من ثنايا كتابه لا سيما في البدء وحتى من خلال عنوان الكتاب كان يحمل موقفاً (غير طيب) عن الكرد بيد ان رحلته بين (اناس متوحشين) غيرت من سمعة هؤلاء (المتوحشين) في ذهنية ميلنكن.
وهنا وبالرغم من ان ترتيب البناية ينسجم مع حاجاتهم ومع مقتضيات حياتهم العجيبة فانهم لم يتجاهلوا اعطاء سكنهم مظاهر الراحة والفخامة (29-31).
والحقيقة عندما نقرأ في انطباعات الرحالة والمستشرقين عن مستوى العمارة في المدن الكردية لا نجد في الواقع اعجاباً مميزاً او على مستوى رفيع سوى الاعجاب الذي خصت به مدينة ماردين في كردستان تركيا ومعماريها.
لقد وصف السير مارك سايكس (1902) هذه المدينة بموقعها المتميز من جهة ومن جهة اخرى فان اهالي مدينة ماردين يعدون من افضل المعماريين في تركيا. ولذا تجد كل بيت في هذه المدينة قد شيد بشكل جيد، ليس هذا فحسب، بل تجد ان الدور قد صممت بشكل راق وبمعمارية جميلة، وتجد المعماريين في هذه المدينة عمالاً يشيع وجودهم وهم غير مثقفين وفقراء.
يضرب مارك سايكس مثالاً على المنارة في ماردين والتي كان قد مر على تشييدها 17 عاماً عندما شاهدها، اي في العقد الثامن من القرن التاسع عشر. انه يصفها (بالمعجزة)، فهي في نظره معجزة العمل الخلاق والمهارة الفنية وقد صممت وانجزت من قبل كبير المعماريين، الذي التقاه سايكس وهو مشغول ببناء (مرافق) خاصة لاحدى الدور!
ويذكر، انه شيء غريب ان تجد فلاحاً جاهلاً قادراً على تخيل خطط بناء اصيلة، وان يعرف بالحدس والتخمين المقادير المضبوطة من المواد اللازمة لاجراء الزخارف المطلوبة في البناء من دون زيادة او تبذير (133-1).
اما ادموندز فهو بدوره قد دون انطباعاته عن المعمارية الكردية وهو يذهب مذهب سون نفسه من حيث تأثر العمارة في السليمانية بالطراز الفارسي.
ويبدو ان ادموندز كان قد اطلع على انطباعات الرحالة ممن زاروا المنطقة قبله فهو يقول في وصفه للسليمانية، لم اجد كلمة مدح لمظهر المدينة الهندسي ومنظرها الخارجي لاي كاتب زائر، ثم يدون ملاحظاته اذ يقول، موقع يخيب الامل موحش للغاية معظمه خرائب وهو بمجمل القول لا يزيد عن مجموعة من الاكواخ الطينية الا بقليل. الانطباع العام الذي تخلفه فراغات واسعة تنكشف عن جدران منقوصة وخرائب وسيقان من الحشائش الجافة تنمو الى ارتفاع يزيد على القدم الواحدة فوق سطح سقوف طينية مقيرة، ويكاد يكون مسجد كاكا احمد الذي يقع بالقرب من المدخل الغربي للمدينة البناء الوحيد ذا المظهر الدال على العناية بمنارته النحيفة ذات الزخارف الملونة من النقشات والاجر الاخضر والابيض التي تكسوه حتى مقصورة المؤذن والقبة (79).
القرية الكردية
هناك ميل كردي في ان تتخذ القرية لنفسها موقعاً ستراتيجياً مدروساً، يقوم في الحقيقة على عاملين اساسيين اولهما العامل الامني وثانيهما عامل الماء.
وفي ضوء هذين العاملين تتخذ القرية الكردية – على الاغلب – احد موقعين فاما ان تكون على مرتفع واما ان تكون مستترة في منخفض او واد. لكن هذا لا يلغي وجود عدد غير قليل من القرى السهلية المنبسطة الشبيهة بالقرى العربية وهذه تكثر في المناطق السهلية المنبسطة تماماً لا سيما القريبة من المناطق العربية.
ان هذا التقسيم الذي اشرنا اليه اي القرية المرتفعة او القرية المستترة بحاجة الى توضيح فهو ليس بالتقسيم المطلق ذلك ان هناك من القرى التي لا تشيد على او في اعلى المرتفع بل على منحدر المرتفع او قد نجد منطقة لا مرتفع فيها بل يشيد القرويون تلاً اصطناعياً ثم يشيدون القرية فوق هذا التل لكي يقوم التل بدوره في حماية اهل القرية والحماية هنا يقصد بها حماية من العوامل الطبيعية كالسيول والفيضانات وتراكم الثلوج او حماية بشرية من الاعداء والمهاجمين فالارتفاع عن مستوى الارض يمنح القرية موقعاً اكثر قدرة على التصدي للهجمات القادمة من الاسفل، لذا فان المرتفع يمنح حصانة دفاعية اقرب الى ما تمنحه القلاع من حصانة.
لقد ذكر د. شاكر خصباك (1972) ما ذكرناه آنفاً وقد اعتمد على دراسة ليج (1940) الذي يعلل هذه الظاهرة (ميل الكرد لبناء القرية على مرتفع طبيعي او مصطنع) الى ندرة الاراضي الزراعية في المنطقة. بيد ان الدكتور خصباك يفند هذا التعليل (152) ونحن نتفق معه فالاراضي الزراعية ليست نادرة في ميدان دراسة ليج (راوندوز) ثم لا علاقة بالزراعة في موضوع تشييد القرية على مرتفع. بل العامل الامني هو الذي يلعب دوراً كبيراً في اتخاذ الكرد مواقع مرتفعة او متوارية.
هذا وقد وصف معظم الرحالة ممن عنوا بموضوع القرية الكردية سبل الحصول على المياه، فمعظم القرى تعتمد على نبع محاذ اما في اسفل المنحدر او على المنحدر او ان تطل القرية على نهر او – كما في القرى السهلية – تعتمد على الابار.
ونشير الى ما ذكره د. شاكر خصباك حول موقع القرية الكردية التي تشيد على المنحدرات المواجهة للجنوب لتخفيف الحماية من الرياح الباردة، وهي الجهة المعاكسة لهبوب الرياح الباردة بينما تدفن ظهورها المواجهة للرياح الباردة الى النصف تقريباً وهذه الهندسة قد اكسبت البيوت القروية الجبلية في كردستان العراق منظراً متميزاً فظهورها تبدو من الخارج مرتفعة بضع اقدام فقط عن الارض، بينما يصل ارتفاعها من الداخل قرابة ثلاثة امتار (152-3)*.
اما المستر ريج (1820) فقد ابدى رأيه حول القرية الكردية اذ يذكر ان معظم القرى في كردستان تقع في مخابئ مستورة وفي وديان بعيدة عن النظر، ويعلل ريج ذلك محاولة من الكرد للتخلص من زيارات قطعات الجيش التي تمر بجوارها ولكنه يضيف ان كثيراً ما يكون هذا التدبير غير نافع. ويأتي ريج بـ قرية قزلجة مثالاً على ذلك، فهي منطقة حدودية معرضة لمثل هذه النكبات الاعتيادية ففي السنين العشرين الاخيرة – كما يذكر آنذاك – خرب الايرانيون وآمان الله خان (قزلجة) مرات عدة خراباً جعل عاليها سافلها (133-3).
الا اننا نعتقد ان ريج قد بالغ عندما قال ان (معظم) القرى في كردستان تقع في مخابئ ربما اصاب ريج في وصف المنطقة التي جال فيها ولكن ليست لدينا احصائية عن مواقع كل القرى في كل كردستان او معظمها من جهة ومن جهة اخرى فان ريج لم يزر كل كردستان، بعبارة اخرى نعتقد ان قرار ريج غير دقيق ولكن الجانب الامني وارد في تشييد كل قرية كما ذكرنا.
التآخي