الرئيسية » مقالات » حياد أم.. انحياز و مجموعة عدم الانحياز في اللعبة الدولية ؟!!

حياد أم.. انحياز و مجموعة عدم الانحياز في اللعبة الدولية ؟!!

تداعت إلى منتجع شرم الشيخ في القاهرة مئة و ثماني عشرة دولة من دول مجموعة عدم الانحياز في يومي 15-16 من تموز من عام 2009, هذه المجموعة من الدول تشكل ثلاثة أرباع سكان العالم , بما لها من ثقل سكاني و اقتصادي و سياسي و تأثير في السياسة الدولية , و في محافل و منظمات الأمم المتحدة و منابرها ,, كما أنها تشكل وعاء ضخما يضم عددا هائلا من القضايا, محور الاهتمام العالمي, كقضية الشرق الأوسط والنزاع العربي الإسرائيلي, وما جر من حوارات ونزاعات وحروب منذ/1917, وقضايا البلقان والبوسنة والهرسك, والعراق وأفغانستان , والقضية الكورية بكل أبعادها ومسائلها , ونزاع الشمال والجنوب ودارفور في السودان, والملفين النووي الكوري الشمالي وإيران ,وانطلاقة تنظيم القاعدة وانتشارها إلى معظم أنحاء العالم, وقصة الصراع المحتدم بين المعارضة والأنظمة الاستبدادية والشمولية … لتشكل الحاضن الأكبر لمعظم التوجهات والاهتمامات الدولية ومستحقاتها ونتائجها المترتبة عليها, وكونها مهد الحضارات بقيمها المادية والروحية ومهبط الأديان الكبرى, هذه المنطقة الحيوية من العالم إلى جانب ثرواتها الظاهرة وذخائرها الباطنة, مواردها , وكونها في القلب من العالم وحركته الاقتصادية, تشكل المنعطف والمنطلق والمآل لمعظم القضايا العالقة والساخنة والباعثة على التوتر, ليكون التداعي إلى إطلاق بادرة منظمة ” عدم الانحياز” منذ أن انطلقت في التكوينة الأولى من خلال مؤتمر باندويغ , بعد “عقد مؤتمر العلاقات الآسيوية ” في نيودلهي عام 1943 , بداية عمل سياسي له مبرراته ودواعيه , مع انقسام العالم , وتوتر علاقاته الدولية , وخطر النزاع وتناميه , بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية, و لكن تباين الآراء و اختلافها حال في ذلك الوقت دون تشكل منظمة الدول غير المنحازة , ” ثم ما لبثت الهند وباكستان و أندونيسيا -بما لها من قوة بشرية و اقتصادية- إلا أن دعت لعقد مؤتمر باندونغ في 18 نيسان / أبريل 1955 , والذي استمر لمدة ستة أيام , و حضرته وفود تسع و عشرين دولة , وكان هذا المؤتمر بمثابة نقطة الانطلاق الأولى لحركة عدم الانحياز../ موسوعة أحداث العالم /مجالس و أحلاف / ص142 ..” ..
إلى أن كان عقد مؤتمر بلغراد سنة 1961 , بمشاركة خمس وعشرين دولة مؤسسة, وقد نشط في صياغة أهدافها وبلورة اتجاهاتها, الزعماء الكبار المؤثرون في هذه المجموعة وهم ( الزعيم الهندي جواهر لال نهرو والأندونيسي سوكارنو , والزعيمان جمال عبد الناصر, وجوزيف بروز تيتو , من مصر ويوغسلافيا..) , لتؤكد الوفود المشاركة عدم انحيازها – إبان الحرب الباردة – لأي من معسكري الصراع آنئذ , الشرقي أو الغربي , وما كان بينهما من تقاسم للنفوذ , وصراع محتدم على المواقع, و محاولة الهيمنة على العالم, لتنأى بنفسها عن أي حلف عسكري, وتنهج رؤية قوامها: سياسة خارجية مستقلة , ترتسم مع مبادئها وخصوصياتها ومصالحها الوطنية, هذا ما كان ظاهريا ولكن حركات التحرر بمجملها, وقادتها ومفكريها, وسلطاتها في الشرق الأوسط وإفريقيا , وأمريكا اللاتينية , وجنوب شرق آسيا كانت منقسمة بين المعسكرين , وميالة – في معظمها- إلى المعسكر الشرقي, وإن حاولت المنظمة جهدها , تشكيل قوة – وفق هذه الرؤية- قبل ثمانية وأربعين عاما, لتأكيد حيادها وعدم انحيازها . .
و ما نشهده اليوم _ في ظل بروز القطب الواحد , و حلفه و مجموعته الغربية , و غياب القطب الآخر و زوال تأثيره – ما نشهده, يعد امتدادا لحقبة تاريخية تولت, وبقي منها اسمها ,في أكبر كيان وأوسع مدى جغرافي وبشري وسياسي, حيث بلغ عدد أعضاء هذه المنظمة مئة وستة عشر,في القمة الخامسة عشرة لهذه المجموعة المنعقدة في منتجع شرم الشيخ هذا العام, في مصر برئاسة الرئيس المصري حسني مبارك , بعد عقدها عام2003/ في كولالمبور, بعد أن تغيرت الخارطة السياسية, واختفى المعسكر المتمثل في الكتلة الشرقية , بقيادة الاتحاد السوفياتي, وامتداده العسكري ” حلف السنتو”, لتظهر هيمنة المحور الجديد المتجسد في القوة الضاربة سياسيا وعسكريا, بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلسي, الذي يقوده , والذي بدأ يمتد شرقا باتجاه المعسكر الشرقي ودوله وحكوماته السابقة , والتي تبدلت أنظمة الحكم فيها , وما تبديه وريثة القيادة السوفياتية ” روسيا الاتحادية ” من ممانعة ومحاولة لجم لهذا الاندفاع , مع تنامي تحدي هذا المد الغربي في جورجيا ونصب الدرع الصاروخية في بولندا , و بروز الصراع الجورجي الروسي مع تفاقم أزمة ” أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية “, ومحاولات الشد والجذب بين هذه القيادة الوريثة والمترنحة وأمريكا في ظل تحدياتها الدولية والإقليمية المتعددة, ونصبها من نفسها مسؤولية دولية كبرى في رعاية الديمقراطية وحقوق الإنسان, ومقاومة الإرهاب ومظاهرها وبؤره – رغم التحفظات والعراقيل- , لتبدو منظمة عدم الانحياز – وسط هذه المعطيات الدولية , والمناخات الإقليمية الجديدة ,و قضايا الشمل الغني والمتطور والمتقدم علميا وديمقراطيا والجنوب المتخلف في كل ذلك, والمعاناة الإنسانية المشتركة في الفقر والتخلف والمرض والاحتباس الحراري ,مع تنامي خطر السباق النووي في محيط دول هذه المجموعة , لتبدو هذه المنظمة – من خلال جملة الأوضاع والتعقيدات الطارئة- في حالة مراجعة شاملة لمناهجها وسياساتها ومساراتها, ومصالحها الوطنية , وثرواتها وأشكال المواجهة المطلوبة لهذه التحديات, وقضايا التخلف والبيئة والمناخ وملامح الأزمة المالية العالمية.. حيث لم يعد المبرر الأساسي لبروزها على الساحة الدولية كقوة محايدة في وجه الصراع بين معسكرين قائما , ولم تعد مبرراتها محركا ودافعا لتحركات سياسية محددة, كما أن حيادها لم يكن كاملا في يوم من الأيام, حتى يعود ليكتمل من جديد , كما لا يمكننا تحييد أي قرار دولي أو إقليمي – في معرض العلاقات الدولية – بشكل يجعل منه قرارا معزولا عن المصالح والمنافع والتجاذبات المختلفة للدول والحكومات والمنظمات الدولية, واعتباراتها وعلاقاتها المتنوعة , وهو فهم أساسي ينبغي التنبه له وإدراك عوامله ومقتضياته, وفهم معادلته السياسية, في اللعبة السياسية الدولية, وتأثيراتها الإقليمية والوطنية , وما لطرح العولمة وحقوق الإنسان, وانهيار السياج الناري الذي كانت الحكومات والدول تحيط نفسها به , حيث زالت الحواجز , وأزيحت الحدود , وانكسر طوق العزلة الدولية , وبات الانفتاح على المحيط الإقليمي والدولي من ضرورات السياسة الخارجية لكل دولة وكل سلطة , بل بات التدخل في السياسة الداخلية , وقضايا حقوق الإنسان , و طريقة التعامل بين الدولة ومواطنيها والحفاظ على قيم المواطنة الحرة وكرامة الإنسان , ومدى القبول والرفض في العلاقات بين السلطة والشعب , وما يتبع ذلك من أمن واستقرار وغذاء وصحة وخدمات عامة , وحقوق تخص الأفراد والجماعات, ومجمل المكونات الإثنية والمذهبية , بات التدخل في سياسات الحكومات السياسات الخارجية والداخلية والإقليمية والعالمية أمرا تحت الأنظار , في ظل مراجعات دولية وحقوقية ومراكز قوى واستراتيجيات عامة.. حيث تبدلت الأوضاع , وانصرفت السياسة الدولية إلى مزيد من الرقابة على حرية كل مواطن في أية بقعة من العالم , بما في ذلك حقه في التعبير والمسكن والملبس والتنقل والتجنس والدفاع عن كرامته ووجوده , وثقافته ولغته , وهويته وانتمائه , وفكره وعقيدته .. حيث لم يعد للحياد وجود ودور في الحياة العامة والخاصة للدول والحكومات والأفراد , ولكن دون أن يعني ذلك حل المعضلات والقضايا الكبرى للشعوب والأفراد والجماعات , إذ لا تزال بلدان بأكملها تعيش حالات الفقر والحرمان والجوع والتشرد والعيش الكريم في الصومال ودارفور وبوليساريو, وكردستان الممزقة والمجزأة والمحرومة , ومالي والنيجر , وجنوب إفريقيا ومعظم القارة السمراء, , بما فيها من جفاف وقحط وغلاء , حيث يعيش مليار من سكان المعمورة في حالة فقر.. .
إنّ هذه المجموعة التي انعقدت قمتها في القاهرة , بآرائها وأفكارها وسياساتها المختلفة , وخطابات رؤسائها وبياناتهم ولقاءاتهم الجانبية, على تباين التصريحات والآراء والفلسفات, لم تستطع – على الرغم من أهمية هذا اللقاء- أن تجمع خيوط هذه التركيبة , وتؤلف نسيجاً سياسيا وفكريا محكما , لافتقار هذه الرؤية السياسية إلى ملاحظة المتغيرات الدولية والتحولات الكبرى , واجتماعها على أكثر من تصور بل تصورات ومفاهيم أيديولوجية واستراتيجيات متباينة, والتي اضطرتها إلى أن تشدّ البوصلة السياسية باتجاه محوري آخر, يتجلى في مجمل سياسة دولية جديدة , تنحو نحو ضرب الإرهاب وبؤره ومرتكزاته والاستبداد وأنظمته وقواه الداعمة , وترقى إلى أن تشكل الديمقراطية وحقوق الإنسان , والرؤية العالمية لفكر إنساني جديد , رؤية معاصرة , وهو ما نرجحه في الفكر الكوردي والسياسة الكوردية اللتين تجدان في عدم الانحياز دورة في فراغ , إلا فيما يفترض في التصور الجديد – رغم محاذيره واستثناءاته – الانحياز التام إلى حقوق الأفراد والجماعات والشعوب في تقرير حياتها وإرادتها والتعبير عن وجودها الدستوري والحياتي , والخروج من أسر التمييز والعنصرية والاستثناء والإقصاء إلى عالم رحب , يتسع لكل المجوعات والشعوب والأمم , لبناء حالة من التفاهم والتحاور ونبذ العنف, دون الخروج من الحيز الواقعي والتحرك على أرض صلبة من المفاهيم والمعادلات العالمية ومتغيراتها , في تحيز فعلي وواقعي إلى هذه اللعبة الدولية الجديدة ومفاهيمها, بحيث تنهض على دعائم مستقرة تقوم على من العدل والتكافؤ والمساواة , ورفض المكاييل والموازين المختلفة , والخروج من حالة المصالح القومية والوطنية المنغلقة والمحدودة, باتجاه مراجعة أكيدة لمجمل السياسة الدولية والإقليمية , نحو الانفتاح وتحاور الحضارات والتكامل ونبذ الفرقة والاستعلاء والتمييز لعرق ومذهب وانتماء , والتهيؤ لانحياز حقيقي إلى كل ما هو حق وعدل ومساواة , فهل من معنى اليوم لعدم الانحياز؟! إلا من خلال تلك المعايير في اللعبة الدولية الجديدة؟!!, وهل يمكن للأفراد والجماعات والحكومات والدول أن تراجع المعايير والمصطلحات من جديد في ضوء التطور العلمي والسياسي والفكري الهائل ؟؟!. .