الرئيسية » مقالات » هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسير على طريق الصَّد ما ردَّ؟

هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسير على طريق الصَّد ما ردَّ؟

ليس هناك من لم يتابع الأحداث التي جرت ولا تزال تتفاعل في إيران, سواء أكان في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية أم أثناء ذلك أم بعدها, وليس هناك من فوجئ بالنتائج التي انتهت إليها الانتخابات إلا القليل من البشر ممن لم يعرفوا بصورة جيدة البنية الداخلية للجمهورية الإسلامية وبنية القوى الحاكمة ودور المؤسسة الدينية المهيمنة على القرار السياسي بإيران. وليس هناك من فوجئ بالطريقة التي تعاملت بها أجهزة الأمن والشرطة والحرس الثوري والبسيج مع المتظاهرين والمحتجين على عملية التلاعب بالانتخابات التي يستطع أحد إنكارها ولكنهم قللوا من شأنها في التأثير على النتائج المعلنة.

حين دعيت إلى ندوة تلفزيونية حول نتائج الانتخابات قبل أقل من ساعة من إعلانها وما يمكن أن يحصل, توقعت ثلاث مسائل أساسية:

1 . أن القوى الحاكمة لن تسمح بمجيء قوى معارضة للسلطة حتى لو كانت من داخل النخبة الحاكمة ومن المؤسسة الدينية الواحدة لأنها تملك أجندة خاصة متفق عليها بين المرشد الأعلى والقوى المحافظة التي يترأسها وحمدي نجاد المنفذ المباشر لرؤية المرشد والحرس الثوري والبسيج معاً.

2 . والأجندة الفعلية للحكومة الإيرانية تتضمن ثلاثة أهداف جوهرية, وهي:

إ. مواصلة السعي لتصدير “الثورة” الإيرانية أو “أفكار الثور الإسلامية” الشيعية إلى بلدان الشرق الأوسط وبعض البلدان الآسيوية والأفريقية الأخرى وإلى المسلمين في الدول الغربية.

ب. مواصلة بذل الجهود لإبقاء الوضع غير المستقر في كل من العراق وفلسطين ولبنان على وجه الخصوص وإعاقة أي حلول عملية للمشكلات القائمة في هذه الدول وتأمين استمرار نشاط القوى الفاعلة فيها والمؤيدة لإيران.

ج. مواصلة العمل لإنتاج السلاح النووي لتأمين القوة الرادعة لإيران وفرض دورها كدولة كبرى شرق أوسطية وتأمين التناغم معها في سياسات الدول الأخرى.

3. وأن الحكومة الإيرانية الراهنة مستعدة لتوجيه أقسى الضربات واستخدام أقصى أشكال العنف والسلاح في مواجهة قوى المعارضة المحتجة على سياسات الحكومة الإيرانية والمرشد الأعلى وزج المئات بل مستعدة لزج الآلاف في المعتقلات الجهنمية متهمة إياهم بالعمالة للأجنبي.

ومجرى الأمور في إيران خلال الأسابيع المنصرمة برهن على صحة هذا التدقيق الذي يشترك فيه الكثير من المطلعين على الوضع السياسي في إيران. فقد مورس العنف بقسوة كبيرة فسقط الكثير من الشهداء المحتجين والمتظاهرين, كما اعتقل أقطاب في المعارضة وزج بالمئات في المعتقلات الإيرانية, وجرت وتجري ممارسة التعذيب ضدهم لانتزاع اعترافات غير صحيحة بأمل الخلاص من التعذيب الشرس.

إلا أن هذه الاحتجاجات والمظاهرات لم تكن الجولة الأولى وليست الجولة الأخيرة, بل سنتعرف تدريجاً على جولات نضالية أخرى للشعب الإيراني ضد حكامه, إذ أن “النظام الإسلامي” الإيراني بدأ فعلياً بالتفكك من داخل المؤسسة الحاكمة ومن داخل المؤسسة الدينية ذاتها.

رغم التباين في شكل الحكم في عراق صدام حسين وإيران المرشد الأعلى واحمدي نجاد, فإن النظامين في الجوهر شموليان واستبداديان ومعاديان لحرية الفرد والديمقراطية وحقوق الإنسان وبعيدان كل البعد عن حقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, وتعاملا مع المجتمع الدولي والرأي العام العالمي بخفة واستهتار وعنجهية لا مثيل لهما وبرزا قوتهما العسكرية وكأنهما يستطيعان التغلب على العالم كله. فسقط الأول إلى حيث وبئس المصير وسيلحق به النظام الثاني إلى نفس المستنقع الذي حط فيه النظام الصدامي ولن تسكب عليه دمعة واحدة بل ستعم الفرحة في إيران وسائر أرجاء العالم.

ستسعى حكومة إيران إلى مواصلة تصدير مشاكلها الداخلية صوب الخارج بانتهاجها سياسات أكثر تطرفاً وغباءً في آن واحد, رغم تصور الحكام بأنها أساليب ذكية لأنها تلعب على الصراع الأمريكي الروسي والأمريكي الصيني, ولكن هذه اللعبة لن يساعد إيران لفترة طويلة, وما حصل لنظام صدام حسين يفترض أن يكون درساً لإيران لا من حيث احتمال شن حرب ضدها, بل من حيث عزلتها عن الشعب والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي وبالتالي نهايتها.

إن الأوضاع الداخلية في إيران صعبة للغاية والمجتمع الإيراني يعاني من بطالة واسعة وبطالة مقنعة وجيش جرار يفترض الصرف عليه وسباق تسلح لا مثيل له يستنزف نسبة عالية من دخلها القومي والحرمان يزداد بين الفقراء والكادحين وتأييد الفلاحين الفقراء للمرشد الأعلى سيكون له نهاية مؤكدة بسب تردي أوضاعهم المعيشية وارتفاع وعيهم السياسي وإدراكهم لأوضاعهم الراهنة الموجعة, كما أن الأزمة الراهنة والحصار المتزايد تدريجاً سيقودان إلى أوضاع بشرية أكثر صعوبة. ولهذا فالفترة القادمة في إيران لن تكون وردية ولن تكون في صالح النخبة السياسية الحاكمة, كما أنها لن تكون في صالح الشعب وحياته المعيشية, وستكشف الأيام عن وجهة تطور وحدة الصراع السياسي والاجتماعي الجاري في البلاد.

إن المعالجات الترقيعية لن تنفع ولن تنقذ النظام الإيراني من المصير الحتمي, وهي قاعدة تشمل جميع النظم الشمولية المناهضة لمصالح شعوبها, والشعب الإيراني كفيل بأخذ زمام المبادرة للخلاص من النخبة الحاكمة, كما أن المرشد الأعلى قد فقد مصداقيته وظهر زيف ادعائه بالأمانة للشعب واحترام إرادته, فالنخبة الحاكمة والنظام الإسلامي الإيراني سائران معاً على طريق واحد نحو الهاوية طال الوقت أم قصر, على درب الصدّْ ما ردّْ.

17/7/2009 كاظم حبيب