الرئيسية » مقالات » (المتوحدون )وواجبنا الإنساني والأخلاقي تجاههم

(المتوحدون )وواجبنا الإنساني والأخلاقي تجاههم

خلال زيارة قمت بها لمنزل أحد الأصدقاء لاحظت أن ولده الأصغر الذي يبلغ من العمر أربع سنوات يعاني من إضطراب سلوكي وحين سألته عن ذلك أطلق حسرة وقال :إنه مصاب ب(التوحد) حيث يفقد المصاب به النطق والسيطرة على تصرفاته التي لاتحكمها ضوابط , ولا يهدأ الا عندما ينام وساعات نومه قليلة ,لذا تبقى العائلة كلها في حالة إستنفار وحين سألت صديقي عن رأي الطب قال” لم يستطع الطب أن يكشف سببا لهذا المرض أو علاجا له, والأطباء مختلفون حول أسبابه” وبعد أسابيع بقيت أتابع حالة الطفل التي كانت تزداد سوءا كلما تقدم بالعمر حيث يصبح من الصعب السيطرة على سلوكياته وظل والده يراجع الأطباء لعله يجد بارقة أمل رغم دخله المحدود حتى ضاقت به الدنيا , قبل أيام قليلة إتصل بي وكان مغتما , قلت له: هل جرى شيء للصغير ؟ أجاب : كلا , لكن إحدى الفضائيات العربية عرضت تقريرا حول مركز طبي أردني تمكن من إيجاد طريقة لمعالجة الأطفال المتوحدين ,قلت له : خبر طيب , وكيف يتم العلاج ؟ أجاب :يقوم على إخضاع المصابين لجلسات عديدة بالأكسجين المضغوط تتبعها حمية غذائية دقيقة لطعام مستورد صنع لهذا الغرض بالذات, فضلا عما يسبق ذلك من تحليلات مرضية دقيقة تؤخذ عينتها من المصاب وترسل إلى معمل في باريس لغرض إعطاء النتيجة التي تحدد البدء بالعلاج المذكور ومدته, وكما جاء في المقابلة أن التجربة أجريت على طفل فتحسنت حالته بنسبة 90% وقد ظهر الطفل وعائلته على الفضائية المذكورة, وتحدثت والدته – بفرح- عن ذلك التطور”
قلت له : الحمد لله , ولكن ماالذي جعلك مغتما ؟ أجاب : لقد كنت أول المسارعين للاتصال بالطبيب المذكور وكلمني الرجل بكل تواضع وأريحية ووضوح, وشرح لي الموقف, وخلاصة ما توصلنا إليه أن العلاج يقتضي وقتا على مدى سنتين أو ثلاث يخضع خلالها الطفل للجلسات, والإطعام الخاص, والفحوصات, والنتيجة مبشرة وتنبئ عن تطور بنسبة 80% في الأقل, وكنت منشرح الصدر, فرحا, -والكلام لصديقي- ولكن الذي أحبطني -وسيحبط المشتركين في المعاناة- هو تكاليف هذا العلاج فالجلسات وحدها تقتضي بحدود ( خمسة آلاف دولار) والإطعام يتطلب مبلغا مماثلا إن لم يكن أكثر وفحص العينات في فرنسا يكلف ( ألف دولار) في الأقل فضلا على تكاليف الرحلات المتعددة إلى الأردن والإقامة وما يتبعها من نفقات, ولا أخفي على أحد بأنني عملت دراسة سريعة تمخض عنها أن الطفل يحتاج إلى مبلغ لا يقل عن 10 آلاف ريال عماني (حوالي25 الف دولار) وهو مبلغ مرشح للزيادة”
عندها عرفت سبب تحول الفرحة الى حزن دفين في قلب صديقي !
والحقيقة إن من يقع بمصيبة كهذه لاحدود لمعاناته , ربما في المجتمعات الغربية تحل هذه المشكلة عن طريق توفير تلك الدول التأمين الصحي والرعاية الإجتماعية والجمعيات الخيرية أما في دولنا نحن , أبناء العالم الثالث الأشاوس , حيث تفشي البطالة والأمراض والفقر , فليس لنا سوى الله ومن يمتلكون قيم الشهامة من ميسوري الحال , قلت لصديقي وما الحل المناسب ؟ أجاب :إن من يريد أن يجمع الحسنيين: جزاء الآخر وشرف الدنيا فليسارع الى التبرع لعلاج هؤلاء الأطفال -يبلغ عدد الأطفال المصابين بالتوحد في السلطنة حوالي ثلاثين طفلا -وسيكون عمله دينا وجميلا في رقاب هذه الأسر وأطفالها إن هذا النداء موجه إلى الجهات الرسمية, مثلما هو موجه إلى منظمات المجتمع المدني, كما هو موجه وبشكل ملح إلى أولئك الذين منّ الله عليهم بالغنى وجعل للمحتاجين والمتعففين حصة إلزامية في أموالهم لـيُربيَ الله تلك الأموال ويبارك لهم فيها ولا يمكن استبعاد من أراد الإسهام في هذا الشرف والمهمة الإنسانية على قاعدة ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
انتهى نداء صديقي , الذي وعدته بان أحتفظ بكل البيانات التي بعثها لي حول العلاج , ولم تنته معاناة فلذة كبده
ولكن هل من مجيب لهذا النداء الجريح؟