الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي ( الحلقة الثامنة عشرة والأخيرة)

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي ( الحلقة الثامنة عشرة والأخيرة)

ماذا جرّت وصيّة قَمْبَيز على الكرد؟


قرارات وتحوّلات


مصائر الشعوب مرهونة بالتحوّلات الكبيرة.


وما من تحوّلات كبيرة إلا وتقف وراءها قرارات خطيرة.


وقد تكون تلك القرارات بنّاءة، فتنتقل بالأمة إلى أعلى علّيين،


وقد تكون هدّامة ومدمّرة، فتهوي بها إلى أسفل سافلين.


لكن من هي الجهة القادرة على اتخاذ القرارات الخطيرة؟


إنها نُخَب الشعوب، إنها المثقفون والساسة، فإذا كانت تلك النخب منتمية إلى الأمة- أرضاً وهويةً وشعباً- انتماءَ عشقٍ واتحاد وتوحّد، بحيث تكون حالها كحال الصوفي الشهير الحسين بن منصور الحَلاّج حينما قال:أنا مَن أهوى، ومَن أهوى أنا


نحن روحـان حلَلْنــا بَدنا


فإذا أَبصـرتَني أبصرتَــهُ


وإذا أبصرتَهُ أبصرتَـــنا (ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2، ص 141).


أقول: حينما تكون قلوب النخبة وعقولها عامرة بانتماء له هذا العمق، وبإيمان له هذا الصدق، حينذاك تُشرق القرارات البنّاءة، فتنتقل بالشعوب من الظلمة إلى النور، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الذلّة إلى العزّ، ومن العبودية إلى الحرية، وحينذاك تتحرر الأمة من جاذبية مدارات الاغتراب عن الذات، وتنتصر على روح الهزيمة، وتتفوق على ثقالة العجز واليأس والضياع.


أما حينما تكون قلوب النُّخَب وعقولها عامرة بالأنانية، وبما ينجم عن الأنانية من غفلة وضيق أفق إلى درجة ارتكاب الخيانة، وحينما تنظر تلك النخب إلى الوطن على أنه مجرد مزرعة للاستغلال، وإلى الهوية على أنه مجرد جلباب تخلعه متى تشاء، وإلى الشعب على أنه مجرد مجموعات من المرتزقة والحشم والخدم والقاصرين عقلياً؛ فحينذاك تُبتلى الأمم بالقرارات الهدّامة المدمّرة، وتنحدر إلى أسفل سافلين.


وثمة في تاريخ كل أمة قرارات خطيرة اتخذتها تارة نُخَب (عِشق الأمة)، واتخذتها تارة أخرى نُخب (عِشق الذات)، وقد اتّضح لي- في حدود ما أعرف إلى الآن- أن أكثر القرارات خطورة في التاريخ الكردي القديم قراران اثنان:


1 – القرار الخطير الذي اتخذته النُُخب الميدية بزعامة دياكو، لتشكيل اتحاد قبائل ميديا، وبناء العاصمة الوطنية إگبتانا، وتشييد القصر الملكي، وإصدار التشريعات والمراسيم الضابطة المنظِّمة، والانتقال بذهنية الإنسان الميدي من الهوية القَبَلية إلى الهوية الوطنية، ومن مفهوم الجغرافيا القَبَلية إلى مفهوم الجغرافية الوطنية.


2 – القرار الخطير الذي اتخذته النخب الميدية بزعامة هارپاگ وأقرانه، للإطاحة بالملك الميدي أستياگ، وفتح أبواب العاصمة الوطنية إگبتانا للجيش الأخميني المحتل، وتقديم العرش الملكي الميدي للزعيم الأخميني كورش على طبق من ذهب.


حقاً إن وصية قمبيز إنما خرجت من تحت عباءة القرار الهارپاگي، ولولا القرار الهارپاگي لما كانت وصية قمبيز أصلاً، ولما وصلت الأمور بالميديين، وبأحفادهم الكرد من بعد، إلى الحالة التراجيدية التي وصلوا إليها.


وعلى أية حال لم تقتصر القرارات الخطيرة الصادرة عن النهج (الهارپاگي) في تاريخ الكرد عند سقوط دولة ميديا سنة (550 ق.م)، وإنما كانت تظهر فجأة في حياة الكرد بين حين وآخر، فتُحدث منعطفات حادّة في مصيرهم، وتقذف بهم من برزخ إلى برزخ، وإلا ففي أيّ نهج يمكن أن نصنّف فتوى رجل الدين الكردي ملاّ خاطي، في إحدى ثورات الكرد ضد الدولة العثمانية (لا يحضرني الآن اسمها)، بأن كل من ينضم إلى الثورة هو مرتدّ عن الإسلام، وزوجته منه طالق، وكانت النتيجة طبعاً انهيار الثورة؟ وفي أيّ نهج يمكن أن نصنّف انشقاق يَزْدانْ شَير على عمّه بدرخان بگ سنة (1847 م)، وانضمامه بمن معه من القوات الكردية إلى الجيش العثماني؛ الأمر الذي أدّى إلى إحداث شرخ كبير قَصم ظهر الثورة الكردية، ولم يبق خيار أمام بدرخان بگ سوى الاستسلام. (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 93).


والحقيقة أن هذا النهج الهارپاگي، نهج الأنانية والغفلة والخيانة، موجود في تواريخ معظم الشعوب، لكنه لم يعمّر في تاريخ شعب طوال خمسة وعشرين قرناً كما هو الأمر في تاريخ الكرد، تُرى ماذا وراء هذه الظاهرة الغريبة؟ هل لها علاقة بنظرية (القابلية)؛ أقصد قابلية الأنانية والغفلة والخيانة؟ وإذا كان الأمر كذلك فما الدوافع والعوامل التي أنتجت هذا النمط من (القابلية) في ذهنية بعض النخب الكردية؟ وهل هو قَدَر كردي له علاقة بالشخصية الكردية، أم أنه نتاج قصور في (الوعي)، وأحد إفرازات التخبط في تشخيص (المصلحة)، وهذان عاملان يمكن التغلب عليهما؟


حبّذا أن يمنح المفكرون الكرد هذه الظاهرة بعض اهتمامهم.


ولنعد إلى وصية قمبيز، فطوال خمسة آلاف عام، لم تكن هذه الوصيّة هي المشروع الوحيد الذي اعتمدته جهات غرب آسيوية، أو جهات عولمية، للنيل من الكرد أجداداً وأحفاداً، ولسلبهم الجغرافيا والتاريخ والهوية، ولوضعهم بين خيارين أحلاهما مُرّ): إما البقاء أتباعاً ومرتزقةً وعبيداً. وإما الفناء بالصهر والقتل.


بلى، لم تكن وصية قمبيز هي المشروع الوحيد في هذا المجال، لكن- في حدود معرفتي بتاريخ الكرد القديم- يمكنني الجزم بأن هذه الوصية كانت أخطر تلك المشاريع، وأشدها إلحاقاً للأذى بمصير الكرد، وأنها الأب الروحي لكل ما اتُّخذ ضد الكرد من إجراءات إقصائية وإلغائية منذ (25) قرناً، ولذلك أعدّ سنة (522 ق.م) هي السنة التي ولد فيها تأسيس أول مشروع رسمي ومنهجي لأبلسة الكرد، تمهيداً لإلغائهم من تاريخ البشرية جملة وتفصيلاً.


وإليكم أبرز النتائج التي ترتّبت على وصية قمبيز.


نتائج وصية قمبيز


أولاً – على الصعيد السياسي:


إن أهم أمر حرص عليه القادة الفرس، بعد السيطرة على دولة ميديا، هو الحؤول دون عودة الحياة إلى مفاصل التكوين السياسي الميدي، وتحطيم كل محاولة تسير في هذا الاتجاه؛ لأنهم كانوا يعلمون أن إحياء دولة ميديا يعني إمكانية أن يفقد الفرس مركز الزعامة إقليمياً وعالمياً، بل قد يفتح المجال لعودة الميديين إلى السيطرة عليهم من جديد، وتحويلهم إلى أتباع لهم.


وكان عهد دارا الأول هو عهد تحطيم كل محاولة ميدية للخلاص من السيطرة الفارسية، كما أنه كان عهد تدشين مشروع تفريغ ذاكرة الأجيال الميدية من أية ذكريات وطنية وقومية تربطهم بهويتهم الأصلية، وقد مرّ في حلقات سابقة أن بعض النخب الميدية تنبّهوا إلى خطورة ما كان يقوم به دارا، فقاوموه وثاروا على الحكم الفارسي، وكان دارا بالغ القسوة في التعامل معهم، وها هو ذا يخلّد في نقش بيستون كيفية فتكه سنة (521 ق.م) بزعيم ميدي ثائر يدعى فراورت، قائلاً:


” فرورتيش أََلقَوا القبض عليه، وجلبوه عندي، أنا قطعت أنفه وأذنيه ولسانه، وفقأت عينيه، وربطوه بالقيود في بلاطي، كي يراه جميع المواطنين الأحرار، عند ذلك أمرت أن يرموه بالسهام في إگباتانا، والذين كانوا يؤيّدونه من البداية أعدمتهم في إگباتانا داخل القلعة”. (دياكونوف: ميديا، ص 410).


وهكذا أصبحت وصية قمبيز بالقضاء على كل محاولة لإحياء الدولة الميدية أمراً مقدّساً عند النخب الفارسية، تنزل البركات الإلهية على من يلتزم به، وتحلّ اللعنات على من يهمله، ونتيجة لذلك انهار الاتحاد الذي كان يجمع قبائل ميديا، وبمرور القرون نشط الانتماء القبلي الضيق الأفق في المجتمع الميدي من جديد، وما لبث أن تَعملق وحلّ محلّ الانتماء الوطني/ القومي، واجتاز الميد العهد الأخميني فالسلوقي فالبارثي فالساساني وهم على تلك الحال، وعبروا إلى العهود الإسلامية، ثم إلى العصر الحديث، دون أن يمتلكوا القدرة على تأسيس تكوين سياسي شبيه بدولة ميديا، ويحفظ لهم الجغرافيا والهوية.


ثانياً – على الصعيد الثقافي:


إن القضاء على دولة ميديا، وسلخ مؤسساتها، وتسخيرها لخدمة المشروع الأخميني التوسعي، أدّى بطبيعة الحال إلى ضرب المؤسسات الثقافية الميدية، وتفكيك بناها، وشلّ نشاطاتها، والحيلولة بينها وبين التواصل مع الجماهير الميدية، وكانت النتيجة وقف عملية تطوير ثقافة وطنية، تكون حاضنةً لوعي جمعي مشترك، ومنصةً معرفية تنطلق منها النخب الثقافية والسياسية الميدية؛ لتوحيد المكوّنات القَبَلية تحت راية واحدة، وإنجاز مشروع وطني/قومي مشترك.


وأحسب من الخطأ البحث في الصراعات السياسية الكبرى- سواء أكانت في إطار الأمة الواحدة أو بين أكثر من أمة- بمعزل عن دور الأيديولوجيا، وهذا ما ينبغي أن نأخذه بالحسبان في الصراع الفارسي- الميدي؛ ففي المواجهة بين النخب الفارسية بقيادة دارا الأول من جهة، والأخوين الميديين پيرتزيثيس وسميرديس من جهة أخرى، كان يشار إلى الميديين بصفة (مجوس)، ووجدنا أن الانتقام، بعد مقتل الأخويين، انصبّ حصراً على (المجوس) في العاصمة الملكية، والأرجح أنها كانت إگبَتانا، وقد ذكر ديورانت، في معرض ذكر تلك الحادثة، بشأن گوماتا (سميرديس) ما يلي:


“كان أحد رجال الدين المتعصبين من أتباع المذهب المجوسي القديم، وكان يعمل جاهداً للقضاء على الزردشتية دين الدولة الفارسية الرسمي “. (ديورانت: قصة الحضارة، مجلد 1، ج 2، ص 406).


والمؤكد أن دارا الأول كان قد اعتنق الدين الزردشتي، وعندما استلم السلطة في الدولة الأخمينية اتخذ الزردشتية ديناً رسمياً للدولة، قال ديورانت في ذلك:


“ولعل دارا الأول حينما اعتنق الدين الجديد رأى فيه ديناً مُلهماً لشعبه، فشرع منذ تولّى المُلك يثير حرباً شعواء على العبادات القديمة، وعلى الكهنة المجوس، وجعل الزردشتية دين الدولة“. (ديورانت: قصة الحضارة، مجلد 1، ج 2، ص 426).


وقال هارڤي بورتر في هذا الشأن:


ودين الفرس هو دين زرادُشْت الذي ذكرناه في تاريخ الميديين، ولمّا غلبوا الماديين نسخوا مذهب المجوس الفاسد، لكن سمردس الكاذب (أي غوماتيس) أعاده؛ إذ كان مجوسياً، لكن داريوس الذي خلفه أهلك المجوس بعد ارتقائه، وتمسّك بالمذهب القديم “. (هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، ص 178).


والدليل على صحة ما ذهب إليه كل من ديورانت وهارڤي بورتر قول دارا، في نقش بيستون، مفتخراً بإنجازاته بعد القضاء على حركة الأخوين الميديين:


” إن المعابد التي هدّمها گوماتا أنا أصلحتها كما كانت، والتي أخذها گوماتا الموغ أرجعتها”. (دياكونوف: ميديا، ص 401).


ولعل الأمر يصبح أكثر وضوحاً إذا أخذنا في الحسبان أمرين اثنين:


الأمر الأول أن المثرائية متجلية في (الأزدائية/اليزدانية) كانت الدين الآري السابق على الزردشتية، وكان الكهنة الذين يتولّون الشؤون الدينية ينتمون حصراً إلى القبيلة الميدية ماجُويي (ماغُويي Magoi)، وقد تحوّل لقب (ماغويي) إلى كلمة (ماغوس/مجوس) Magos اليونانية، ومنه جاءت كلمة (مَجُوس) العربية، وكلمة Magic (السحر) الإنكليزية. (جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، هامش ص 131).


وكانت طبقة المجوس تشبه طبقة الكهنوت العبراني التي كانت تنتمي إلى قبيلة اللاويين حصراً، وتشبه أيضاً طبقة الكهنوت الوثني العربي المكي التي كانت تنتمي إلى بني عبد مَناف من قبيلة قُريش حصراً، وهؤلاء الماجويي (المجوس) هم الذين وقفوا ضد زردشت، وهم الذين كان ينتمي إليهم الأخوان الميديان پيرتزيثيس وسميرديس.


والأمر الثاني أن زَرْدَشت ميدي من أورميا، وعندما أعلن نبوّته، ودعا إلى الزردشتية، وقاومه الكهنة المجوس- وبالتأكيد أن الدولة كانت متضامنة معهم في ذلك- هاجر إلى مقاطعة باكتريا (باختريا) في شرقي آريانا (إيران حالياً)، واعتنق فشتاسپ (هيستاسپ= هشت أسپ) حاكم باكتريا الدين الجديد، ويستفاد مما رواه المؤرخ ابن العِبْري (غريغوريوس المَلطي) أن دارا الأول هو ابن فشتاسب، فلا عجب إذاً أن يكون أكثر المتحمّسين للقضاء على حركة الأخوين الميديين، وأن يكون هو قائد الزعماء الفرس الستة الآخرين الذين شنّوا الهجوم على الأخوين. (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 91. المقدسي: البدء والتاريخ، ج 3، ص 149. ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، ص 49. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، ص 15).


وجملة القول أن الصراع الفارسي- الميدي لم يكن سياسياً فقط، وإنما كان صراعاً أيديولوجياً أيضاً، وقد أبقى الأخمين على الدين المجوسي (الأزدائية/اليزدانية) في عهد كورش وقمبيز؛ لتطمين المجتمع الميدي وتسكيته، لكنهم بعدئذ أفسحوا المجال للزردشتية كي تنشط ضد الدين القديم، وتحتل مواقع متقدمة في المجتمعين الفارسي والميدي، ولذلك صبّ سميرديس الميدي اهتمامه، في حركته الانقلابية، على إيقاف المد الزردشتي، ونفخ الروح من جديد في مؤسسات الدين القديم (الأزدائي/اليزداني /المجوسي).


ومن هنا نرجّح أن الزردشتية كانت المظلة الأيديولوجية التي استظل بها الفرس الأخمين للقضاء على التكوين السياسي الميدي (الدولة)، ونرى أن بعض الإخوة الأيزديين (الأزدائيين/اليزدانيين) يتسرّعون بإطلاق اسم (الزردشتية) على عقيدتهم، ويعدّونها الدين الكردي الأصيل، والصواب- حسبما يبدو لنا إلى الآن- أن في الأيزدية المعاصرة مؤثرات زردشتية، وذلك لا يمنع أن يكون زردشت نفسه ميدياً، فالنبي عيسى إسرائيلي الأصل، ومع ذلك صارت المسيحية أيديولوجيا إمبراطورية بيزنطا منذ عهد قسطنطين، والنبي محمد عربي، ومع ذلك صار الإسلام أيديولوجيا الترك في العهدين السلجوقي والعثماني، كما أنه صار أيديولوجيا الفرس منذ العهد الصفوي.


ثالثاً – على الصعيد الاقتصادي:


بعد أن خسر الميديون دولتهم كان من الطبيعي أن يخسروا كثيراً من الموارد الاقتصادية، وأن تذهب تلك الموارد إلى خزانة الدولة الأخمينية، وإلى جيوب النخب الفارسية في الدرجة الأولى، وأن يبقى للميديين الفتات، بلى، خسر الميد سيطرتهم على شبكة طريق الحرير المار ببلادهم، وتحديداً بعاصمتهم إگبَتانا (هَمَذان)، وبمدينتهم الكبرى الأخرى (رَغَهْ= الرَّي)، وبغيرهما من المدن الميدية.


وهذا يعني أن النفوذ التجاري انتقل من أيدي النخب الميدية إلى أيدي النخب الفارسية، وليست الجيوش فقط تزحف على بطونها، كما قال نابليون، وإنما الشعوب تزحف على بطونها أيضاً، فشعب فقير جائع لا يمكن أن يحتفظ بسِلمه الداخلي، ولا يمكن أن يصنع حضارة، ثم لا ننسى أن التاجر ليس صانع ثروة فقط، وإنما هو صانع ثقافة وصانع سياسة أيضاً، فالبضاعة ثقافة، والثقافة سياسة، والتعامل مع البضاعات والصناعات يعني التعامل مع الثقافات والحضارات.


وحينما خرجت دفّة الحركة التجارية من أيدي الميديين فذلك يعني أن المجتمع الميدي خسر التعامل مع الثقافات والحضارات، وسيق إلى العزلة إقليمياً وعالمياً، وإذا ضممنا إلى خسارة الميد في مجال التجارة أنهم صاروا يدفعون الضرائب للدولة الأخمينية، وأن موارد بلادهم صارت ملكاً مستباحاً للدولة المسيطرة، لا نرى من العجب أن ينعزل الميد في أريافهم ومراعيهم، ويصبحوا فريسة للفقر، ويكون أقصى همّهم هو الكد للاحتفاظ بالبقاء.


وأحسب أن سيكولوجيا الجبال لم تكن غائبة عن إيصال الميديين إلى المزيد من العزلة والانجماع على الذات، وهذا واضح في سلوك الكردي، فقد رسّخت بيئةُ الجبال في الشخصية الكردية الأصيلة نزعةَ الاعتداد بالذات، والشعورَ بالأنفة وعزة النفس، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، وعندما يجد الكردي الأصيل نفسه في موقف يجرده من هذه السمات يستبد به الغضب ويثور، وقد يُقدم على الموت.


وكي يجمع الكردي بين الاحتفاظ بكرامته والبقاء حياً، وجد الحل في العزلة الاختيارية والانجماع على الذات، متنازلاً عن رفاهية العيش، وراضياً بقسوة الحياة مهما كان بطشها، ومن خلال معرفتي الدقيقة بالثقافة العربية القديمة، وبالشخصية العربية البدوية، أجد بين الكردي والعربي البدوي الأصيل قاسماً مشتركاً في هذه الخَصلة، وأحسب أن هذا القاسم المشترك كان من الدوافع التي جعلت بعض النسّابة العرب القدماء يصنّفون الكرد ضمن شجرة الأنساب العربية.


رابعاً – على الصعيد الاجتماعي:


بعد أن خسر الميد تكوينهم السياسي (الدولة)، ومظلتهم الأيديولوجية، ومواردهم الاقتصادية، ماذا يُنتظر أن يحلّ بهم اجتماعياً؟ ولا سيما أن المجتمع الميدي كان قَبَلياً في الأصل، وكان حديث عهد بدولة تلمّ شتاته، وتنظّم أموره، وتقيم جسراً بين مفهوم (القبيلة) ومفهوم (الوطن)؛ هل يُنتظر من مجتمع كهذا أن يبقى بمعزل عن الصراعات القَبَلية؛ مع وجود الإغراءات التي كان الحكّام الفرس يقدّمونها للنخب الميدية، بتقريب هذا واستبعاد ذاك؟


وقد مر في صفحات سابقة أن النخب الميدية خذلت الأخوين الميديين پيرتزيثيس وسميرديس، حينما قاما بحركتهما لاسترداد الحكم الميدي، وأن ملوك فارس كانوا يقضون على ثورات ميديا بقسوة؛ مستعينين بالنبلاء الميد وبالقوات الميدية الموالية لهم، وهذا ما فعله دارا الأول للقضاء على ثورة فراورت، وعلى ثورة جيتران تخمه بعد فترة قصيرة. (دياكونوف: ميديا، ص 410).


وعدا مسألة انهيار مشروع الدولة الحامية للجغرافيا والهوية- وكان الزعماء الميد الأوائل (دياكو، خشتريت، كيخسرو) بذلوا جهوداً جبّارة لتأسيسه- أصبح المجتمع الميدي مفتوحاً لمشاريع التخريب والتدمير، وبات من السهل تجريده من قيمه الوطنية/القومية والخلقية، لقد شُوِّهت مُثُله العليا، وسيقت رموزه التاريخية إلى الظلمة، وصارت منظومته المعرفية عُرضة للاختراق، فحلّت المُثل والقيم والرموز القَبَلية أو الأجنبية محلّ المُثل والقيم والرموز الوطنية/ القومية، وذلك أخطر ما يمكن أن تتعرّض له أمة من الأمم.


خامساً – على الصعيد الحضاري:


الحضارة إنجاز مؤسساتي، ولا مؤسساتية خارج (الدولة)، ولا دولة خارج (الجغرافيا الوطنية)، وخارج جمهور متجانس (شعب، أمة)، يستظل بثقافة وطنية أصيلة، وعندما يخسر شعب ما تكوينه السياسي الجامع المانع (الدولة)، ولا يسيطر على جغرافياه (الوطن)، وينقسم على نفسه مجتمعياً، فيغترب بعضه عن البعض الآخر، وتُفرَض عليه ثقافة غريبة عنه مُثُُلاً، ومبادئ، وقيماً، ورموزاً دينية ووطنية وقومية، وتتقوّض منظومته الاقتصادية، هل يمكن- والحال هذه- أن يكون منتجاً للحضارة؟ وهل يمكنه أن يترك بصماته على مسيرة التاريخ البشري؟


وبعد أن سقطت دولة ميديا في أيدي النخبة الفارسية، وخسرت الأسس والأطر والضوابط والمستلزَمات المشار إليها؛ فهل من العجب أن يخسر الميديون موقعهم الريادي في مسيرة الحضارة، بعد أن خسروا موقعهم القيادي في غربي آسيا؟ وهل من العجب أن يجترّ المجتمع الميدي مرارة التخلّف، ويتحول القسم الأكبر منه إلى رعاة، يرتادون بقطعانهم شعاف الجبال، بحثاً عن الاحتفاظ بالبقاء، وبدرجة أكبر بحثاً عن الحرية، في حين تحوّل الباقون إلى فلاحين يعيشون حياة بدائية، ولا يعرفون من المدنية إلا هوامشها؟


وثمة ظاهرة مثيرة للاستغراب؛ وهي أن الميديين احتفظوا بشهرتهم العالمية في العهد الأخميني الأول، وتحديداً من عهد كورش الثاني إلى عهد أَحْشَويرش بن دارا الأول، والدليل على ذلك أن الملوك الأخمينيين كانوا يُخاطَبون رسمياً، من قِبل الماساجيت شرقاً، ومن قِبل الإغريق غرباً، بلقب (ملك الميديين). (انظر تاريخ هيرودوت، ص 126، 477، 628).


ثم تضاءلت شهرتهم في العهد البارثي حوالي (249 ق.م- 226 م)، ومع نهاية العهد البارثي، وبداية العهد الساساني (226 – 651 م)، وعلى نحو غير عادي، غاب اسم الميديين، وحلّ محلّه اسم (كُرد) Kurd، وقد تنبّه الباحث الأرمني أرشاك سافراستيان إلى دور البارث والساسانيين في تغييب اسم (الميد)، وتعويم اسم (كرد) بدلاً منه قائلاً:


 


ويبدو أن الملك الساساني أرتخشير [= أردشير]، مدمّر العرش البارثي، حوّل الاسم القديم گوتي (جُوتي) Guti إلى كُرد kurd، وقد اقتبس المؤرخون المسلمون الكبار، أمثال الطَّبَري والمَسْعودي، هذا الاسم من العهد الساساني، ووصل إلى العصور الحديثة على هذا النحو (كُرْد- kurd) “. (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 23).


وهذا الاسم (كرد) بحاجة إلى إخضاعه للبحث العلمي الدقيق، تُرى هل هذه هي صيغته الأصلية؟ أم هي (گُرد) Gurd ؟ أم هي (كورت) Koort التي تعني بالتركية وبالفارسية الحديثة (ذئب)، حسبما ذكر أرشاك سافراستيان؟ (الكرد وكردستان، ص 23).


وللمرء أن يتساءل أيضاً: ما هو منشأ هذا الاسم على وجه التحديد؟ وهل هو صيغة متطورة من اسم (كاردونياش) الذي كان يُطلق على مملكة بابل في عهد الكاشيين؟ (نائل حنون: حقيقة السومريين، ص 136) أم أنه مشتق من اسم (كورتاش) Kurtash الذي كان يُطلَق على مجموعات مختلفة من المواطنين الأحرار العاملين في الورشات؟ (دياكونوف: ميديا، ص 305) أم أنه هو نفسه اسم شعب (كردوخ) Kurdukh الذي ذكره اكسنوفان، وذكر أن أبناء هذا الشعب هم “الميديون الذين سكنوا فيما مضى مدناً كبيرة ثم هجروها” ؟ (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 41).


إن أرشاك سافراستيان يقول بهذا الصدد:


” وقد اقتبس المؤرخون اشتُق اسم كُرد Kurd من أرض ومملكة گوتيوم (جُوتيوم) Gutium ، ومن شعب گوتي Guti، وذلك بحذف حرف الراء R بعد حرف العلة u (Guti = Gurt )؛ وهذه قاعدة لغوية تطبّق بشكل عام على كل اللغات الهندو- أوربية، وخاصة الشرقية منها؛ مثل الكردية والأرمنية والسنسكريتية والإغريقية”. (أرشاك سافراستيان، الكرد وكردستان، ص 23).


والحقيقة أن تغييب اسم الميديين واحد من أبرز الأهداف التي أفلح أصحاب مشروع (أبلسة الكرد) في تحقيقها؛ فكي تُفقد شعباً توازنه الوجودي، وتُدخله إلى المتاهات، وترمي به في غياهب التاريخ، يكفي أن تَسلبه هويته الأصيلة، وتُحدث قطيعة بينه وبين ثقافته الوطنية والقومية، إنه عندئذ سيخطئ الطريق إلى نفسه، وسيسهل عليك أن توهمه بأنه هو، في الوقت الذي يكون قد تحوّل إلى مسخ.


وما يهمّنا الآن هو المفارقة الكبرى بين الاسم القديم (ميدي)، والاسم الجديد (كرد)، والذي تحوّل في بعض كتب التراث العربي الإسلامي إلى صيغة (أكراد) قياساً على صيغة (أعراب)؛ فالاسم (ميدي) مرتبط في الذاكرة الوطنية والإقليمية والعالمية بأمجاد الشعب الميدي الذي أبى الخضوع للدولة الآشورية، وثار في وجهها مرة تلو أخرى، إلى أن أسقطها، وأزاح كابوسها الثقيل عن جميع شعوب غربي آسيا، وهو إنجاز فريد عجز عنه الآخرون، كما أن اسم (ميدي) مرتبط بأمجاد الدولة الميدية التي ذاعت شهرتها في العالم، والتي كانت حينذاك سيدة الشرق الأوسط إلى جانب مملكة بابل ومملكة ليديا ومملكة مصر.


أما اسم (كُرد، كردان، أكراد) فارتبط في الذاكرة الوطنية والغرب آسيوية والعالمية بحال الميديين وأحفادهم وقد تحوّلوا إلى رعاة في الجبال، وفلاحين في السهول والوديان، وزُحْزحوا، بعد تقويض دولتهم، من دائرة الفعل الحضاري النشط، إلى دائرة الجمود والجهل والتخلف والاقتتال القبلي، وقطع طرق التجارة، لا بل إن اسم (كردي) تحوّل في الثقافة الفارسية، مع أواخر العهد البارثي، إلى شتيمة، وهذا واضح في رسالة أَرْدِوان آخر ملوك البرثيين (الأرشاكيين) إلى أَرْدَشِير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان، مهدّداً، وقائلاً له:


” أيها الكرديّ المُرَبَّى في خيام الأكراد، مَن أَذِن لك في التاج الذي لَبِسْتَه, والبلاد التي احتوَيتَ عليها، وغَلَبْتَ ملوكَها وأهلَها “؟ (الطبري: تاريخ الطبري، ج 2، ص 39).


حقائق وتساؤلات


ولعلي أُكثر الحديث في مسألة (الثقافة)، هذا مع زُهدي في التَكرار، ونفوري من الفضول، غير أن دور الثقافات في رسم السياسات، وما أنزلته ثقافات الإقصاء والإلغاء من كوارث بالبيت الغرب آسيوي، يحملني على أن أكرر القول بأن مشكلتنا الأساسية- نحن شعوب غربي آسيا، شعوب الحضارات والأديان العريقة- هي في ثقافاتنا، إنها- وهذا مخيف- ثقافات بهويتين متناقضتين، وكأنها مصابة بانفصام في الشخصية؛ فهي روحانية ومثالية في الظاهر، وتنطوي ضمناً على قدر هائل من النرجسية، سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية أم قَبَلية، إن ثقافاتنا أشبه بالسور الفاصل بين أهل الجنة وأهل الجحيم حسبما جاء في القرآن (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ). (سورة الحديد، الآية 13).


والظاهر أن البعد النرجسي في ثقافات غربي آسيا قد اعتقل البعد المثالي فيها، واتخذه رهينة، وصار الممثل الوحيد له، وشرع يرتكب باسمه مختلف أشكال التلبيس والتدليس والمكر، ويمارس باسمه شتى أنواع الفظاظة والإقصاء والإلغاء، ولست هنا في معرض رمي الكلام جُزافاً، ولا بصدد إطلاق العنان للتشويه والتجريح؛ مع أن ذلك أصل من أصول ثقافتنا الغرب آسيوية، إنني هنا بصدد توصيف ما هو واقع، وتقييم ما هو كائن، ليس أكثر.


ومن ألوان التلبيس والتدليس والمكر في الثقافات الغرب آسيوية المعمِّرة إيصالُ طرف ما (شخص، جماعة، شعب) إلى حالة سيّئة معيّنة، وإخضاعُه لظروف غير عادية واستثنائية، ثم الشروعُ في ملاحقته ومحاسبته على أنه هو المسؤول عما ينجم عن تلك الحالة، وعما يتولّد عن هاتيك الظروف، والأمثلة على ذلك، في تاريخ غربي آسيا، كثيرة، وكان الكرد أكثر من ذهب ضحية هذا المكر.


وإليكم تفصيل ذلك.


فبعد أن أفلحت السياسات الفارسية في تجريد الميديين (الكرد بعدئذ) من التكوين السياسي (الدولة)، وفي تقويض منظومتهم الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، وإخراجهم من دائرة التفاعل الحضاري، وتحويل بعضهم إلى أتباع ومرتزقة، وتحويل القسم الأكبر منهم إلى ريفيين ورعاة، معزولين ومنعزلين، همّهم الأساسي هو الاحتفاظ بالبقاء تحت أكثر الظروف قسوة، وبعد أن تمّ تجريدهم من اسمهم التاريخي المجيد (الميد)، وتسويق الاسم البديل (كرد)، بدلالته الرعوية طبعاً، أصبح الكرد فريسة سهلة بين براثن وأنياب كهنة ثقافات الإقصاء والإلغاء في غربي آسيا، وصارت حالهم كحال الأيتام في مآدب اللئام.


بلى صار الكرد، إثنياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، شعباً مستباحاً لأصحاب الذهنيات النرجسية، سواء أكان أصحاب تلك الذهنيات محترفين أم هواة، إنهم شرعوا يمارسون عليه جميع ألوان التلبيس والتدليس والمكر والفظاظة، ويُلصقون به ما يشاؤون من أفانين الافتراء والانتقاص والتشويه والتجريح، جهاراً نهاراً، ودونما أيّ التزام بما تفرضه الأديان من تقوى لله، وما يقتضيه المنطق من واقعية، وما تتطلبه النزاهة من موضوعية.


وإلا فما معنى أن يُنسَب الكرد تارة إلى سلالة الشيطان (الجَسَد) الذي زنى بالجواري المنافقات في قصر النبي والملك العبراني سليمان؟ وما معنى أن يُنسبوا تارة أخرى إلى أنهم من سلالة الجواري الهنديات اللواتي سباهن النبي والملك العبراني سليمان، ووضعهم في جزيرة، واللواتي زنى بهن الجن الذين خرجوا من البحر؟ وما معنى أن يُقال تارة ثالثة بأنهم حيّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء، وأن يُصرَّح بالتحذير من التعامل معهم تزاوجاً وبيعاً وشراءً؟ وما معنى أن يقال عنهم تارة رابعة بأنهم طرداء الطاغية بِيُوراسف (بيوراسب/الأزدهاك/ الضحّاك)؟ (انظر الحلقتين الأولى والثانية من هذه السلسلة).


وما معنى أن يحتار النسّابة في أمر أصل الكرد، فينسبونهم إلى الفرس تارة، وإلى الآشوريين تارة أخرى، وإلى العرب تارة ثالثة؟ وما معنى أن يُصنَّفوهم حيناً ضمن سلالة سام بن نوح، وأخرى ضمن سلالة حام بن نوح، وثالثة ضمن سلالة يافث بن نوح؟ وما معنى أن يكون الكرد وحدهم (حَرَقة الأنبياء) باعتبار أن الرجل الذي اقترح رمي النبي إبراهيم في النار كردياً؟ وما معنى أن يقال بأن إبليس و(الأكراد) حلف أبدي، فهم لا يخالفونه، وهو معهم في راحة؟


وما معنى أن تُسنَد روايات تشويه صورة الكرد إلى أنبياء عظام (إبراهيم، سليمان، محمد)، وإلى ملوك (أزدهاك)، وإلى صحابة (عبد الله بن عبّاس، عبد الله بن عمر بن الخَطّاب، أبو هُرَيْرة)، وإلى تابعين (عَكرِمة)، وإلى أئمة (جعفر الصادق)، وإلى نسّابة كبار (ابن الكَلْبي، أبو اليَقْظان)، وما معنى أن يتناقل تلك الروايات عدد من كبار مثقفي غربي آسيا القدماء، بعضهم مفسرون للقرآن (الطبري، البَغَوي، الرازي، القُرْطُبي، ابن كَثير)، وبعضهم مؤرخون (الطبري، المسعودي، اليعقوبي)، وبعضهم جغرافيون (ياقوت الحموي)، وبعضهم لغويون (الزَّبيدي)، وبعضهم موسوعيون (ابن قُتَيْبة الدِّينَوَري، الجاحظ، الراغب الأصبهاني)؟


ثم ما معنى أن يثار كل هذا الضجيج والعجيج حول أصل الكرد وحدهم، وأن تُحاك حولهم الخُزَعبلات، وتُلصق بهم الاتهامات، ويصبحوا وحدهم عُرضة للتشويه السافر من بين شعوب غربي آسيا؟ ولماذا لا نجد بعض هذا الضجيج والعجيج، وبعض هذه الخُزَعبلات، وبعض هذا التشويه والتبشيع، بشأن سكّان البيت الغرب آسيوي القدماء (العرب، الآشوريون، العبرانيون، السريان، الفرس، الأرمن)، وبشأن جيرانهم المحدَثين (الترك)؟ ولماذا كان مباحاً أن تُخرَق جميع الشرائع السماوية، وجميع مقتضيات المنطق، وجميع معطيات الواقع، حينما كان الأمر متعلقاً بتشويه صورة الكرد؟


أليس معنى ذلك أن الحالة الغريبة التي تم إيصال الكرد إليها، بتأثير من نتائج وصية قمبيز، وبتخطيط من النخب الفارسية خلال اثني عشر قرناً، هي التي جعلتهم (الكرد) في النهاية مكبّاً لنفايات ثقافات الإقصاء والإلغاء في غربي آسيا؟ وهل تلك النفايات هي غير ألوان التلبيس والتدليس والمكر والفظاظة التي أشرنا إليها سابقاً؟ ولو لم يتم تجريد الكرد (ممثَّلين في أجدادهم الميديين) من التكوين السياسي (الدولة)، ولو لم تُدمَّر منظومتهم الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، هل كان من الممكن أن يصبحوا عرضة لكل هذا الانتقاص والتشويه والتبشيع؟


من كان يجرؤ على انتقاص العرب وفيهم النبوة والخلافة والسيادة؟ ومن كان يجرؤ على انتقاص الفرس ومنهم الوزراء والقادة والمثقفون الكبار في العهد العباسي الأول، ثم منهم الملوك في العهد البُوَيْهي؟ ومن كان يجرؤ على انتقاص الترك وقد وصلوا إلى مواقع عسكرية رفيعة في الدولة العباسية بدءاً من خلافة المأمون، ومروراً بخلافة المعتصم، وانتهاء بخلافة المتوكل؟ ألم يكن ذلك هو الدافع الذي حمل الأديب والمفكر الكبير (الجاحظ) على أن يؤلف بحثاً طويلاً بعنوان (رسالة الترك) يشيد فيه بشجاعة الترك وبسالتهم؟ بل من كان يجرؤ على انتقاص الترك وقد بسطوا سيطرتهم على غربي آسيا منذ سنة (447 هـ = 1055 م) وإلى بداية القرن العشرين؟


شعوب ومرجعيات


وقد يقال: حسناً، إن الموقع السيادي الذي تمتع به العرب والفرس والترك، في تاريخ غربي آسيا، هو الذي حال دون انتقاصهم، والعبث بهوياتهم، لكن ماذا بشأن الآشوريين والعبرانيين والسريان والأرمن؟ إن هؤلاء لم يكونوا ذوي موقع سيادي، ومع ذلك لم يصبهم ما أصاب الكرد من انتقاص وتشويه وتبشيع.


أقول: نعم، لم يكن الآشوريون والعبرانيون والسريان والأرمن أصحاب مواقع سيادية في غربي آسيا، فالشعوب الثلاثة الأولى خسرت تكويناتها السياسية منذ حوالي خمسة قرون قبل الميلاد، أما الأرمن فإنهم كانوا تابعين للميد، ثم للأخمين، ثم للبارث، ثم صاروا أصحاب شبه إمبراطورية في القرن الأول قبل الميلاد، ثم مروا بفترات كانوا فيها تابعين للساسانيين، ثم للرومان، ثم للعرب المسلمين بين (429 – 640 م). (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 90. مروان المدور: الأرمن عبر التاريخ، ص 186).


ومع ذلك ظلت هويات هذه الشعوب بمنجاة من العبث، ويعود ذلك- في تقديري- إلى عاملين مهمين اثنين:


العامل الأول: هو أن العبرانيين كانت لهم مرجعية دينية عريقة منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، أما الشعوب الثلاثة الأخرى (الآشوريون، السريان، الأرمن) فكانت قد تنصّرت في عهد مبكّر (منذ القرن الرابع الميلادي تقريباً)، وحظيت من ثَمّ بمرجعيات دينية خاصة بها، وكانت تلك المرجعيات أشبه بالخيمة التي ينضوي الشعب تحتها.


وبتعبير آخر: إن المرجعيات الدينية التي قادت تلك الشعوب- وما زالت تقودها إلى هذا اليوم- قامت مقام التكوين السياسي (الدولة)، فصانتها من التفتت والتشرذم، وحمتها إلى درجة كبيرة من مشاريع الصهر، وكانت تعدّ الممثل الثقافي والاجتماعي لها، وكانت السلطات الحاكمة- سواء أكانت فارسية أم رومانية أم عربية أم تركية – تتعامل مع تلك المرجعيات فيما يتعلق بالرعايا التابعين لها.


والعامل الثاني: هو أن تلك المرجعيات الدينية أنتجت مثقفين من المستوى الرفيع، وخاصة في مجال الدين والطب والفلك والتنجيم والفكر والأدب، كما أنتجت طبقة من كبار الاقتصاديين، وخاصة في مجال التجارة والصناعة، ومعروف أن البلاط العباسي ما كان يخلو من كبار الأطباء والمترجمين السريان، وكان الخلفاء والسلاطين والملوك والولاة بحاجة، في معظم العهود، إلى مهارات نخب تلك الشعوب، وكانت تلك النخب تقيم في مراكز السيادة والثقافة، لا بل كانت تسهم بشكل فاعل في الحركة الثقافية والاقتصادية الغرب آسيوية، وكان من الطبيعي، والحال هذه، أن يصبحوا هم وشعوبهم بمنجاة من حملات التلبيس والتدليس والتشويه والتبشيع على النحو الذي تعرض له الكرد.


أما الكرد فالمشكلة أن النخب الفارسية لم تجردهم من مظلة التكوين السياسي (الدولة) فقط، وإنما جرّدتهم مما هو أهم من ذلك فيما أرى؛ ألا وهو تدمير المرجعية الدينية ممثَّلة في (المجوسية)، ومر سابقاً أن اسم (المجوسية) كان مستمداً من اسم القبيلة الميدية (ماغويي) Magoi، باعتبار أن رجال الكهنوت الميدي- وربما الآرياني بشكل عام- كانوا ينتمون إلى هذه القبيلة الميدية حصراً.


وقد مر فيما سبق أن المجوسية كانت هي الدين الآرياني القديم، ولا سيما في ميديا وفي عهد المملكة الميدية، وكانت الزردشتية تطويراً فيها وفرعاً عليها، ومر أيضاً أنه حينما أخفق الأخوان الموغان پيرتزيثيس وسميرديس في الإطاحة بالحكم الفارسي، واستعادة الحكم الميدي، فتك الفرس بالمجوس فتكاً ذريعاً، وأخضعوهم لما يشبه الإبادة الجماعية، وخاصة في العاصمة الملكية (الأرجح أنها كانت إگبتانا)، وصارت (المجوسية) عقيدة منبوذة في العهد الفارسي، باعتبار أنها كانت الأيديولوجيا المعادية للسلطة الحاكمة.


وثمة سؤال نحسبه مهماً، وهو: أين اسم الدين الآرياني القديم الذي عُرف بعدئذ بـ (المجوسية)؟ أين اسم المثرائية، والأزدائية، واليزدانية؟ لماذا غابت هذه الأسماء المرتبطة مباشرة بالأسماء الإلهية (مِثْرا، يَزْدان) غياباً شبه تام؟ ولماذا حل اسم (المجوسية) محلها؟


وكي أوضّح المفارقة الكبرى في هذا المجال دعونا نتصوّر أن ثمة جهة ما ألغت اسم (الإسلام)، وأشاعت بدلاً منه اسم (القُرَشية) باعتبار أن النبي محمداً والخلفاء كانوا من قبيلة قريش العربية حصراً، تُرى هل ثمة مسلم عاقل يقبل ذلك؟ ألا يُعدّ ذلك طمساً لهوية الإسلام؟ ألا يُعدّ ذلك اختصاراً لدين بكامله في قبيلة واحدة، فيها المؤمن والفاسق والبَرّ والفاجر؟ أليس ذلك تجريداً للإسلام من صبغته الإلهية تمهيداً للعبث به وتشويهه وتبشيعه؟


وأحسب أن هذا بالتحديد ما تعرّضت له الديانة الآريانية القديمة، إنها جُرّدت من هويتها الإلهية المقدسة، وتم اختصارها في اسم قبيلة (الموغ)، وتحديداً باسم طائفة الكهنة الذين كانوا ينتمون إلى هذه القبيلة، وسُمّيت من ثَم (المجوسية)، تمهيداً لتقزيمها وإخراجها من الذاكرة الآريانية والعالمية، ورميها في طيّات النسيان، وأحسب أيضاً أن تغييب اسم الديانة الآريانية القديمة، وتعويم اسم (المجوسية) بدلاً منه، جرى بالتوازي مع الحملة التي شنّتها النخب الفارسية لتغييب اسم (الميد)، وتفريغ الذاكرة الآريانية والعالمية من أمجاد مملكة ميديا.


وقد تلقّف بعض المؤرخين اليونان، وفي مقدمتهم هيرودوت (مرّ أنه كان من التبعية الفارسية)، ما روّجت له النخب الفارسية، ومن خلال روايات وكتابات المؤرخين اليونان دخلت (المجوسية) إلى التراث اليوناني، ووصلت من خلالها إلى التراث العالمي، على أنها دين (المجوس) أصحاب السحر والتخريفات والخُزعبلات، وتأبّدت تلك التهمة في الكلمة اللاتينية الأصل Magic (السحر).


وهكذا ترون أن مسألة تغييب اسم وتلميع اسم بدلاً منه في تاريخ غربي آسيا- وربما في التاريخ العالمي- لا يكون عبثاً، ولا يكون تصرفاً بريئاً، إنه أحد آليات التمجيد أو التبشيع، وبطبيعة الحال كان بالنسبة إلى (المجوسية) آلية للتبشيع، وأعتقد أن هذا التبشيع الذي رسّخته المؤسسات الفارسية في الذاكرة الآريانية خاصة، وفي الذاكرة الغرب آسيوية عامة، كانت أهم عوامل نفور الجماهير من الديانة الآريانية القديمة، ولم يقتصر الأمر على تنفير الجماهير فقط، وإنما اضطرت النخب الميدية، وخاصة طبقة الكهنة (الموغ)، إلى التخلّي عن كل ما يتعلق بالديانة الآريانية القديمة، والإقبال على البديل الذي تمّ تمجيده والترويج له؛ أقصد الديانة (الزردشتية) لكن بنسختها التي تمّ إنتاجها وإخراجها بحسب المقاسات التي تخدم مشاريع السلطات الفارسية الحاكمة.


ويبدو أن لعنة (المجوسية) أمسكت بخناق الكرد، وظلت تلاحقهم إلى أيامنا هذه، ممثَّلة هذه المرة في الديانة (الأيزدية)، باعتبار أن الأيزدية كانت في عهودها الأول محتفظة ببعض أصول الديانة الآريانية القديمة، فالمعروف في أصول الأيزدية أنها تقرّ بإله واحد هو (يَزدان)، ومعروف أيضاً أن كبير الملائكة (عَزازيل)- بحسب الرؤية الأيزدية- ظل محتفظاً بمكانته السامية، ولم ينمسخ إلى كائن شرير ملعون اسمه (أهريمن) في الديانة الزردشتية بنسخته الفارسية، واسمه (إبليس/ شيطان) في الديانات السماوية الثلاث (اليهودية، المسيحية، الإسلام).


والأرجح أن احتفاظ عزازيل بمكانته القدسية السامية أصل من أصول اللاهوت اليزداني؛ فالله (يزدان)- بحسب تلك الفلسفة- نور وخير مطلق، ولا يمكن أن تصدر الظلمة عن النور، ولا يمكن للإله الخيّر أن يُنتج كائناً شرّيراً، ويسلّطه على مخلوقاته، فالخير والشر في المفهوم اليزداني إنتاجان بشريان، والإنسان هو صانع أفعاله وأقواله، فلا داعي إلى افتراض كائن شرير باسم (أهريمن، إبليس، شيطان)؛ لتحميله وزر تلك الأفعال والأقوال.


ورغم نقاء الأيزدية من الكائن الشرير (شيطان/إبليس) فالأيزديون معروفون عند القاصي والداني في غربي آسيا، وبين الخاصة والعامة، بأنهم (عُبّاد الشيطان)، وباسم هذه التهمة صاروا عرضة للاضطهاد والمذابح، وما زالت تلك التهمة قائمة في الذاكرة الغرب آسيوية إلى يومنا هذا، وما زال الأيزديون يدفعون ثمن ذلك من أرواحهم وأموالهم، والحقيقة أنهم أُدخلوا رغماً عنهم إلى دائرة الأبلسة، في إطار المشروع الأكبر (مشروع أبلسة الكرد)، وتعرّضوا من ثم للعقوبة أكثر من الكرد اليهود والكرد المسيحيين والكرد المسلمين؛ لأنهم- أقصد الأيزديين- احتفظوا بشيء من بقايا المرجعية الدينية الكردية القديمة.


– – –


والخلاصة أن تدمير المرجعية الدينية الميدية (الكردية بعدئذ) على أيدي النخب الفارسية، أفقد الكرد مظلتهم الجامعة المانعة ثقافياً ومجتمعياً، وإلى حد ما اقتصادياً، وصار شعباً مستباحاً، ودخلوا- وهم على تلك الحال المضعضَعة- إلى العهد الإسلامي حوالي منتصف القرن السابع الميلادي، دخلوه دونما أي مرجعية تلم شملهم، وتنطق باسمهم مع الحكام والنخب السياسية والثقافية، وكان من الطبيعي أن يصبحوا فريسة سهلة لورثة وصية قمبيز، ولنشاطات خريجي الثقافة الفارسية في كل من مدرسة اليمن ومدرسة العراق.


وظل مشروع الأبلسة يطارد الكرد وهم يدخلون إلى العصور الحديثة، فجرّ عليهم المزيد من الإشكالات والمتاعب والمصاعب، قياساً بجيرانهم الآخرين، وخاصة أن غربي آسيا انتقل من طور التكوينات السياسية القائمة على (الجامعة الدينية) الأكثر مرونة في التعامل مع الرعية إثنياً، إلى طور التكوينات السياسية القائمة على (الجامعة القومية) الأكثر حذراً وتشدداً في هذا المجال، والأكثر ميلاً إلى تقبّل مشاريع الإقصاء والإلغاء.


وزاد في الطين بِلّة أن غربي آسيا صار، منذ القرن الثامن عشر، ملعباً مفتوحاً للسياسات الأوربية الكثيرة التعقيد، وأحسب أن هذه السياسات لم تغب عنها صورة صلاح الدين الكردي في القرن الثاني عشر الميلادي، وهو يوحّد شعوب غربي آسيا عرباً وكرداً وتركاً، ومسلمين وأيزديين ومسيحيين ويهوداً، ويقودهم جميعاً لرد الغزو الفرنجي.


والأمل معقود على أن يستيقظ مثقفو البيت الغرب آسيوي من غفوتهم الطويلة، ويتحرروا من إرث ثقافات الإقصاء والإلغاء، ويعيدوا بناء الجسور التاريخية المتينة بين مكوّنات شعوب هذا البيت، فرساً، وعرباً، وكرداً، وتركاً، وسائر المكوّنات الأخرى، ويهيّئوا المناخات الثقافية التي تساعد ساسة غربي آسيا، لا بل تشجّعهم، على رسم سياسات أكثر واقعية، مسترشدين في ذلك بالحكمة الشرقية العريقة (أَرِدْ لغيرك ما تريده لنفسك).


المراجع


1. أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ترجمة أحمد محمود الخليل، دار هيرو، بيروت، 2007.


2. جفري بارندر (مشرف على التحرير): المعتقدات الدينية لدى الشعوب ترجمة الدكتور إمام عبد الفتّاح إمام، عالم المعرفة، الكويت، 1993.


3. ابن خلّكان: وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1969.


4. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.


5. الطبري: تاريخ الطبري: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979.


6. ابن العبري (غريغوريوس الملطي): تاريخ مختصر الدول، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الألى، 2001 .


7. مروان المدوّر: الأرمن عبر التاريخ، دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982.


8. المقدسي: البدء والتاريخ، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1970.


9. الدكتور نائل حنون: حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 2007.


10. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية (مزديسنا)، منشورات دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، 1999.


11. هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991.


12. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001.


13. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، زكي نجيب محفوظ، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، القاهرة، 1957- 1958.


14. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة الدكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959 م.


 د. أحمد الخليل   في 17 – 7 -  2009


dralkhalil@hotmail.com