الرئيسية » دراسات » كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة الثالثة

كتاب في حلقات صدام والفخ الأمريكي الحلقة الثالثة

المخابرات الأمريكية تراقب التحركات العسكرية العراقية:
في السادس عشر من شهر تموز 1990 كشفت المخابرات العسكرية الأمريكية عن تحرك عراقي يضم 3 فرق عسكرية كاملة الاستعداد نحو الجنوب، باتجاه البصرة والكويت، وهذه الفرق هي [فرقة حمو رابي] و[فرقة المدينة المنورة ] و[فرقة توكلنا على الله] .
وعلى الفور أستدعى رئيس أركان الجيش الأمريكي [كولن باول] الجنرال [شور تزكوف]، قائد القيادة المركزية المخصصة للتدخل السريع في الشرق الأوسط ، حيث أكد له حقيقة تلك التحشيدات.

وفي 30 تموز، كشف [والتر لانج] مسؤول المخابرات العسكرية في الشرق الأوسط، أن الحشد العسكري العراقي يبدو معداً للهجوم، وعلى أثر ذلك التقرير عن التحركات العراقية، أقترح رئيس أركان الجيش الأمريكي على وزير الدفاع أن توجه الحكومة الأمريكية تحذيراً للعراق، وقد طلب وزير الدفاع منه مهلة لأخذ رأي الرئيس بوش، ولما تم لقاء وزير الدفاع بالرئيس، عرض عليه اقتراح [كولن باول]، إلا أن الرئيس سارع للقول بأنه لا يرى ضرورة لتوجيه تحذير. (5)

لقد كان واضحاً أن الولايات المتحدة كانت تريد بالفعل أن يقدم صدام حسين على غزو الكويت لكي تجد المبرر الذي تريده لتوجيه ضربة قاضية للعراق، وتجرده من كل أسلحة الدمار الشامل، وتحطم بنية العراق الاقتصادية، وتعيده خمسون عاماً إلى الوراء.
خطاب صدام حسين، ورسالته للجامعة العربية:
في 17 تموز 1990، وبمناسبة ذكرى انقلاب 17تموز 1968، ألقى صدام حسين خطاباً نُقل عبر الإذاعة والتلفزيون، تعرض فيه للوضع المتأزم في منطقة الخليج، وتدهور العلاقات العراقية الكويتية، والعراقية الأمريكية. وكان أهم ما ورد في الخطاب قول صدام :
{ أن الولايات المتحدة تستخدم دولاً عربية في تنفيذ مخططاتها تجاه العراق، عن طريق إغراق الأسواق العالمية بفائض الإنتاج من النفط، لكي يؤدي ذلك إلى خفض وتدهور الأسعار، وقد سعت إلى حث دول الخليج على عدم الالتزام بسقف الإنتاج، ونظام الحصص، وذلك بغية خنق العراق اقتصاديا}. (6)
لم يحدد صدام حسين أسم الدول المعنية، إلا أن طارق عزيز، وزير الخارجية، قدم فيما بعد رسالة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، أثناء انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في تونس، لبحث مسألة هجرة اليهود السوفيت إلى إسرائيل، وتضمنت الرسالة شكوى العراق من السياسة التي تتبعها حكومة الكويت، والإمارات، وما تسببه من أضرار للعراق.
وذكرت الرسالة أن الكويت كانت قد استغلت انشغال العراق في حربه مع إيران، وقامت بزحف تدريجي مبرمج نحو الأراضي العراقية، وأقامت المنشآت العسكرية، والمخافر فيها، واستغلت حقل الرميلة الجنوبي باستخراج النفط منه، وبيعه في الأسواق العالمية، بما يتجاوز 2400 مليون دولار، وبسبب ظروف الحرب فقد سكتت حكومة العراق آنذاك، مكتفية بالتلميح، فيما استمرت الكويت على إجراءاتها المذكورة.

كما أشارت الرسالة إلى أن الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، قد خرقتا نظام الحصص، الذي أقره مؤتمر الأوبك، وقامتا بزيادة إنتاجهما من النفط، وإغراق السواق العالمية بالنفط، مما سبب في انخفاض أسعاره إلى أدنى مستوى يصله منذُ عام، فبعد أن كان قد وصل سعر البرميل الواحد إلى[ 29 دولاراً ]، عاد وهبط إلى مستوى[ 11 دولار]، وقد أضّر هذا العمل بمصالح العراق الاقتصادية بشكل خطير.

وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة يمر بها العراق، بعد حربه الطويلة مع إيران، فقد خسر العراق خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين عامي 1981ـ 1990 حوالي[89 مليار دولار] وإن العراق يعتبر عمل الكويت والإمارات بمثابة عدوان عليه.

وقد ردت الحكومة الكويتية بمذكرة رسمية وجهتها إلى الجامعة العربية، ورفضت فيها الاتهامات العراقية، واتهمت العراق بأنه هو الذي أعتدى على أراضيها، وحفر آباراً فيها، واستولى على نفط كويتي، واختتمت المذكرة الكويتية بطلب إلى الأمين العام للجامعة لتشكيل لجنة متابعه تتولى تسوية النزاع مع العراق على الحدود.
أما حكومة الإمارات العربية المتحدة فقد أنكرت ما ورد في مذكرة العراق، وأعربت عن استغرابها لهذا الاتهام.
وفي تلك الأيام، كانت تقارير الأنباء تشير إلى قيام العراق بحشد قواته في الجنوب، واستطاع أحد الملحقين العسكريين الغربيين أن يشاهد طابوراً من المركبات العسكرية وقد جاوزت[ 2000 مركبة]، وكانت الملحقات الغربية، ودول الخليج تتابع بقلق أنباء التحشيد العسكري العراقي، ووصل الأمر بالسفير الكويتي [إبراهيم الدعيج] أن يرسل برقية عاجلة إلى حكومته يقول فيها:
{ إنني لا أريد التسبب في إثارة ذعرٍ لا مبرر له، ولكني تلقيت معلومات كثيرة عن تحرك قوات عراقية كبيرة إلى الجنوب، وإنني لم أشأ أن أسأل الحكومة العراقية عن أسباب ذلك التحشيد، فأنا واثق بأن جواب الحكومة العراقية سيقول بأن المقصود بذلك إيران وليس الكويت، ولكن هذه التحركات تثير الشكوك}. (7)

أراد السفير الكويتي التأكد من تحركات القوات العراقية، عن طريق السفيرة الأمريكية [كلاسبي]، حيث أقترح عليها زيارة الرئيس صدام حسين، للتأكد من نواياه تجاه الكويت:
ولم يدرك حكام الكويت ما تخططه الولايات المتحدة، ولا عن الفخ الذي نصبته للنظام العراقي، وتشجيعها له، بصورة غير مباشرة للإقدام على مغامرته في اجتياح الكويت، لكي تجد المبرر الضروري لتوجيه ضرباته القاضية للعراق، والتخلص من أسلحته ذات الدمار الشامل، وكافة مصانعه الحربية.

جهود عربية لاحتواء الأزمة العراقية الكويتية:

بعد تصاعد الأزمة بين العراق والكويت، ووصولها إلى مرحلة الانفجار، بادر عدد من القادة العرب بالتحرك لاحتواء الأزمة، فقد تحركت المملكة العربية السعودية، بشخص الملك فهد، حيث أوفد وزير خارجيته سعود الفيصل إلى بغداد في 31 تموز 1990، حاملاً رسالة إلى صدام حسين، عارضاً فيها إجراء محادثات على مستوى عالٍ بين الطرفين في جدة، تحت رعايته المباشرة من أجل التوصل إلى حل للأزمة، كما طلب الملك فهد من صدام حسين أن يعمل جهده لتهدئة الأوضاع، وتهيئه الجو المناسب والهادئ لحل الخلافات بين البلدين الشقيقين.

وبالفعل تم الاتفاق بين الأمير سعود الفيصل وصدام حسين على لقاء جدة، وجرى الاتفاق على أن يرأس الوفد العراقي نائب رئيس مجلس قيادة الثورة [عزت الدوري] فيما يرأس الوفد الكويتي، ولي العهد، ورئيس الوزراء الشيخ [سعد العبد الله الصباح] .
وفي نفس الوقت، وصل وزير الدولة الكويتي [عبد الرحمن العوضي] موفدا من الحكومة الكويتية، وأجرى مع المسؤولين العراقيين محادثات مطولة حول الأزمة وسبل حلها.

كما تحرك الملك الأردني حسين باتجاه العمل لمعالجة الأزمة، فغادر عمان إلى الإسكندرية للقاء الرئيس مبارك، والتباحث معه حول الوضع الخطير على الحدود العراقية الكويتية، والذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة، وجرى البحث في وسائل وسبل حل الخلافات العراقية الكويتية، وتم الاتفاق بينهما على أن يقوم الرئيس مبارك بزيارة بغداد، ولقاء صدام حسين.

وفي 24 تموز وصل الرئيس مبارك إلى بغداد، والتقى على الفور بصدام وأجرى معه نقاشاً مطولاً حول الأوضاع الملتهبة على الحدود العراقية الكويتية، وضرورة تهدئتها، والعمل على حل المشاكل بين البلدين بالطرق السلمية، وعدم اللجوء إلى استخدام القوة بين الأشقاء. لكن اللقاء الذي جرى بين الرئيسين كان مغلقاً، ولذلك فقد فسّر كل طرف ما دار في ذلك اللقاء، بعد وقوع الغزو، كما يشاء.

فقد ذكر الرئيس مبارك أن صدام كان قد وعده بعدم استخدام القوة، فيما قال صدام بأنه كان قد قال لمبارك بأنه سوف لن يستخدم القوة انتظاراً لما قد تسفر عنه مباحثات جدة، وكان صدام حسين خلال لقائه مع مبارك حانقاً جداً على أمير الكويت وحكومته، وفي الوقت نفسه حاول صدام أن يكسب مبارك إلى جانبه قائلاً له:
{إن الشيخ جابر يملك ثروة مقدارها 17 بليون دولار، تصور يا أبا علاء ـ يقصد مبارك ـ لو كان هذا المبلغ تحت تصرف الشعب المصري كم من الأزمات الخانقة يمكن حلها ؟}.

وعندما أنتهي اللقاء بينهما قال مبارك لصدام، لابد أن أذهب إلى الكويت، لكي أطمئن الحكومة الكويتية، لكن صدام حسين رد عليه قائلاً:
{ بالله عليك يا أبا علاء لا تفعل ذلك، فهؤلاء الناس لا يعرفون الحياء}.
غادر مبارك بغداد متوجهاً إلى الكويت، والتقى أميرها الشيخ جابر، وولي عهده الشيخ سعد، وأبلغهما بأن العراق لا ينوي استخدام القوة ضد الكويت، ورجاهما إتمام اللقاء في جدة، والعمل على حل النزاع، بروح من الأخوة
والتفاهم.
ثم غادر مبارك إلى جدة، والتقى بالملك فهد، وتحدث معه حول لقائه بصدام حسين وأكد على ضرورة العمل على إنجاح مؤتمر جدة، وقد رد عليه الملك فهد بأن الأمير سعود الفيصل قد طمأنه بأن صدام لا ينوي استخدام القوة، غير أن استمرار تحركات القوات العراقية يثير الشكوك والقلق حول نوايا العراق.

وعندما بلغ الولايات المتحدة أمر المؤتمر المزمع عقده في جدة بين العراق والكويت، وتحت رعاية الملك فهد لتهدئة الأوضاع، وحل النزاع، سارعت بالطلب من أمير الكويت بأن يكون موقف حكومته صلباً تجاه المطالب العراقية، وأن يرفض تقديم أي تنازلات لصدم، ولا يخضع لتهديداته، مؤكدة بأن باستطاعة الحكومة الكويتية الاعتماد على حماية الولايات المتحدة.(8)

كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإفشال لقاء جدة، قبل انعقاده، وإيصال الأزمة إلى مرحلة الانفجار، فبدون إقدام صدام حسين على مغامرته بغزو الكويت، لا تجد المبرر لضرب العراق.
وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تحث الكويتيين على عدم تقديم أي تنازلات لصدام حسين، وتدعوها للوقوف بصلابة أمام تهديداته، فإنها أوعزت إلى سفيرتها في بغداد[كلاسبي] في 24 تموز أن تطلب مقابلة صدام حسين، بحجة إبلاغه بقلق الولايات المتحدة من تطور الأحداث بين العراق والكويت.

إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً، فقد كانت الولايات المتحدة تنتظر بفارغ الصبر أن يقدم صدام حسين على مغامرته بغزو الكويت.
كان الهدف من مقابلة السفيرة لصدام هو إبلاغه بأن الولايات المتحدة لا تنوي التدخل في الخلافات العربية، وأرادت بذلك أن توصل الإشارة لصدام بأنه حر اليدين في التعامل مع الكويت.

أسرار اللقاء بين السفيرة الأمريكية وصدام
طلبت السفيرة الأمريكية [كلاسبي] المقابلة، وتمت الموافقة عليها في اليوم التالي، 25 تموز1990، وكان لدى صدام حسين شيئاً يريد أن يقوله للرئيس الأمريكي [جورج بوش]، قبل إقدامه على غزو الكويت. لقد أراد أن يبلغ الرئيس بوش بأن العراق لا ينوي أبداً التعرض للمصالح الأمريكية بالخليج
وبصورة خاصة، مصالحها النفطية كي يضمن حيادها!!.
وتمت المقابلة في 25 تموز، وبدأ صدام حسين الحديث مع السفيرة، مستعرضاً تطور العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، منذُ أن قطعها العراق إثر حرب 5 حزيران عام 1967، وحتى إعادتها عام 1980، قبل قيامه بالعدوان على إيران بحوالي الشهرين، وكان صدام حسين خلال حديثه الذي أستغرق 45 دقيقة يعمل جاهداً لتوضيح موقف العراق من الولايات المتحدة، وضرورة تفهم بعضهم للبعض الأخر، وداعياً إلى إقامة علاقات جديدة من التعاون، والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.

كما تحدث صدام حسين عن حربه ضد إيران، مذكراً الولايات المتحدة أن النظام العراقي هو الذي وقف بوجه المطامع الإيرانية، ولولا العراق لما استطاعت الولايات المتحدة إيقاف اندفاع حكام إيران نحو الخليج !!، فالولايات المتحدة لا تستطيع تقديم عشرة آلاف قتيل، في معركة واحدة !!، لكن العراق قدم أضعاف مضاعفة لهذا الرقم لحماية المصالح الأمريكية في الخليج.
كان لسان حال صدام حسين يقول للسفيرة، ألم نحارب 8 سنوات نيابة عنكم، وخدمة لمصالحكم مضحين بأرواح نصف مليون مواطن عراقي؟ فقد كانت قيمة الإنسان لدى هذا دكتاتور لا تساوي شيئاً.

وبعد استعراض العلاقة الأمريكية العراقية، أنتقل صدام حسين في حديثه مع السفيرة إلى الوضع الاقتصادي في العراق، بعد حربه مع إيران قائلاً: {إن العراق يواجه اليوم حرباً اقتصادية، وأن الكويت والإمارات هما أدوات هذه الحرب، فالدولتان تجاوزتا حصص الإنتاج، وأغرقتا الأسواق العالمية بالنفط، بحيث سبب ذلك انهيارا في أسعاره، وبالتالي خسر العراق ما يزيد على 7 بليون دولار سنوياً، في وقت هو أحوج ما يكون لها لإعادة إعمار ما خربته الحرب، والنهوض بمشاريع التنمية التي توقفت خلال الحرب، وأخيراً الديون التي تراكمت على العراق، وأوجبت أن عليه أن يدفع فوائد لتلك الديون بما يتجاوز 7 مليارات دولار سنوياً، وإن العراق لا يمكن أن يرضى بهذا الوضع، وإنهم يهدفون إلى إذلال شعب العراق}.

لقد تناسى صدام أنه قد أذل شعب العراق منذ جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وجعل من نفسه دكتاتوراً ليس له مثيل في عالم اليوم، وأشعل الحروب، وسبب المآسي والويلات لشعبه.
وانتقل صدام إلى مسألة الحدود، موضحاً للسفيرة أن الكويت استغلت انشغال العراق في حربه مع إيران، وزحّفت حدودها نحو العراق، وقامت باستغلال حقل الرميلة الجنوبي، وسرقت من النفط ما قيمته 2400 مليون دولار، وأردف صدام قائلاً:
{ إن حقوقنا سوف نأخذها حتماً، سواء غداً، أو بعد شهر، أو بعد عدة أشهر، فنحن لن نتنازل عن أي من حقوقنا}.
وأنتقل صدام بعد ذلك إلى محاولة تطمين الولايات المتحدة على مصالحها النفطية في الخليج قائلاً:
{نحن نفهم تماماً حرص الولايات المتحدة على استمرار تدفق النفط، وحرصها على علاقات الصداقة في المنطقة، وأن تتسع مساحة المصالح المشتركة في المجالات المختلفة ولكننا لا نفهم محاولات تشجيع البعض لكي يلحق الضرر بنا}.

ثم تحدث صدام بغرور كبير عن احتمالات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة في المنطقة قائلاً:{نحن نعرف أنكم دولة عظمى، ونحن دولة صغيرة، وأنتم قادرون على إيذائنا، غير أننا قادرون أيضاً على إيذائكم، على الرغم من كوننا دولة صغيرة، ونحن ندرك أنكم قادرون على جلب الطائرات، والصواريخ لضربنا، ولكننا سوف نستخف بكل هذا إذا شعرنا أنكم تريدون إلحاق الأذى بنا فالموت أفضل من الذل}.

وأخيراً أختتم صدام حديثه بتوجيه التحية إلى الرئيس بوش، راجياً السفيرة أن ُتطّلع الرئيس على نص حديثه معها شخصياً.
وبعد أن انتهي صدام من حديثه، جاء دور السفيرة كلاسبي، التي شكرت بادئ الأمر صدام على حديثه معها، وأعربت عن حرص الولايات المتحدة على صداقتها مع العراق، وتطوير العلاقات معه في مختلف المجالات. ثم أضافت قائلة:
{ سيدي الرئيس أود أن أعلق على نقطتين أساسيتين وردت في حديثكم، النقطة الأولى حول موضوع الحرب الاقتصادية التي ذكرتموها، وأود هنا أن أقول باسم حكومتي، أن الرئيس بوش لا يرمي إلى الحرب الاقتصادية ضد العراق، وإنما يود أن تكون هناك علاقات أفضل بين البلدين، ولكن الولايات المتحدة لا تريد أسعاراً عالية للنفط، وتود أن يكون هناك استقراراً لسوق النفط، فإن أي اضطراب لسوق النفط، وللأسعار، يؤثران تأثيراً بالغاً، ليس على اقتصادنا فحسب، بل اقتصاد جميع الدول الأخرى}. (8)
وقد رد صدام حسين قائلاً: { أن سعر 25 دولار للبرميل ليس غالياً}.
ثم انتقلت السفيرة إلى النقطة الثانية، والتي هي بيت القصيد في تلك المقابلة، فقد تحدثت عن الخلافات العربية- العربية، قائلة:
{إن التوجيهات الموجهة إلينا، هي إننا لا ينبغي أن نبدي رأياً حول القضية، فلا علاقة للولايات المتحدة بها، ونحن نتمنى حل المشاكل بينكم بأي طريقة مناسبة، فنحن لا ننوي التدخل في هذه المشاكل}.(9)
لقد أرادت السفيرة أن تقول لصدام حسين، أنه حر في تصرفاته إزاء الأزمة مع الكويت، وفهم صدام أن الضوء الأخضر قد فتح أمامه ليقوم بمغامرته، التي كانت الولايات المتحدة تنتظرها بفارغ الصبر.
وفي الوقت نفسه ضغطت الولايات المتحدة على حكومة الكويت لكي لا تقدم أي تنازلات للعراق مهما كانت خلال محادثات مؤتمر جدة المنوي عقده في 31 تموز، ومما يؤكد ذلك الخطاب الذي عُثر عليه في مكتب أمير الكويت، بعد الغزو، والموجه من الأمير إلى الشيخ سعد، رئيس الوفد الكويتي المفاوض في مؤتمر جدة، والذي جاء فيه:

{نحن نحضر الاجتماع بنفس شروطنا المتفق عليها، والمهم بالنسبة لنا مصالحنا الوطنية، ومهما ستسمعون من السعوديين والعراقيين، عن الأخوة، والتضامن العربي، لا تصغوا إليه، فكل واحد منهم له مصالحه، السعوديين يريدون إضعافنا، واستغلال تنازلنا للعراقيين، لكي نتنازل لهم مستقبلاً عن المنطقة المقصودة، والعراقيون يريدون تعويض خسائر حربهم على حسابنا، وهذا لايمكن أن يحصل، ولا ذاك وهذا رأي أصدقائنا في واشنطن ولندن. أصروا على موقفنا في مباحثاتكم، فنحن أقوى مما يتصورون}. (10)

ومعلوم أن الشيخ جابر ما كان ليجرأ على تحدي العراق بهذا الشكل لولا الضغط والدعم الأمريكي، فالكويت أضعف من أن تقف أمام جيش العراق حتى ولو ليوم واحد، لكن التوجيهات الأمريكية هي التي فرضت ذلك، وقد وضعت المخابرات الأمريكية خطة الحماية لحكام الكويت لتخرجهم سالمين، عند أول تحرك للقوات العراقية، لكي لا يقعوا بأيديهم، ولتكن ذريعة بيد الولايات المتحدة لإعادة الشرعية للبلاد.
حامد الحمداني
www.Hamid-Alhamdany.com