الرئيسية » مقالات » عن تصريحات القدومي الأخيرة

عن تصريحات القدومي الأخيرة

في مرضه الأخير كتب لينين رسالة لأعضاء مؤتمر الحزب البلشفي تدور بالتحديد عن صفات خليفته المحتمل ستالين , لكن الرسالة بقيت سرا لعقود حتى قامت نفس البيروقراطية الحزبية التي مجدت يومها صعود ستالين , و بعد أن قررت التخلص من ستالين و لو بعد موته , بنشر تلك الرسالة على الملأ , جاءت الرسالة متأخرة لعدة عقود , لا فرق هنا أن يكون من كشف الرسالة هو خروتشوف أو تروتسكي , إن البيروقراطية تعشق الأسرار و تنكر الواقع لصالح واقعها البديل , الذي يصورها كملاك حقيقي , أي تماما عكس واقعها الفعلي , أي حقيقتها ككائن قادر على المساومة على كل شيء و أي شيء , ككائن ينتحل صفات مجتمعية حينا و وطنية أحيانا لتوصيف مصالحها الخاصة و سيطرتها على الجماهير , و البيروقراطية تسبغ على عالمها المزيف هذا صفات القداسة و هي تستخدم دون أي تردد كل مخلفات المقدس الماضوي , لكن لتوصيف عالمها هي , كان الرئيس السوري الراحل ( “العلماني” ) حافظ الأسد يستخدم لفظ “البيعة” ( الذي اخترعه معاوية ) لوصف “الانتخابات” الرئاسية الهزلية التي كان يعيد فيها باستمرار انتخابه كرئيس لسوريا على امتداد 3 عقود , بعد أن كانت بيروقراطية منظمة التحرير و السلطة الوطنية قد تخلت بازدراء وسط تصفيق الليبراليين العرب عن كل الشعارات التي تعود إلى المرحلة القومجية عادت فجأة لذات الكلام الشعاراتي عن الوحدة و الوطن و الشهداء , بل استخدمت هي أيضا لفظ “الفتنة” لتوصيف هذا الصراع الذي انفجر داخلها , هذا الوصف الذي استخدم تاريخيا لاحتواء الصراعات الدموية في فترة بناء الدولة الإسلامية بعد غياب النبي محمد و أبي بكر و عمر , بهدف تحويل الصراع من صراع مباشر على السلطة انتهك فيه المقدس بأكثر الأشكال فظاظة إلى “اجتهاد” لا يخرج عن حدود المقدس “كمرجعية نهائية” , ليست القضية هنا إثبات أو نفي ما أصبح يسمى بوثيقة القدومي , بل في لفت النظر إلى حقيقة جهلنا ليس فقط بتاريخنا البعيد , بل و بتاريخنا القريب , كجزء من منظومة سيطرة قوى متسلطة على حياتنا , فحدث تاريخي عميق الأثر مثل حرب فلسطين 48 أو هزيمة مفجعة مثل هزيمة يونيو حزيران 67 ما تزال نهبا للأقاويل و التراشقات الإعلامية , سواء على صعيد حقيقة سلوك و تصرف البيروقراطية الناصرية – البعثية الحاكمة يومها في سوريا و مصر أو دور السعودية و حلفائها العرب – الأردن خاصة , في الهزيمة , الرواية الرسمية الناصرية تضع اللوم على عبد الحكيم عامر و تقدم صورة عاطفية للديكتاتور – عبد الناصر و هو يجتر آلام الهزيمة بقصد استدرار مشاعر معينة تنتهي بتبرئة الديكتاتور , المؤسف أن هذه الطريقة كانت ناجعة , أضاعت شعوبنا فرصة استثنائية لقلب هذه المعادلة يوم 9 و 10 يونيو حزيران 67 عندما سامحت البيروقراطية على ما فعلته بها , بأرضها و بأولادها , بمصيرها , بعد “حكم البراءة” الذي اعتبرت البيروقراطية أنها استحقته بعد هذه الهزيمة , أصبح كل شيء مباح , أي غباء هذا الذي دفع الناس لتنزل للشوارع لتصرخ لمن تلاعب بها بدلا من أن تحاسبه على ما فعله بها , هذه الحصانة المزعومة للسلطة تدفع بداعرين مثل أزلام نظام مبارك ليؤكدوا أنه مهما بلغ “الخلاف” بين النظام و شعبه , فإن شعوبنا “البريئة” , ستصطف في نهاية المطاف “وراء” قياداتها , هذا يصح على أحمدي نجاد كما يصح على محمود عباس , تتباهى النخبة و عملاء الأنظمة بغباء شعوبنا و تسرف في امتداح هذا الغباء , الضروري لاستمرار حالة القهر السائدة إلى ما لا نهاية , كالعادة ستجيب بيروقراطية السلطة و فتح بمحاولة فرض الصمت على خصومها , بمبررات مختلفة , فقاعدة الصمت أساسية هنا , بل يتجرأ البعض على أن يقولوا أنه من الممكن مناقشة أي شيء لكن بعيدا عن أعين و مسامع الناس العاديين , في “المؤسسات” البيروقراطية الفوقية الخاصة المعزولة بدقة و إحكام عن الناس بل حتى عن الدرجات الوسطى من البيروقراطية نفسها , حيث دفنت رسالة لينين لعقود حسب مصالح البيروقراطية الحاكمة التي توصف بأنها مصلحة الوطن و الشعب , و مع غياب متعمد لأي نقاش فعلي حتى على مستوى النخبة للسياسات العليا التي تبقى حكرا و وقفا على رأس مؤسسة البيروقراطية الحاكمة و مع الغموض المقصود لدوافع و اتجاهات هذه السياسات , التي تسمح للقوى المسيطرة و الحاكمة بالقيام بانعطافات هائلة دون أي تمهيد في هذه السياسات مع القليل جدا من الجهد المبذول إعلاميا لمخاطبة الناس , الذين يقادون كالغنم , فتنحط المناقشات السياسية عن قصد و وعي كاملين إلى مجرد دفاع أو هجوم على هذا النظام أو ذاك فقط لا غير , بقصد أساسي هو أن يجري استيعاب الحقيقة الفعلية إلى أن يحين وقت الاستفادة من ورقة بحجم رسالة لينين إلى المؤتمر ليجري استثمارها عند ذاك كما يجب لكن لصالح البيروقراطية , و دائما ضد الناس…..