الرئيسية » الملف الشهري » مذكرات طالب هيتي – هيتٌ ، وأنا ، والزعيم

مذكرات طالب هيتي – هيتٌ ، وأنا ، والزعيم

Wednesday, 15 July 2009

الزمان هو يوم الاثنين، الرابع عشر من تموز 1958، والمكان هو محلة القلقة في مدينة هيت، وتبدأ الحكاية من ذلك الزمان ،ومن ذلك المكان فقد كنت يومها طفلا في التاسعة من العمر ناجحا من الصف الثالث الابتدائي إلى الصف الرابع في مدرسة غازي الابتدائية للبنين، وكنت في عطلتي الصيفية ،لا أعرف كما هم أطفال هذه المدينة التاريخية عن الدنيا شيئا، فقد تعودنا أن ننام مبكرين ونستيقظ مبكرين حيث لا يوجد في ليالينا ما يمكن أن يجعلنا سمارا بها، فنودع الليل في أولى ساعاته وننام ،ونحلم ولم نكن نحلم بشيء أكثر من أن ننتظر القيلولة لننزل إلى النهر فنقضي ساعات سابحين به دون أن نسبح بالخيال، ولم نخرج في طموحنا في ذلك الزمان عن دائرة الناعور الذي كان يمثل لنا كل شيء فمنه الماء، ومن الماء جعل الله كل شيء حي ومن دورانه المستمر عرفنا أن الحياة دائمة ولن تتوقف ومن صموده تعلمنا العناد،ومن شجوه وأنينه تعلمنا كيف نستمع للآخرين بهدوء. في صباح ذلك اليوم لم أسمع صوت البلبل مغردا من إذاعة بغداد وإنما سمعت كلاما لم أفهمه ،وكلمات لم أقراها في (القراءة) ولم أسمعها من معلمي المدرسة في ساحتها في الاصطفاف الصباحي ، لقد كانت الكلمات غريبة منها : ثورة ،وانقلاب وملكية،وجمهورية، وغيرها من الكلمات التي أصبحت فيما بعد مرادفات ومترادفات في قول السياسيين وغير السياسيين.في ذلك الصباح عرفت بان أمرا مُهماً قد حدث ،وأن هذا الحدث سيغير مجرى التاريخ في العراق.وبفضولي الطفولي استمعت إلى أقاويل الكبار،وتحليلاتهم التي لم أفهم منها في حينه شيئا، وربما أن بعض المصرحين بها لا يفهمون ما يقولون، وإنما كانت مجرد ثرثرة لا أكثر. واستمعت مع المستمعين إلى البيان الأول ولا زالت ترن في أذني بدايته (أيها الشعب العراقي الكريم) .استفسرت عن معنى الشعب فقال بعض الحاضرين نحن هو الشعب،وظلت بعض كلمات البيان ترن في أذني ومنها أن الجيش هو منكم واليكم فسالت عن الجيش فقالوا: هم العسكر، ولم افهم من هم العسكر إلا بعد أن قالوا هم الجنود، فقد كان بعض أبناء المحلة جنودا. وانتهى البيان بقول قارئه :” والله نسأل أن يوفقنا في إعمالنا لخدمة وطننا العزيز إنه سميع مجيب .. القائد العام للقوات المسلحة الوطنية”.ولم يكن أحد ممن سألتهم في ذلك الزمان يعرف من هو القائد العام للقوات المسلحة لا من حيث المنصب ،ولا من حيث شاغله. ومرت الأيام وبدأت التظاهرات المؤيدة للثورة وكنت أنا بعض أصدقائي الأطفال من السائرين والمصفقين للهاتفين باسمها وللهاتفين”عاش الزعيم عبد الكريم” فعرفت أن القائد العام هو الزعيم، وأن الزعيم هو عبد الكريم قاسم ،وعرفته بعد ذلك أكثر من صوره، وعرفته من صوته ومن أقواله التي كانت تذاع عبر الإذاعة.وانتهت العطلة الصيفية،وعدنا إلى مدرستنا ،وأول شيء تغير في فيها هو اسمها حيث صار اسمها مدرسة (النضال) الابتدائية للبنين،بدلا عن مدرسة (غازي) كما تغير اسم مدرسة (الهاشمية ) إلى مدرسة (الكفاح )الابتدائية ،وهكذا عرفت وأنا أبن العاشرة كلمة النضال ،وكلمة الكفاح ،وليتهم لم يسموا مدارسنا بهذين الأسمين، فلقد كـَره طلبة ُالنضال ِالكفاح َ،مثلما كـَره طلبة الكفاح النضالَ، فلا النضال حقق لنا نصرا، ولا الكفاح بنى لنا وطناً. ودارت الأيام، وتبدلت الأحوال وتغيرت الأناشيد، واستبدلت الشعارات والصور، وصارت السياسة ملح الزاد،بل هي الزاد كله لأهل المدينة. و في مدرستنا النضال غمرتني بشائر الفرح التي جاءت مع الثورة. لقد كانت البشارة الأولى هي وجبات التغذية المدرسية ففي عهد الزعيم عرفت الموز والبرتقال والتفاح ، وقويت عظامي وعظام زملائي أطفال المدرسة من كثرة شربنا للحليب الذي كان يقدم لنا مع تلك الوجبات، وتحسنت صحتنا نتيجة تناولنا البيض المسلوق ،وحبوب (دهن السمك) التي كانت تقدم لنا بعد تلك الوجبات .لقد شبعنا فاكهة وكثيرٌ منا من كان يشبع من بعض مواد التغذية المدرسية من الخبز و( اللبلبي) فتفيض عن حاجته الفواكه، فيحملها إلى أخيه الأصغر، أو أبيه المريض. وكانت البشارة الثانية، فحين حل فصل الشتاء كستنا المدرسة بفضل الزعيم بالكسوة الشتوية فارتدينا(القوط) ولبسنا(كالات باتا)،ولعبنا الرياضة بها بعد أن كنا نلعب حفاة . وارتدينا الملابس الجديدة بعد أن كان بعضنا يجيء إلى المدرسة بملابس رثة. لقد شعرنا نحن اليتامى بأن لنا أبا اسمه عبد الكريم قاسم . بعدها بدأت مرحلة الوعي السياسي حين دخلت المتوسطة وعرفت من هم الشيوعيون ،ومن هم البعثيون، ومن هم القوميون، ومن هم الأخوان المسلمون ومن هم التقدميون، ومن هم الرجعيون ،عرفت كل هذه الكلمات سماعا وكتابة ولكني لم أكن اعرف مدلولاتها السياسية في حينه. ورأيت أول ما رأيت وفي ساحة مدرسة الكفاح كيف يتدرب بعض الشباب على السلاح ،وعرفت بأنهم المقاومة الشعبية ،وان كبيرهم كان الملازم(حلومي)، وعرفت أن الشاقوفة كانت جامعة السياسيين الهيتيين، وبالتحديد ذوي الميول اليسارية والشيوعية حتى غدا اسم تلك المقهى دليلا لشيوعية هيت،وتخرج منها العديد من السياسيين منهم المعتدلين ومنهم المتطرفين الذين وصل الأمر ببعضهم أن ردد في إحدى المظاهرات أهزوجة لازال الكثير يحفظها وهي( هيت قطعة من السوفيت..)وقد غدت هذه الأهزوجة إلى عهد قريب سُبّة ًعلينا نحن الهيتيين. في ذلك الزمان وما بعده، وفي المكان ذاته، في هيت أقيمت احتفالات في مناسبات عديدة، فاحتفلنا بعيد الجيش، وبعيد العمال العالمي ،وبعيد المرأة وبعيد الطفل العالمي، وبكل أعياد الشعوب المحبة للحرية والسلام،وفيها هللت النسوة، ورقصت الصبايا، وغنين رف يا حمام ، فعرفت من ذلك الوقت كم هي كثيرة أعياد الشعوب، لأنني قبل الثورة لم أكن أعرف ولم أكن أنتظر سوى عيدين سعيدين هما عيد الفطر وعيد الأضحى فقد كانا مناسبتين سعيدتين لي لأطفال المدينة لأن نلبس (دشداشة جديدة) أو حذاءا جديدا.واستمعت في تلك المهرجانات إلى الشاعر بدران أحمد بريكع وهو ينشد للثورة، واستمعت إلى مجموعة من الشباب وهم ينشدون (رف يا حمام على الهسهيس، رف على هيت وأهل كبيس) ،ولأول مرة عرفت بان الحمام هو طائر السلام .في تلك السنوات تعلمت من السياسة أشياء وأشياء وترسخت عندي محبة الوطن، ومحبة الزعيم، والأفكار التي كان يدعو إليها من كان مؤيدا للزعيم ،وكبرت بعض الشيء ودخلت المتوسطة مع زملائي أبناء القلقة واختلطت بآخرين من أبناء القلعة(السور) وتفتحت أعنينا وأذهاننا على أشياء كثيرة فقرانا في كتب المدرسة في ذلك الزمان عن منجزات الثورة وعن أعمال الزعيم فعرفنا بأنه لم يترك ساحة ولا ميدانا ولا حقلا إلا ودخل فيه فبنى الزعيم، وعمّر، وانشأ ، وأقام .ففي العلاقات الدولية والسياسة الخارجية انسحب من حلف بغداد واعتمد سياسة الحياد الايجابي،وساهم بتأسيس منظة الدول المصدرة للنفط (أوبك ) كما حرر الدينار العراقي من هيمنة الجنيه الإسترليني.وعلى صعيد العلاقات العربية فهو من أسس جيش التحرير الفلسطيني ،وهو أول الداعين إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولو استمع العرب وحكامهم إليه وأقاموا للفلسطينيين تلك الدولة في ذلك الزمان وذلك المكان، لما جرى الذي جرى وصار الذي صار. كان الزعيم أكثر زعماء العرب دعما للثورة الجزائرية.وإذا ما امتد جوده إلى خارج الوطن فانه كان جوادا في داخله، فكثيرة هي المشاريع التي أنجزها الزعيم ولا زالت تنطق بالعرفان له ، فمن منا ينسى الزعيم حين يمر بشارع القناة ، ومن منا لا يترحم عليه حين ينظر بزهو إلى برج جامعة بغداد، وحين يرى مدينة الطب شامخة في بابها المعظم ، ومن منا لا يقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة عندما يدخل إحياء وشوارع مدينة الفقراء (مدينة الثورة)،المدينة التي سرق اسمها صدام فاسماها باسمه ،ومثلما فعل صدام فعل الطارئون على السياسة من بعده فأسموها مدينة (الصدر)، ولا ندري ما هي علاقة (الصدر) بمدينة عبد الكريم قاسم.ومن أجل أن يظل نفط العراق للعراقيين فقد اصدر الزعيم القانون رقم 80 لسنة 1961الذي ألغى بموجبه امتيازات الشركات النفطية الأجنبية في الأراضي العراقية، وكان على وشك أن يشرع قانون شركة النفط الوطنية لولا اغتياله بانقلاب 8/شباط 1963.ومثلما سرقوا تاريخه واسمه من هذه المنجزات فقد سرقوا اسمه من منجزات أخرى فاسموا الميناء العميق الذي وضع أسسه عبد الكريم قاسم بميناء البكر، وسرقوا اسم مشروع المصب العام ،وجعلوه باسم نهر صدام .غريب عجيب أمر هؤلاء السُرّاق لأنهم يسرقون في وضح النهار دون حياء أو خجل.وكيف لهم أن يخجلوا وقد تنكروا لمبادئ وقيم تلك الثورة ولمنجزات ذلك الزعيم الذي لم ينسَ الشعب فمثلما لم ينس رجاله فإنه لم ينسَ المرأة،فشرّع لها قانون الأحوال الشخصية الذي يُعد بحق واحدا من أفضل القوانين العربية والإسلامية التي تحفظ للمرأة العراقية بكل انتماءاتها،عزتها وتصون كرامتها ،وقبل هذا فقد قضى الزعيم على النظام الإقطاعي وعلى هيمنة شرذمة من الملاك على ملايين الدونمات من الأراضي الزراعية فشرع قانون الإصلاح الزراعي . والشواهد على فضل الزعيم في العلم والمعرفة كثيرة أبرزها أنه وبعهده وفي تموز 1960 تم التوقيع على اتفاقية لبناء مفاعل نووي صغير للأغراض السلمية في منطقة(التويثة) والتي عرفت فيما بعد بمنظمة الطاقة الذرية.برغم كل هذه المنجزات وغيرها الكثير لم يرضَ البعض عن الزعيم لا دوليا ولا عربيا ولا داخليا ،فدوليا كان الاستعمار و كانت الامبريالية وحلفاؤهما ضده . وعربيا كان عبد الناصر والقوميون العرب ومن معهم ضده ،لأنه لم ينفذ أوامر عبد الناصر ولم يكن يريد أن يضحك على العرب والعراقيين بمهزلة اسمها الجمهورية العربية المتحدة، أو بشعار هزيل اسمه الوحدة العربية ، ولم يكن يريد أن يضحي بالشعب العراقي وبمكوناته المتآخية من أجل شعارات مستهلكة لا تغني ولا تسمن. وفي الداخل تربص له الكثيرون ،فمنهم من اعتبره سارقا للثورة ،ومنهم من اعتبره دكتاتورا غير مؤمن بالديمقراطية، حيث لم يشرع دستورا ولا قانونا للانتخابات،ومنهم من اعتبره شعوبيا، ومنهم من اعتبره متذبذبا لم يضع للثورة برنامجا واضحا محددا. وآخرون اعتبروه عدوا للأكراد لأنه شن حربا على الملا مصطفى البارزاني. ولكل هؤلاء اكتب ما قاله الزعيم في أحد خطاباته، “يقول واحد: هذا قومي، ويقول الأخر هذا شيوعي وذاك بعثي والثالث ديمقراطي. وأنا أقول هذا وطني وابن هذا البلد… قمت بالثورة لصالح كل الناس إني دوماً مع الناس كلهم. إني فوق الميول والاتجاهات والتيارات دوماً، وليس لدي انحياز لأي جانب كما إني أنتمي إلى الشعب بأسره، وإني أهتم بمصالح الجميع، وأسير إلى الأمام معهم كلهم، كلهم أخوتي.” وبالرغم من هذا المنطق وهذه الروح الوطنية الصادقة لم يتركوا الزعيم بحاله ، فبدأت المؤامرات تحاك ضده ،ولم تكن نتيجة مخاض طويل بعد الثورة، بل أنها بدأت في أيامها الأولى وكانت أولها تلك التي أراد تنفيذها صديقه وحليفه ونائبه عبد السلام عارف بدعم من بعض الشخصيات ذات الميول القومية. ثم توالت المؤامرات حسب ما كنت أسمعه من رجالات المدينة ونسائها الذين أصبحوا بفعل الثورة ومحبتهم للزعيم ساسة ومحللين في السياسة ، وسمعت من الإذاعة ومن الكبار عن مؤامرة الشواف في الموصل، وعن محاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد ،ومقتل الغريري وهروب فاضل الشاهر أحد أبناء المدينة المشاركين فيها. وعرفت من أحاديث الكبار في مجالسهم بعض الشيء عن الطبقجلي ورفعت الحاج سري..ولكن الاستعمار والامبريالية التي عرفت معناهما بعد أن دخلت عالم السياسة لم يرق لهما وجود ابن عراقي بار يحكم العراق فبدأت المؤامرات تأخذ مديات أبعد ،فتحالف الأضداد ضد الزعيم،و تآمر الكل على ابن الشعب البار، أجانب وعرب حتى اسماه المصريون قاسم العراق، والتقى بعدائه أقصى اليمين بأقصى اليسار، ووجندت أمريكا عملاءها،وأوصلتهم إلى الحكم بدبابة أمريكية فكان لها ولهم ما أرادت وما أرادوا، فحكموا بالحديد والنار، وكانت النتيجة مؤامرات وانقلابات وحروب أفقدت الشعب شبابه وماله وضيّعت عليه الكثير من فرص التقدم والازدهار. لقد حقق الخالد عبد الكريم قاسم لنا الكثير، فسلام عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا .

موقع شباب العراق