الرئيسية » مقالات » هل من روية جديدة لخوض الانتخابات العامة القادمة في العراق؟

هل من روية جديدة لخوض الانتخابات العامة القادمة في العراق؟

تشير مستجدات الوضع في العراق إلى حصول واقع تفتت فعلي لجميع التحالفات السياسية السابقة التي أقيمت خلال السنوات الست المنصرمة على ثلاثة أسس ابتعدت بالعراق عن طريق المواطنة العراقية الحرة والديمقراطية والتصقت بقوة بالهويات الثانوية لواقع العراق الراهن, وأعني بها:
– التحالف المذهبي القائم على أساس طائفية سياسية مقيتة تميز بين العراقيات والعراقيين على أساس المذهب, فهنا تحالف شيعي وهناك تحالف سني وكلاهما منعزل عن أتباع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى.
– التحالف على أساس قومي الذي تبلور في التحالف الكردستاني الذي لا يضم غير الكُرد, وتحالف يضم بعض القوى القومية العربية التي تلاحمت نسبياً مع القوى الطائفية السياسية السنية على نحو خاص ولا تضم إليها من أتباع قوميات أخرى, مما سمح بنشوء قوائم أخرى للكلدان والآشوريين والتركمان.
– تحالفات سياسية لم ترتق إلى مستوى الهوية الوطنية المنشودة وجمعت جملة من المتناقضات.
كل هذه التحالفات تفتت وراحت قواها تفتش عن تحالفات أخرى, بعضها لا يخرج عن الإطار السابق ولكنه يريد أن يظهر بمسميات أخرى يراد لها كما يبدو أن تغطي على حقيقة النهج الفكري والسياسي ذاته لتلك القوى. كما أن القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية لم يكن لديها أي تحالف جدي يسمح لها أن تلعب دوراً أكبر في الحياة السياسية العراقية.
التفتت لم يأت من فراغ, بل جاء لأسباب جوهرية منها:
– غياب الهوية الوطنية العراقية عن تلك القوائم وانغلاقها على هويات ثانوية في وضع العراق الراهن, رغم أهمية الهوية القومية لمكونات العراق القومية.
– السياسات والمواقف التي اتخذتها الكثير من قوى تلك القوائم لم تكن مقبولة من جانب الشعب العراقي بمختلف مكوناته ولم تعبر عن مصالح تلك المكونات.
– غياب الديمقراطية والشفافية عن الحياة الداخلية لتلك الأحزاب وعن العلاقة في ما بينها ومع قوى الشعب وفئاته الاجتماعية الكادحة والفقيرة وعدم تنفيذ ما جرى الالتزام به أمام ناخبيها وضعف دفاعها عن مصالحهم بشكل عام.
– استمرار الفساد المالي والطائفية في حياة الدولة والمجتمع والذي ألحق أضراراً فادحة بالدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني , ولكن كان في صالح مجموعات من المشاركين في الحكم ومن هم حولهم.
– ضعف صارخ في معالجة المشكلات القائمة, سواء أكانت على مستوى الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, أم في مجال البطالة المكشوفة والمقنعة, أم الفساد المالي والإداري, أم نقص الخدمات العامة والأساسية, إضافة إلى الاغتناء الشخصي لجمهرة من السياسيين بحيث أصبح الشعب في واد وكثرة من السياسيين في وادٍ آخر من حيث مستوى المعيشة والدخل …الخ, وأصبحت الفجوة واسعة جداً في مستوى حياة الفئة الاجتماعية الحاكمة والمحيطة بها من جهة وبقية فئات المجتمع من جهة أخرى.
كما لا بد من ذكر حقيقة الدور السلبي الذي لعبته قوى الإسلام السياسي في أربعة مجالات, وهي:
** التمسك السيئ بالمذهبية والطائفية السياسية في حكم البلاد.
** تفاقم قائمة الممنوعات والمحرمات على الشعب والتي تنطلق من ترسانة رفض الحرية الفردية والحياة الديمقراطية.
** القتل والتشريد والتهجير القسري الذي مارسته القوى المتطرفة والإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة, بحيث لم يعد من الممكن معرفة الفاعل, فكلهم تقريباً متهمون وكلهم تقريباً مشاركون في ذلك. ولا تزال الحالة سارية حتى الآن في عمليات تفجير الكنائس كما حصل لخمس كنائس في بغداد وكنيسة في الموصل, وهي موجهة ضد المسيحيين ووجودهم في العراق, كما أنها موجهة ضد الصابئة المندائيين والإيزيديين أيضاً.
** تشديد التعامل مع حقوق المرأة المعترف بها دولياً واغتصاب هذه الحقوق والهيمنة على إرادتها الحرة.
والآن نحن أمام وضع جديد, فما هو المطلوب من القوى الديمقراطية العراقية ومن مختلف القوميات لخوض الانتخابات العامة القادمة؟
في آخر ندوة عُقدت لي في لندن في أوائل هذا الشهر (تموز-يوليو 2009) وبحضور جمهرة كبيرة من القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية أشرت إلى أهمية وضرورة أن تدرك هذه القوى بأنها خسرت الكثير خلال الأعوام المنصرمة لأنها لم تدرك أهمية تحالفها وتعاونها في خوض الانتخابات ولأنها فتشت عن مصالح قصيرة الأمد وضيقة ولم تفكر بالمهمات الأبعد والأكثر أهمية والأكثر قرباً من مشاعر وحاجات الناس, وبالتالي لم تأخذ بالاعتبار ولم تتعلم من دروس الماضي منذ سقوط الملكية حتى الآن. إن الطريق الموصل للنجاح يمر عبر التعاون والتكاتف والتحالف وليس عبر الانفراد والتنافس والصراع والادعاء. إن الواقع العراقي الراهن بحاجة إلى تحالف وطني واسع لكل القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية وفق برنامج غير واسع ومؤسس وفق حاجات المجتمع للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات كلها دون استثناء والعدالة الاجتماعية. نحن بحاجة إلى تحالف وطني واسع يضم إليه العرب والكُرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان, ويضم إليه الشخصيات الوطنية السياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية إلى جانب الأحزاب والقوى والتكتلات السياسية وقوى المجتمع المدني التي تدرك مخاطر الواقع المحتملة خلال الفترة القادمة والمهمات التي يفترض النهوض بها لصالح كل القوى المشاركة في التحالف, لصالح المجتمع بأسره.
من أجل تحقيق هذا التعاون والتحالف اقترح تشكيل هيئة تحضيرية تضم إليها ممثلون عن جميع القوى والأحزاب والكتل السياسية الديمقراطية والعلمانية واللبرالية من جميع المكونات القومية في العراق ومجموعة من الشخصيات الديمقراطية المستقلة من النساء والرجال تهيئ لمؤتمر سياسي واسع لكل هذه القوى لتناقش ورقة عمل تعدها الهيئة التحضيري لتكون أساساً لتحالف هذه القوى لخوض الانتخابات القادمة على أساس قائمة موحدة على مستوى العراق كله, رغم الوقت الضيق لمثل هذه العملية المهمة. من الممكن أن يعتذر البعض عن المشاركة, وهو احتمال ممكن, ولكن المؤتمر يعقد بمكن يحضر ويشارك في الهيئة التحضيرية.
إنها الفرصة المناسبة والضرورية لكي تجتمع القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية العربية والكردية (التحالف الكردستاني وبقية القوى الديمقراطية في كردستان) وغيرها لكي تعود للساحة السياسية العراقية بقوة كبيرة وقدرة في التأثير على الأحداث الجارية في العراق وتدفع بالعملية السياسية صوب المجتمع المدني الديمقراطي.
أتمنى أن يقرأ هذا النداء كل القوى المعنية بعقد هذا المؤتمر ويتعامل معه بمسئولية عالية.

15/7/2009
كاظم حبيب